الفصل السادس
“أجل.”
أجاب ليفايثان دون لحظة تردد واحدة.
“….”
اختبأتُ تحت اللحاف المجعد ولم أُظهر سوى عينيّ، بينما أطلق الرجل زفيراً عميقاً وهو ينظر إليّ.
“لا بد أن هناك خطباً ما في عينيكِ، أو ربما في عقلك.”
“لا أفهم ما تقصده.”
“ولا أنا.”
بدا صوته مستسلماً، ونبرته تميل إلى الإرهاق. ورغم أن الحمى كانت تحرق جسدي، إلا أنني لم أستطع التوقف عن الابتسام. مجرد سماع أنه جاء للبحث عني غمر قلبي بسعادة لا توصف. أمسكت بطرف اللحاف ورفعته لأخفي ابتسامتي.
“توقفي عن الابتسام ونامي. حرارتكِ مرتفعة.”
مرت يده الباردة فوق جبيني بلمسة حانية.
“أنتِ طفلة تجلب المتاعب حقاً. يبدو أنني اخترتُ الشخص الخطأ.”
“اعتبرها عدالة القدر -الكارما-.”
“يا لكِ من طفلة بقلبِ عجوز.”
الجو حار.. هل تحاول الآن التخلص مني؟
“حتى لو تحدثتِ بلطافة، فلن ينفع ذلك. كنتُ أقصد أن اختياركِ للكلمات هو المشكلة.”
آه، هكذا إذن.
“كنتُ أحلم بالحصول على طفل صغير ولطيف، لكن يبدو أن هذا الحلم قد تبخر.”
تلك الجملة جعلت عقلي المشوش يستفيق في لحظة.
“هل ستأخذني معك؟ إلى الشمال؟!”
اعتدلتُ في جلستي دون تفكير. اسودت الرؤية أمام عيني لثانية، لكن ذلك لم يعد يهم!
“إذا نهضتِ فجأة هكذا—! يا إلهي، على رسلك. ستجعلين قلبي ينفجر من القلق.”
“لا يمكنك أن تموت! ولكن.. لماذا؟ لماذا غيرت رأيك فجأة؟ لقد كنت ترفض الفكرة تماماً..!”
تنهد مرة أخرى وأعادني بلطف إلى الفراش. كانت تربيتاته الخرقاء كفيلة بتهدئتي بسرعة.
“لم أكن أكرهكِ.”
ثم أتبعها بتنهيدة أعمق.
“كل ما في الأمر.. أنني أردتُ لكِ أن تعيشي حياة طيبة.”
“…..”
“العالم أصبح هادئاً أخيراً.”
لزمتُ الصمت.
وجه بطل الحرب الذي عاد منتصراً بدا في هذه اللحظة.. صغيراً وحزيناً بشكل ما. ربما كان ذلك مجرد خيال من مخيلتي. حيثما لوح بسيفه، لم يتبقَ سوى الأنقاض. ربما كان (ليفايثان زيبرت) هو أكثر من يفهم معنى ذلك الفراغ. ربما لم يرفض أخذي معه فقط لأن تربية طفل أمر صعب..
‘ربما هو فقط لا يريد لمزيد من الناس البقاء بجانبه..’
لأنه يعتقد أن القرب منه يشبه الوقوف وسط حطام الأنقاض.
“يا سيدي.”
بينما كانت جفوني تزداد ثقلاً، همستُ بصوت خافت. لم أعد قادرة على مقاومة النوم الذي يغسل جسدي.
“أشعر بأقصى درجات السكينة عندما أكون بجانبك.”
صمت ليفايثان للحظة.
“أهكذا الأمر إذن.”
ثم غطت يده الكبيرة والدافئة عينيّ.
مرت عدة أيام.
لقد تعافيتُ تماماً. لا تزال هناك حمى خفيفة تجعلني حبيسة السرير، لكنني سأكون بخير بنهاية اليوم!
“هيهيهي…”
استلقيتُ على السرير وأنا أبتسم ابتسامة شريرة صغيرة. كان مقر فرسان زيبرت في العاصمة ضخماً وفخماً كما تقول الشائعات. استوليتُ على إحدى الغرف الجميلة وكنت ألوح بذراعي وساقي كالفراشة.
“تبدين مبتهجة اليوم.”
سُمعت طرقة على الباب، وظهر وجه مألوف.
“أوه، أيها الأشقر؟”.
ما الذي يفعله هنا؟
“مرحباً.”
أطلت عيناه من خلف الباب وانحنتا بلطف: “هل يمكنني الدخول لبرهة؟”
سأل بأدب. اعتدلتُ في سريري وحاولت هندمة نفسي دون سبب.
“كيف وصلت إلى هنا؟”
“همم، مشياً على الأقدام.”
“…..”
هل يعتقد أنني أسأله إن كان قد طار؟
“يبدو أن المشكلة التي كانت تقلقكِ قد حُلت. هذا جيد.”
“أجل.. نوعاً ما.”
أجبتُ بضبابية وتأملته. لم يعد يرتدي الملابس الرثة التي كانت في دار الأيتام. كان لدي شعور منذ المرة الأولى التي رأيته فيها، وهذا الفتى..
“سمعتُ أنكِ ستذهبين مع عائلة زيبرت؟”
“هاه؟ أجل، هذا صحيح.”
“إذن، هل سيتبناكِ الدوق؟”
“ربما..؟”
“هاها. لماذا تبدين غير متأكدة؟”
حسناً، الأوراق لم تُختم بعد. ومن يعلم كيف قد يغير ذلك الرجل المتذمر رأيه مرة أخرى.
فجأة، حدق الفتى الأشقر فيّ وانحنى للأمام.
“ماذا.. ماذا تفعل؟!”
ملأت عيناه المتلألئة بلون النعناع -الأزرق المخضر-رؤيتي.
“… كنتُ أعلم.”
قريب جداً! قريب بشكل مبالغ فيه!
“ماذا قلت؟”
“آه، لا شيء. أنا متأكد أن لدى الدوق أسبابه.”
تمتم بشيء ما ثم اعتدل في وقفته.
“آسف لإزعاجكِ وأنتِ ترتاحين. سأذهب الآن.”
“أوه..”
“سنلتقي مجدداً.”
لم يبدُ أنه يخطط للبقاء طويلاً. مشى مبتعداً دون تردد، وحتى طريقة مشيته كانت تنضح بالأناقة، لا بد أنها نتيجة تدريب نبيل صارم.
‘لماذا جاء أصلاً؟’
حدقتُ في المكان الذي غادره بعبوس.
‘إنه بالتأكيد الأمير الرابع، أليس كذلك؟’
الأمير الرابع لإمبراطورية بابل: ليشت بابل.
“ولي العهد القادم.”
في القصة الأصلية، يهزم -لييت- منافسيه واحداً تلو الآخر ويصبح ولياً للعهد. لم يتخيل أحد الطموح المختبئ خلف وجهه الناعم واللطيف.
‘لماذا كان ذلك الأمير في دار الأيتام في المقام الأول..؟’
كلما فكرتُ في الأمر، زاد ارتباكي.
“لا أفهم.”
ارتميتُ على السرير مرة أخرى. على أي حال، الصراع على العرش ليس له علاقة بي.
“ليكن ما يكون. سأستمتع فقط بهذا السلام!”
مرت أيام قليلة أخرى، وأخيراً— حان وقت الرحيل!
كان ليفايثان غائباً منذ الصباح. سمعتُ أنه اقتحم القصر كالإعصار.
“إذن أنت تخطط حقاً لافتتاح دار حضانة!”
علمتُ لاحقاً أن الإمبراطور كاد يفقد وعيه من الصدمة. وبسبب قرار الدوق المفاجئ بالعودة إلى الشمال، أُسقط موضوع “فحص المانا” تماماً. بالإضافة إلى ذلك، لم تتطابق أي من سمات الساحرة الهاربة مع صفاتي على أي حال.
“كيف حال رأسكِ؟”
“بخير.”
“هل تشعرين بالرغبة في التقيؤ؟”
“كلا.”
“هل هناك سعلة—”
“أوه، توقف عن هذا القلق المفرط!”
ضربتُ كتفه الصلب. شعرتُ وكأنني ألكم جداراً صخرياً. كنا قد توقفنا للتو عند الكنيسة المركزية في العاصمة.
“من القلق؟”
نظر إليّ بعينين حادتين.
أمامنا كانت وثيقة تحمل الختم الإمبراطوري. محتواها بسيط: -ليفايثان زيبرت-يضمن هويتي ويتولى رعايتي حتى أبلغ سن الرشد. باختصار، سيكون وصيّي القانوني.
‘كنتُ أتوقع ذلك.’
بالطبع، السماح لدوق نبيل بتبني طفل عشوائي ليس له أصل أو فصل لم يكن أمراً سهلاً.
‘لا يهم.’
المهم هو أنني أستطيع البقاء بجانبه! وبما أنني أخطط للمغادرة بمجرد إكمال هدفي، فقد تكون هذه الطريقة “أنظف” قانونياً.
‘تماماً كما كنتُ في دار الأيتام..’
في حياتي السابقة، نشأتُ في دار أيتام. وعندما أصبحتُ بالغة، كان عليّ أن أستقل، لكن بصراحة، كان الأمر يبدو ساحقاً. العالم كان قاسياً، ولم أكن أملك شيئاً. ربما كان اصطدامي بـ “شاحنة التناسخ” بركة في زيّ نقمة.
‘هذه المرة، سأستعد جيداً وسأصبح مستقلة!’
لكن أولاً، سأوقف النهاية المأساوية. عقدتُ قبضتي بعزيمة.
وقع الوثيقة بخط يد أنيق بينما كان يحملني بذراع واحدة. لم أتوقف عن التلمظ والتحرك. كنتُ أريد التوقيع أيضاً! أريد إنهاء هذه الأوراق بسرعة!
“يا لكِ من كائن صغير نافد الصبر.”
ضحك بخفة ثم أنزلني. أمسكتُ بالقلم بسرعة وهرعتُ نحو الورقة.
(رو. بي. ن)
كتبتُ اسمي بعناية بحروف غير مرتبة، وأضفتُ علامة صغيرة.
“… دودة؟ هل هذه كتابة “إيوسية”؟”
“إنها كتابة إمبراطورية، حسناً؟!”
حدق في الورقة وكأنها شفرة سرية. لم أهتم— وسلمت الوثيقة للكاهن المنتظر. وبمجرد أن دوت صدمة ختم الكنيسة فوق الورقة
“أصبح الأمر رسمياً الآن!”
قفزتُ من الفرح وأنا ممسكة بالورقة.
“تقولين أشياء غريبة دائماً.”
“هيهي.”
“ذراعيكِ.”
فتحتُ ذراعيّ على وسعهما، فالتقطني بسلاسة. سلم الوثيقة للكاهن، وغادرنا الكنيسة.
وكأنه يذكرني مرة أخيرة، قال:
“كما قلتُ لكِ من قبل يا روبي. الخيار لكِ.”
تذكرتُ حديثنا السابق قبل المجيء للكنيسة.
-جربي العيش معي في الشمال. لهذا السبب لم أتبناكِ على الفور-.
كان يقصد أنه إذا لم يعجبني منزله، يمكنني الرفض في أي وقت. منحني حق الاختيار.
“ومع ذلك.. أريد البقاء بجانبك.”
بينما كنتُ أعانق عنقه وأتمتم، أطلق ضحكة منخفضة.
“أجل. لا أفهم لماذا أنتِ متعلقة بي كل هذا التعلق.”
كعصفور صغير طبع صورة أمه في ذاكرته منذ اللحظة الأولى. تمتم وهو يربت على مؤخرة رأسي. ذلك الدفء أصبح مألوفاً جداً.
“على أي حال…”
“…..”
“من الآن فصاعداً، أنتِ الصغرى في منزلنا.”
شعرتُ وكأن شعلة صغيرة قد أُضيئت في قلبي.
“هيهي.”
لم أستطع منع نفسي من الابتسام. نقر على أنفي:
“لنذهب. إلى إقليم زيبرت.”
أخيراً، نحن نغادر العاصمة.. مع البطل!
“حاضر!”
‘يا سيدي، سأنقذك بالتأكيد. لذا أرجوك— أنقذ هذا العالم أيضاً.’
☆Joy☆
حسابي انستا- ncvdfi
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"