الفصل 9
“أيها المعلم الجليل، أفهم ما ترمي إليه، لكن هذا أمر لا يمكن البتّ فيه بهذه العجالة…”
وبعد نحو عشر دقائق، استطعتُ أن أرى نائب المدير وقد شحب لونه، وهو يتلعثم محاولًا التلفيق.
“أنا من يضمن هوية الصيادة غو هاي جو. وما دامت هويتها مؤكدة، أليس من غير المنطقي رفض طلب التحقيق؟”
على عكس نائب المدير الذي كان يتخبط لا يدري ما يفعل، كان صوت الراهب هادئًا رقيقًا، يرن في الأذن براحة.
كان يضحك بتصنّع أمامي قبل قليل،
أما الآن، فهو يتصبب عرقًا باردًا، ويبذل قصارى جهده ليمنع الأمر.
منظر يشرح الصدر حقًا.
“لكن، أيها المعلم… من الصعب الجزم بالهوية اعتمادًا على ضمان فرد واحد فقط.”
أوه؟ تصريح جريء نوعًا ما.
وهذا بحد ذاته دليل على مدى ضيقه.
لكنه لم يكن تصريحًا حكيمًا.
“أميتابها.”
ترتيلة بوذية منخفضة، لكنها انتشرت بعمق وسعة كصوت جرس معبد، حتى شعرتُ بأن أعماقي تهتز معها.
“…كخ!”
أما نائب المدير الذي تلقّاها وجهًا لوجه، فقد اختنق فورًا، وانكمش جسده وهو يلهث.
“نائب المدير سيو جونغ بيونغ.”
كان الأجدر بك أن تنظر إلى من تخاطبه قبل أن تفتح فمك.
“أترى أن ضمان رئيس قاعة الأرهات في شاولين أمرٌ هين؟”
الشخص الذي جئتُ به هو الرئيس الحالي لقاعة الأرهات في شاولين، وأحد أقوى المقاتلين، المصنف الثالث في ترتيب الصيادين الصينيين.
“أأحتاج أنا لأن أعلّمك وزن هذا الضمان؟”
إنه هاي تشون العظيم، المعروف بلقب ‘بوذا الجنون’ بسبب طبعه الناري.
“ل-لا، أبدًا! كخ! أعتذر! لقد تجاوزتُ حدّي!”
ما إن انتشرت هالة شاولين الثقيلة الجبارة حتى استسلم نائب المدير، ووجهه شاحب كمن شارف على نفذ الدم.
“كخ… تفضّلوا. أرجوكم!”
ابتسمتُ له ابتسامة لطيفة.
“الحمد لله أن الأمور سارت على خير ما يرام.”
رغم أن نظراته الحاقدة وهو يراني أبتسم وأمدّ إليه إذن التحقيق كانت مزعجة، إلا أن الوقت كان ضيقًا، فقررتُ التغاضي.
“إذًا، سنباشر التحقيق اعتبارًا من هذه اللحظة.”
ربما كان ذلك خيرًا للطرفين.
بفضل هاي تشون العظيم الذي انتزع التعاون بأسلوب سلمي، نجا نائب المدير بحياته.
لو لم يكن هاي تشون هنا، لما تجرأ حتى على التحديق بي.
كنتُ سأحصل على التعاون بطريقة عنيفة للغاية.
‘بهذا الحساب، نجا بأقل الخسائر.’
طبعًا، نائب المدير الذي يحدّق بي الآن لا يعلم ذلك.
‘لا… بل يعلم أو لا يعلم، النتيجة واحدة.’
فإن أسفر التحقيق عن أي شبهة، سأقلب هذا المكان رأسًا على عقب في النهاية…
‘الأمر فقط تأجّل قليلًا.’
وبينما أفكر بذلك، أخذتُ إذن التحقيق الذي وقّعه نائب المدير على مضض، وخرجتُ من مكتبه برفقة هاي تشون العظيم.
“أدين لك بالفضل، أيها المعلم.”
انحنيتُ باحترام، فرأيتُ الراهب يبتسم لي بود، فشعرتُ بدفء في قلبي.
“ما فعلناه لا يُذكر مقارنةً بالدَّين الذي على شاولين، بل وعلى هذا العالم، تجاه المتبرعة.”
كلماته المفعمة بالود أربكتني، فملتُ برأسي جانبًا.
مثل هذا الكلام يجعلني أشعر بالخجل.
أسلوب حديث معلمه الأكبر، هاي غوانغ، كان مشابهًا.
دائمًا ما كان يبتسم بطيبة ويطلق عبارات أشبه بالوصايا الغريبة، حتى وهو متجهّم.
‘سأفتح الطريق، وأترك لكِ السير فيه.’
حتى في لحظته الأخيرة، وهو يضحّي بروحه ليفتح الطريق مستخدمًا فنًا محرّمًا…
‘هذا الراهب العاجز يرحل بعد أن حمّلك عبئًا ثقيلًا. أعتذر، أيتها المتبرعة.’
كان جسده يجف ويموت من أثر الارتداد، ومع ذلك نطق كلماته الأخيرة بذلك الوجه الهادئ نفسه.
لو أنه لامني.
لو فعل… لربما كان النسيان أسهل.
“أميتابها.”
أعادني صوت الترتيل الهادئ إلى الواقع، منتشلًا إياي من بحر الذكريات.
“يبدو أنكِ مرهقة جدًا، أيتها المتبرعة.”
تجاهله للأمر بلطفه المعتاد جعلني أتنفس بعمق وأضغط على عيني المتألمتين.
“يبدو ذلك… أحيانًا أنام واقفة هكذا.”
ابتسمتُ بتكلّف، وتجاهلتُ الصداع النابض، ثم انحنيتُ مرة أخرى.
“إلى لقاء قريب.”
“أسأل لكِ السلام الدائم.”
لوّح لي بتحية بوذية، فتجاوزته متجهةً نحو كي بايك، الذي كان يراقب من بعيد بقلق.
“هل انتهى الأمر على خير؟”
ربما لأن ملامحي بدت قاتمة قليلًا، سألني بنبرة أكثر حذرًا من المعتاد.
أومأتُ برأسي ببطء.
“نعم.”
كان ثقل الكآبة في صدري يضغط على قلبي.
“لنعد إلى العمل.”
عندما تتشابك الأفكار، يكون إنهاك الجسد أيسر.
على الأقل… يساعد على النسيان.
“حسنًا.”
أومأ كي بايك وتقدّم أمامي.
راقبتُ مؤخرة رأسه بهدوء، وارتسمت على وجهي ابتسامة خفيفة.
حان وقت العمل مجددًا.
***
“يشرفنا مرافقتكم!”
ذلك الوغد نائب المدير، الذي لا يعرف معنى الاستسلام، أصرّ على إلصاق ذيلٍ بنا.
ما إن دخلنا خلف الحاجز المؤقت حتى استقبلنا رجل قدم نفسه كدليل لنا.
“همم…”
كان هو الرجل الذي كان يسيطر على الطريق عند وصولنا أول مرة.
اسمه…
هان وول يانغ، على ما أظن.
“إن لم يكن في ذلك إزعاج، هل يمكنني الحصول على توقيع؟”
مدّ سيفه بخجل، وبدا من تصرفه أنه لا يضمر مكيدة.
‘هل هو للمراقبة؟’
لا أثر لهالة قرص الدم أو طاقة المرتدين، لذا لا يبدو متورطًا.
ربما كل ما كُلّف به هو الإبلاغ عن تحركاتنا.
‘مزعج.’
لو كان متورطًا، لكنتُ أسقطته فورًا وألقيتُ به في أي مكان.
لكن لا يمكنني فعل ذلك مع شخص لا يعلم شيئًا…
“أفضل أن أتحرك أنا وكي بايك فقط.”
من تعبيره المحرج، بدا أن التخلص منه بالقوة لن يكون سهلًا.
“ماذا؟ لكن… يجب عليّ تقديم تقارير عن سير التحقيق أيضًا، و…”
من وجهة نظره، هذا مصدر رزقه، لذا من الطبيعي أن يتشبث بنا.
“حسنًا، فهمت. لكن إن لاحظتُ أي تصرّف مريب، فسأفقدك الوعي وأتركك.”
ورغم تهديدي، أشرق وجهه، فلم أجد ما أقوله بعدها.
وهكذا، ومع ذيل غير متوقع، تحركتُ وأنا ألعن نائب المدير في سري.
“لنبدأ بتفقد الموقع أولًا.”
ما دام هناك مرافق، فلنستفد منه.
كلما اقتربنا من مركز موقع الحادث بإرشاد هان وول يانغ، اشتدت رائحة الدم.
“هذا…”
حتى كي بايك، الذي رأى الكثير من المشاهد القاسية، لم يستطع إخفاء تأوهه.
“هاه…”
تمتمتُ بسُباب منخفض، أمام مشهد اعتدتُه ولم أعتد عليه في آنٍ واحد.
“حقًا… هذا لعين.”
أرض مضرّجة بالدم.
جثث بدأت تتحلل بعد أن فقدت دماءها وقوتها الحيوية.
ورائحة الموت الثقيلة التي تخترق الأنف.
صررتُ على أسناني، وقبضتُ يدي بقوة وأنا أتفحص المكان.
“هنا… آثار المكان الذي امتدت فيه جذور شجرة الدم.”
ارتبك هان وول يانغ من هالة القتل التي تسربت مني دون قصد، وأشار بحذر إلى مركز الموقع.
حفرة هائلة كبركة، ما زالت مليئة بدم لم يجف بعد.
“كل الدماء تجمعت هنا.”
كان كلام كي بايك صحيحًا.
بدت المنطقة كأن دماء الضحايا انجذبت كلها إلى هذه النقطة.
آثار تدفق الدم ما زالت واضحة.
هذا المشهد يطابق تمامًا آثار تجذر شجرة الدم التابعة للمرتدين.
“هل يعني هذا أن المرتدين فتحوا الباب مجددًا؟”
جلستُ القرفصاء ولمستُ الدم المتبقي بأطراف أصابعي.
“…لا. هؤلاء لم يفتحوا الباب. جذور شجرة الدم صغيرة جدًا.”
لو فتح المرتدون الباب ونزلت شجرة الدم، لما كانت الحفرة بهذا الصغر.
“شجرة الدم تمحو المنطقة بالكامل، وتمتص كل الدم والحياة.”
لذا ما كان ليبقى هذا الكم من الدم.
كان يجب أن تجف الآثار، وتتحول الجثث إلى عظام بيضاء.
هذا هو طبع شجرة الدم.
“لم تستطع امتصاص كل شيء.”
هنا يكمن الاختلاف.
“حجم الباب، ومدة فتحه، كانا قصيرين جدًا.”
لو كان المرتدون هم من فتحوه، لما حدث ذلك.
فهم مهووسون بالاستئصال الكامل.
“لم يفتح المرتدون الباب.”
إذًا، النتيجة واحدة.
باب غير مستقر، أصغر حجمًا من بوابة المرتدين.
“شخص ما… فتح الباب للمرتدين.”
لم يكن هذا الباب من صنعهم.
بل إنسان تواصل معهم وفتح لهم الطريق.
“ذاك اللعين…”
غلى الغضب في داخلي.
كم عانينا لطردهم، وكم أغلقنا الأبواب.
كيف يجرؤ؟
“رئيس الفريق الثالث.”
نبرتي المشحونة بالقتل جعلت حتى كي بايك وهان وول يانغ يتصلبان.
“من الآن فصاعدًا، سنصطاد الحيوان الذي خان البشرية.”
لم أعد أحتمل.
سأقبض أولًا على ذلك الذي يدعى نائب المدير، وأكسره نصفين.
ثم أسأله.
لماذا فعل هذا؟
لماذا استدعى المرتدين مجددًا؟
ووووو…
وفجأة، دوى عواء كالأشباح.
شخ!
خرجت مجسات حمراء من الدم، أمسكت بذراعيّ وساقيّ.
“ما هذا؟!”
كان كي بايك وهان وول يانغ مثلي مقيدين، لكن المجسات نفسها لم تكن المشكلة.
بل الأرض التي بدأت تنفتح تحت أقدامنا.
“استعدوا جميعًا للصدمة.”
بينما أعضّ على شفتي وأصدر الأمر، ابتلعتنا بوابة حمراء انفتحت بالكامل.
كأن وحشًا عملاقًا التهم فريسته.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"