4
الفصل 4
“ما هذا……؟”
خرجت الشتيمة من فمي دون وعي.
لم أتخيل قط أنني سأرى هذا المشهد مجددًا.
احمرّ لون السماء في لحظة، ثم انشقّت. لم يكن هذا بأي حال من الأحوال نذير فتح بوابة عادية.
ومن ذلك الشق، امتدت جذور شجرةٍ عملاقة نحو الأرض.
صوت أعرفه.
هواء أعرفه.
إنه نذير شؤم يُعلن قدوم الجحيم.
وحين لامست الجذور الأرض، غمرت الدنيا طاقة شريرة كثيفة ورائحة دم خانقة.
ســـــاااا—
ابتلعت القرية الصغيرة دفعة واحدة، وكأن الجحيم قد حلّ في هذا العالم.
الطفل الذي كان يقود دراجته بمهارة متعثرة على حافة الحقول بدأ يتقيأ دمًا، وتحول تدريجيًا إلى مومياء يابسة، بينما راح شابٌ استولى عليه الرعب يقتلع مقلتيه بنفسه وهو يصرخ.
العجوز الذي كان يجلس في الظل يلوّح بمروحته أخذ يحطم رأسه بالصخر حتى تهشّم.
الزوج الشاب تحوّل إلى وحش، فابتلع زوجته التي كان يهمس لها بكلمات الحب قبل لحظات.
وأنا… لم أفعل سوى التحديق.
في ذلك الجحيم، لم يكن بوسعي فعل أي شيء.
‘تمامًا كما في ذلك اليوم.’
تبددت المشهد، وعضضت على أسناني وأنا أحدق في رئيس الإدارة أمامي.
“نظرتك توحي وكأنك على وشك افتراس أحد.”
عضضت على شفتي بقوة، ثم تناولت المنديل الذي مدّه لي ومسحت العرق عن وجهي.
“اهدئي، ستنهار غرفة المكتب.”
عندها فقط أدركت أنني كنت أطلق نية قتل كثيفة دون أن أشعر.
سارعت إلى كبحها، ثم فتحت فمي بصعوبة.
“متى حدث هذا؟”
“ما وصلنا من الجانب الصيني كان قبل خمس ساعات. أما وقت الحدوث، فقرابة الساعة الرابعة عصرًا أمس، على الأرجح.”
نهض الرئيس من مكانه وهو ينفض رماد سيجارته بوجه متجهم، ورسم في الهواء خريطة لمحيط جبل بايكتو.
وعليها، ظهرت سبع نقاط حمراء.
“اختفت سبع قرى. ويُقدَّر عدد القتلى بنحو ألف شخص.”
ألف إنسان في يوم واحد.
كان ثقل الدم مهولًا، ثقلًا لم أشعر به منذ الحرب الكبرى.
شعرت وكأن قلبي يُسحق.
“كما رأيتِ بنفسك، لا أحد قادر على فعل هذا سوى……”
“الخارجون عن الطريق.”
يا له من اسمٍ مقزز، أن أضطر لنطقه مجددًا.
مجرد لفظه جعل إحساسًا قذرًا، كأن الحشرات تزحف في جسدي.
“أود أن أصدق العكس، لكن لا يمكننا استبعاد هذا الاحتمال.”
عند كلماته، شعرت بالدم يغلي في عروقي.
كيف لهم أن يعودوا؟
هذا هراء.
البوابة العملاقة التي ربطت الخارجين عن الطريق بالأرض قد أُغلقت.
رأيت إغلاقها بعينيّ.
فكيف يعودون؟
وماذا عن الذين ضحّوا بأرواحهم لإغلاقها؟
ما معنى موتهم إذن؟
“هذا مستحيل.”
أردت إنكار احتمال عودة تلك الأشياء البشعة.
“لا يمكن أن يكونوا قد عادوا، أليس كذلك؟”
“رئيسة قسم المهام الخاصة.”
لا… لا أستطيع تحمّل ذلك.
بعد كل ما ضحّيت به، بعد كل ما خسرته.
“لقد رأيتُ ذلك بعيني!”
“غو هاي جو!”
هل لأن مشاعري خرجت عن السيطرة؟
انفجرت طاقتي واجتاحت الغرفة كالعاصفة.
أردت التوقف، لكنني لم أملك رباطة الجأش للسيطرة.
“أنا من أحرقهم بنفسي!”
حتى الآن، كلما أغمضت عينيّ، يلوح ذلك المشهد أمامي.
الراهب الذي لم يكن يفعل سوى الضحك تخلّى عن النيرفانا، والكاهن العجوز كثير الوعظ فتح طريقًا وهو مستعد لفناء روحه.
جثث الزملاء الذين قدّموا أعناقهم طواعية ليمنحوني، أنا التي لا تجيد سوى ضربات سيفٍ ركيكة، فرصة واحدة… كانت تمتد بلا نهاية.
“أنا… أنا……”
مشهد ذلك اليوم الذي أواجهه كل ليلة في كوابيسي ارتسم أمامي.
سهلٌ لا نهاية له من الجثث، ونهرٌ من الدماء.
ومن خلفه، ذلك اليأس الساحق، وذلك الرعب الخانق.
“أنا من قطعتهم بنفسي……”
هناك، استخدمت جثة رفيقٍ درعًا، وذبحتهم جميعًا.
وبقيت وحدي، حية، فوق أرضٍ غارقة بالدم.
“لذلك… لا أستطيع الاعتراف بأنهم عادوا.”
خيّم صمت ثقيل على مكتب الرئيس.
كنت ألهث بأنفاس متقطعة.
حدّق بي الرئيس طويلًا، ثم فتح فمه ببطء.
“إذًا، هل ستفرّين دون أن تتحققي حتى؟”
كلمة الفرار خنقت أنفاسي.
“هل ستغضّين الطرف عن عودة أشياء قد تغرق الدنيا بالدم فقط لإنكار فشلك؟”
كنت أعلم.
صوت الغناء، الصراخ الجنائزي، والسماء الحمراء، وشجرة الدم التي امتدت جذورها، والجحيم الذي تلا ذلك.
كنت أعلم ما الذي ترمز إليه.
وما الذي تثبته.
كنت أعلم.
“لا بأس. إن كنتِ تريدين الهرب، فلن ألومك. أنا أعلم ما الذي فقدته، فكيف لي أن أطلب منك تضحية أخرى؟”
أردت أن أصرخ في وجهه، أن أخرج فورًا، لكن شيئًا ما سدّ حلقي.
“لكن… هل أنتِ حقًا بخير؟ هل ستكونين بخير حين يفقد شخص آخر ما فقدته أنتِ؟”
شعرت وكأن صدري يُعصر.
إن شاركت فيما سيأتي، فلن أستطيع تجاهل خطئي بعد الآن.
سأواجه حقيقة أن تضحيات لا تُحصى ذهبت سدى.
وسأُضطر للاعتراف بأن تلك الأشياء الرهيبة قد عادت.
وهذه الحقيقة ستنهش روحي، حتى في غفواتي القصيرة التي لا تتجاوز دقائق معدودة.
الهرب سيكون أسهل.
أن أعتزل في مكان ناءٍ، وأعيش متجاهلة كل شيء، مدعية أنني فعلت ما بوسعي.
ربما تنتهي الكوابيس يومًا ما.
“هل تعلم شيئًا؟”
انحنيت رأسي، ومسحت وجهي بيدي الجافتين، ثم ضحكت بمرارة.
“سعادة الرئيس… أنت فعلًا شخصٌ لعين.”
ابتسم الرئيس ابتسامة مريرة وأومأ برأسه.
يعترف بذلك، ومع ذلك لا يزال منظره مستفزًا.
“أعترف.”
إن بقيت جالسة، شعرت أنني سأقتله أو أُعتقل بتهمة الشروع في القتل، فنهضت بعينين محمرتين.
“أرسل لي المستندات اللازمة على الطائرة. وإن كان لديك ذرة ضمير، فاحجز لي درجة أولى.”
مزحة سخيفة.
وإلا، فهذه الحياة البائسة ستدفعني إلى الرغبة بالموت.
“وعندما أعود… اسمح لي أن أضربك مرة واحدة فقط.”
“عودي بسلام فحسب.”
لوّحت بيدي دون أن ألتفت، مودعةً إياه.
***
بعد خروج غو هاي جو من المكتب.
تمتم رئيس هيئة إدارة الصيادين، تشون هو، وهو يمسك غليونه بصوت منخفض:
“شخصٌ لعين، تقول……”
لطالما شعر بذلك، لكن تلك الفتاة، غو هاي جو، كان لسانها سليطًا للغاية.
ومع ذلك، لم يستطع توبيخها، لأن كلامها لم يكن خاطئًا تمامًا.
على الأقل، في نظرها هي، كان هو شريرًا لا مثيل له في الدنيا.
وإن كان سماع بعض الشتائم يخفف ولو قليلًا من المرارة المتراكمة في صدرها، فليسمعها كلها.
فحال غو هاي جو الآن كان هشًا، لدرجة أنها قد تنهار في أي لحظة.
“يا لها من طفلة مسكينة.”
غو هاي جو التي عرفها لم تكن بطلة الحرب الصلبة التي يمتدحها الناس، بل مجرد طفلة بائسة مثيرة للشفقة.
فتاة من عائلة عريقة، نشأت في رغد، هذا ما كانت عليه في الأصل.
لكن مع نزول الخارجين عن الطريق إلى هذا العالم، بدأ شقاؤها.
فقدت والديها وهي في العاشرة، ثم لحق بأقاربها واحد تلو الآخر.
لم ينجُ سوى قلة قليلة.
شقيقها الأكبر غو هاي جون، وأصغرهم غو وون يونغ.
وجدّها، أول رئيس لقسم المهام الخاصة.
ولهذا السبب، كانت لا ترتدي سوى الملابس السوداء.
“هكذا أستطيع الذهاب إلى أي جنازة في أي وقت.”
في سنٍ كان يفترض بها أن تذهب فيه إلى الملاهي.
كانت هاي جو ترتدي ثياب الحداد كزيٍّ مدرسي، وتذهب إلى بيوت العزاء كما لو كان أمرًا اعتياديًا.
في البداية، كانت تبكي كثيرًا.
بصوت عالٍ، حتى كاد العزاء ينهار.
لكن في مرحلة ما، وكأنها نسيت كيف تبكي، بدأت المشاعر تختفي تدريجيًا من وجهها.
“سعادة الرئيس، صديقي مات.”
“لابد أنك حزينة.”
“……لا أدري. هل هذا هو الحزن؟”
ثم، قبل خمس سنوات، فقدت عشرات الرفاق الذين تواصلوا معها روحيًا لإغلاق البوابة العملاقة المرتبطة بالخارجين عن الطريق…….
لم يكن يتخيل مدى تعفّن قلبها من الداخل.
ومع ذلك، وبصفته رئيس هيئة إدارة الصيادين، لم يكن بوسعه تجاهلها.
فقوتها كانت طاغية إلى حد لا يُمكن تجاهله.
“هوو……”
لقد نزل من الجبال لينقذ المعذبين.
لكن أحيانًا، لإنقاذ عددٍ أكبر، لا بد من التضحية بشخص واحد وإلقائه في الجحيم.
“يبدو أنني لن أدخل العالم السماوي.”
وفي كل مرة، كان يراوده قليل من الندم.
لو أنه بقي في الجبل.
مع نفثة دخانٍ مُرّة، تلاشى جزء من مئات السنين التي راكمها من التهذيب والتأمل.
التعليقات لهذا الفصل " 4"