الفصل 13
“تبدين مرهقة جدًا، مديرة غو هاي جو.”
مجرد رؤيته وهو يرسم تلك الابتسامة المتراخية المائعة يجعلني أشعر برغبة في التقيؤ.
“لا تفتح فمك، رائحة القذارة تصل إلى هنا.”
لا شك أن هذا الرجل أحد المسؤولين عن الكارثة التي أودت بحياة آلاف الأشخاص هذه المرة.
أطلقت نحوه نية قتلٍ حادة مصقولة، وسحبت سيفي.
“ما زلتِ حادّة كما أنتِ. … وإن كنتِ الآن أشبه بمفترسٍ منزوع الأنياب.”
لكن الزخم الذي أطلقته لم يصل إليه.
‘هل بلغت إصابتي الداخلية هذا الحد؟’
كنت أتوقع ذلك، لكن يبدو أنني صرتُ في حالةٍ يرثى لها فعلًا……
“النمر المتعب قد تفترسه الذئاب أيضًا، مديرة غو هاي جو.”
منظرُه الواثق هذا يلوّي أحشائي.
“وهل تظن نفسك ذئبًا؟ لا أراك سوى برغوثٍ يزحف.”
شعرت أنني إن لم أسحقه الآن، حتى لو اضطررت لحرق سنوات من عمري، فلن يهدأ لي بال.
“كي بايك، قدّم الدعم.”
“هاها، أخيرًا جاء دوري لأكون مفيدًا.”
ابتسم كي بايك ابتسامةً عريضة، وبسط عضلاته ببطء ووقف خلفي.
“أ، أنا أيضًا…….”
هان وول يانغ، الذي كان ينظر بالتناوب بيني وبين سو جونغ بيونغ، شحب وجهه كأنه اتخذ قرارًا ما، ثم وقف إلى جانبي.
“أنتَ…….”
لا أظنك ستفيد كثيرًا.
ابتلعتُ ما كنت سأقوله، وهززت كتفي، ثم نظرت إلى سو جونغ بيونغ.
“دعنا نرَ إلى أي حدٍّ ستستمر في التظاهر.”
توترٌ حاد كاد ينفجر في أية لحظة خيّم بيني، وقد استعددت لحرق شريان حياتي، وبين جنود سو جونغ بيونغ الخاصّين.
وفي اللحظة التي قبضتُ فيها على السيف—
“يا للأسف.”
انبعث صوتٌ ناعم عذب، ناعم إلى حدٍّ يبعث على الارتياب.
“نزلتُ متحمسًا بعد غيابٍ طويل، ظنًّا أنها نزهة.”
رجلٌ جميل على نحوٍ غير واقعي، ظهر كالوهم وكالظل.
“أنتَ ترى الأمر مثلي، أليس كذلك؟”
بصوتٍ خافتٍ هامس، وعينين مغمضتين، تسللت كلماته بوضوح إلى آذان الجميع.
“من أنتَ أيها الوغد! هذه منطقة خاضعة للسيطرة، كيف دخلت—!”
صرخ سو جونغ بيونغ وقد بلغ به التوتر مداه بسبب ظهور هذا الغريب.
“شش.”
بكلمةٍ واحدة من الرجل الغامض، تجمّد هواء العالم، كليل جبلٍ بارد.
“خفّض صوتك، وتحلَّ بالأدب.”
رفع الرجل رأسه ببطء، وكانت في عينيه شمسٌ ذهبية متأججة.
“إنه قدوم سيّد الجبل.”
وتبع كلماته عواءٌ هائل، هزّ الجبال والأشجار.
“هاي جو، خالتك وصلت!”
مع ذلك الصوت المدوي شحب وجه هان وول يانغ الشاحب أصلًا حتى صار كورقة، لكنه كان بالنسبة لي صوتًا مرحّبًا به إلى أقصى حد.
“هاه، حقًا…….”
كنت على وشك التذمر متسائلةً لماذا تأخرت، لكن لم يُتح لي المجال، إذ انغرز فجأة أثر مخلبٍ هائل كالسهم.
“هيك، هيييك!”
انهار سو جونغ بيونغ تحت قدميه مطلقًا صوتًا واهيًا، ومن أثر المخلب الممتد تسرب ضوءٌ خافت.
“من الذي تجرأ على إيذاء ابنة أختي.”
ظلٌّ عظيم خيّم على السماء.
صاحب هذا الظل، الذي حجب الشمس لحظةً، كان نمرًا أبيضَ عملاقًا، ثابتًا كالصخر الذي قاوم السنين.
إنه النمر الأعظم، سيد أعلى جبال شبه الجزيرة.
بووم!
مع دويٍّ قلب الأرض رأسًا على عقب، هبط النمر وفتح فمه.
“الجميع، سدّوا آذانكم!”
صرختُ على عجل، فغطّى كي بايك ووول يانغ آذانهما بوجوه مذهولة.
ثم انفجر—
زئيرٌ هائل، لا يمكن وصفه.
زئيرُ ملكٍ يحكم الدنيا بأسرها.
‘على الأقل أعطِ الحلفاء وقتًا ليستعدوا نفسيًا!’
رغم أنه لم يكن موجهًا إليّ، شعرت بتنميلٍ في أطرافي.
تمتمتُ داخلي وأنا أتفحّص المشهد الذي خلّفه ذلك الزئير.
“هاه، ماذا أكلتِ حتى صرتِ أقوى هكذا؟”
هل كان ذلك المقهى في الحقيقة مركزًا لإنتاج السوبر سايان؟
أم وكرًا لتهريب منشطات استيقاظ عالية المستوى؟
……مهما يكن، لم يسعني إلا أن أُخرج لساني أمام الموقع الذي بدا وكأن إعصارًا قد اجتاحه.
“ما الذي كنتِ تفعلينه حتى تجرؤ هذه الحثالة على الاستخفاف بكِ، أيتها الوقحة!”
معظم الأتباع الذين جلبهم سو جونغ بيونغ كانوا إما فاقدي الوعي أو جالسين على الأرض بوجوه فارغة.
نظرتُ إلى خالتي، النمر، التي كانت تنظف فرو مخلبها الأمامي وكأنها توبخني.
“الأمر له أسبابه…….”
أن يحاول هؤلاء الهجوم عليّ وهم لا يحتملون حتى زئير خالتي.
يبدو أنني استُخفَّ بي فعلًا.
لا غرابة، جسدي بدا واهنًا، وكنت أتقيأ دمًا بغزارة.
لا بد أنني بدوتُ فريسة سهلة.
“أي أسباب هذه، ووجهك شاحب كالميت؟”
نبرتها كانت حادة، لكنها لم تُخفِ قلقها، فابتسمتُ بخفة.
“لديكِ ابنة أخت واحدة فقط، ومع ذلك عانيتُ هكذا، فلماذا تأخرتِ كل هذا، يا خالتي؟”
“جئتُ راكضةً حتى كادت ذيلي تنقطع، وتستقبلينني بهذا الجحود.”
تمتمت خالتي، ثم تمطّت قليلًا، وفي غمضة عين عادت إلى هيئتها البشرية.
“حسنًا، احكي لي ما الذي جرى.”
بدأ زوج خالتي، شبح النمر، بنسج تعاويذ الوهم لمنع سو جونغ بيونغ وأتباعه، الذين لم يستطيعوا حتى الوقوف، من الفرار.
أما خالتي، فعدّلت ملابسها واقتربت مني.
“انقطعت الرائحة فجأة، فجئت مسرعة. هل…….”
ثم سألتني بوجهٍ جاد خالٍ من المزاح.
همم، إن كانت خالتي جادّة إلى هذا الحد، فهي متأكدة بالفعل.
أومأتُ برأسي دون مقاومة.
“نعم، ذهبتُ إلى الخارج.”
ما إن سمعت إجابتي حتى عبس وجهها بشدة.
“إذًا، هؤلاء فتحوا الباب؟”
“ليس بعد. المكان الذي ذهبتُ إليه كان مجرد شظية صغيرة.”
نظرتُ إلى سو جونغ بيونغ، الذي كان يسيل لعابه ووجهه شارد بفعل وهم زوج خالتي، ثم عضضتُ شفتي وأكملت.
“لكن يبدو أن الاتصال المقطوع قد عاد بالفعل.”
ساد صمتٌ قصير.
“في النهاية… وصلنا إلى هذا، إذًا.”
مرارةٌ لا تخطئها العين على وجه خالتي.
مرارة لا يفهمها إلا من عرف فظائع الحرب العظمى السابقة.
“لا يمكن أن يكون هذا الوغد قد فعلها وحده، أليس كذلك؟”
هززتُ رأسي ببطء ردًا على سؤالها وهي تشير إلى سو جونغ بيونغ.
“يتطلب الأمر قوة وقدرات على مستوى دولة، على الأقل.”
القوة اللازمة لربط هذا العالم بـ الخارج ليست شيئًا يستطيع مسؤولٌ واحد تنفيذه.
لا بد من قوة تهز دولةً عظمى بأكملها.
من الصعب حتى تخيّل عدد الدول، وعدد الصيادين وأصحاب النفوذ المتورطين.
لكن……
“سأعثر عليهم، أيًا كانوا.”
مهما بلغ عددهم، ومهما عظمت قوتهم، لم يعد ذلك يهمني.
“حتى لو اضطررتُ لقلب العالم رأسًا على عقب.”
لن أسمح لتلك الأشياء المقززة التي خانت هذا العالم أن تفلت.
“يبدو أن العالم سيضجّ بالفوضى فترةً من الزمن.”
قالت خالتي بوجهٍ أثقله التوقع.
“علينا العودة والتحدث مع المدير العام لنقرر ما سنفعله.”
الآن فقط تذكرت أنني لم أتصل به من شدة الارتباك.
أخرجتُ هاتفي.
“على الأرجح، الثعلب أدرك الوضع وأرسل شيئًا إلى هنا بالفعل.”
توقفتُ عند قولها ونظرت إليها.
“ما إن اختفت طاقتك حتى اتصل بي فورًا.”
صحيح، مع كل تلك البركات والأختام التي وضعها المدير العام عليّ، كان لا بد أنه شعر فورًا بحدوث أمرٍ طارئ.
رجلٌ دقيق إلى حدٍّ مخيف.
ولهذا يوجد تعبير ثعلب منذ القدم.
“لكن لا يزال هناك ما يجب ترتيبه…….”
ليس من السهل أن أعود إلى كوريا فورًا.
فهناك تعاون دولي، ونقاشات حول تسليم المشتبه بهم.
مشكلات مزعجة لا تُحصى.
“سنتولى نحن معالجة الأمور هنا، عودي وتلقّي العلاج.”
قالت خالتي ذلك، لكنني لم أرتح للفكرة.
“خالتي، رغم ذلك…….”
كنت على وشك الإصرار على إنهاء كل شيء قبل المغادرة—
طَقّ.
كي بايك، الذي كان صامتًا حتى الآن، قيّد أحد معصميّ بأصفاد الصيادين.
هاه؟
“ماذا تفعل؟”
كان قد قيّد معصمي الأيسر بمعصمه الأيسر.
يعني… ما هذه الحالة السخيفة؟
“سألتك ماذا تفعل.”
“نقلُ مصابة.”
أجابني بهدوء، فبُهتُّ للحظة.
وفي تلك الأثناء، دوّى صوت مراوح طائرة نقلٍ تقترب من السماء التي كانت الشمس تغيب عنها.
“……هاه.”
هكذا انتهت رحلتي إلى الصين، على نحوٍ مرتبكٍ أكثر مما توقعت.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"