الفصل 12
حين أغمضت تلك العينان المتلألئتان بألوانٍ طبيعية زاهية، كالجواهر، ببطء، انكشف أسفلَهما مشهدٌ يستحيل أن يُرى في العمر كله.
ياقوت أزرق، وروبي، وألماس، وأوبال، ولآلئ……
بل ومعادن نادرة شتى لا وجود لها على الأرض، كانت تتساقط وتتماوج كالأمواج.
تحولت الجواهر إلى نهر، والنهر أخذ يلتفّ ويتلاطم، كأنه سيلتهمني في أية لحظة.
“وُجِدْتُ.”
رعبٌ متلألئ لا يمكن وصفه، كأن الدماغ نفسه يحترق.
ذلك الذي عبر من وراء الضوء كان يناديني.
“ها–ا–ي جو.”
كان جمالًا في أبشع هيئة.
ماذا ينبغي أن أسمّيه؟
وحشًا؟ ملاكًا؟
أم كارثة؟
تدفّق العرق البارد كالمطر.
ومن شدة التوتر، اندفع الغثيان من أعماق الحلق.
ذلك ‘الشيء’ الذي يحدّق بي من خلف شقّ البعد الآخذ في الانغلاق،
الذي ناداني باسم هاي جو، مدّ يده وأمسك فجأة بحافة الشقّ المنغلق.
يمسك بُعدًا آخذًا في الانغلاق ويثبّته؟
‘مجنون… هل هذا ممكن أصلًا؟’
وبينما كان عقلي يدور بأقصى سرعته من أجل النجاة، فتح فمه مرة أخرى.
“لا… تذهبي.”
إحساسٌ كأن القلب يتجمد.
خطر لم أذق مثله قط، ويأسٌ سحيق يطبق على صدري.
يده تمتد نحوي.
تزحف كالأفعى، وترتعش كحشرة، أو تتسلل كسائلٍ يرشح من جثةٍ متعفنة.
قذارة وبشاعة إلى أقصى حد.
ومع ذلك، شيءٌ سامٍ ومسكر، مجهول الهوية، كان يقترب مني.
“هاي… جو.”
إنه ينطق باسمي.
ببراءةٍ ساذجة، كما يفعل رضيعٌ حين يولد فيبحث غريزيًا عن أمه.
“ها–ا–ي جو.”
على عكس مظهره، كان صوته ملحًّا يقطّع القلب، فوقف شعر جسدي.
كتمت رغبتي في سدّ أذنيّ والصراخ، وقبضت على السيف بقوة.
“إلي… أنا.”
“اخرس!”
“تعالي.”
“قلتُ اخرس!”
كدت أفقد القوة في ساقيّ في أية لحظة.
أشعر أنني سأرمي السيف وأبكي كطفل.
‘……تبًا.’
لا، هذا لا يمكن أن أقبله.
أن أضعف لمجرد سماعي صوتَ وحش؟ هذا مشهدٌ مُخزٍ.
عضضت طرف لساني بقوة، مستجمعَةً كل شرّي، فمع الألم الحاد عاد وعيي فجأة.
“ها.”
نعم، ما هذا المنظر الفاضح.
وحين استعدت رشدي، انهال الألم العنيف على جسدي كله.
كأن روحي ظلت طوال الليل تتصارع مع هذا الشيء.
مجرد المواجهة لا غير، ومع ذلك كل هذا؟
الذين استدعوا هذه المرة ‘شجرة الدم’…
يبدو أنهم استدعوا شيئًا لا يُعقل معها.
“……أجنّ حقًا.”
عضضت شفتي وأنا أنظر إلى المجسّات المقززة الزاحفة نحوي.
لا فائدة من المقاومة هنا.
في وضعي الحالي، لا أستطيع حتى استخدام قوتي كما ينبغي.
إذًا……
“هل سأهرب مجددًا؟”
ابتلعت بصعوبة ذلك الإحساس الحارق الذي يكاد يمزق أحشائي.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
وفي ذلك النفس، شُحِذ قلبي كسيف.
وقفت، ممسكةً بسيف القلب المشحوذ، وأنزلت الضربة ببطء، كما فعلت آلافًا، عشرات الآلاف من المرات.
الهدف: يدُه التي تمسك شقّ البعد.
نصل السيف، الذي بدا بطيئًا على نحوٍ لا يُحتمل، اقترب منه شيئًا فشيئًا.
ثم، أخيرًا، قطع.
‘نجحت!’
انفجرت من يده أضواءٌ متعددة الألوان أضاءتني.
الشقّ البُعدي الذي كان متوقفًا، بدأ يُغلق من جديد ببطء.
“هاي… جو.”
نظرته من وراء الشقّ.
“سنلتقي… مجددًا.”
‘نلتقي مجددًا؟ هراء.’
إن التقينا ثانية، فسيكون ذلك الجحيم بعينه.
وبتلك الفكرة، انقطع وعيي.
***
“……سيدتي!”
مع إحساسٍ مزعج بدوران العالم، وصوتٍ مكتوم في أذني، سمعتُ صوتًا مألوفًا.
“هل أنتِ بخير، أيتها المديرة!”
مشهد كي بائك، يحملني بين ذراعيه، مضطربًا على غير ما يناسب ضخامته.
‘ما حظي هذا اليوم؟’
في كل مرة أستعيد وعيي، أجد نفسي بين ذراعي أحد مرؤوسيّ……
‘يا للفضيحة.’
تمتمتُ في داخلي، ثم ربّتُّ على ذراعه السميكة.
“أنا بخير، أنزلني.”
رأسي ينبض كأنه سينفجر، ومعدتي تنقلب.
ثم إن هذه الوضعية…… محرجة قليلًا.
“هل أنتِ حقًا…….”
“قلتُ أنزلني.”
ربما لأن نبرتي خرجت حادة دون قصد—
“أ، أعتذر!”
فزع كي بائك وأنزلني فورًا.
تنهدتُ وأنا أطرق صدري بقبضتي.
كم مرة فعلت ذلك؟
“……أووه!”
“سيدتي المديرة!”
منعتُ ذلك العملاق من الاندفاع نحوي مجددًا.
قطرة… قطرة……
اندفع من فمي دمٌ متجلط كأن أحشائي قد انقلبت رأسًا على عقب.
‘اللعنة……’
كمية نزفٍ هائلة كفيلة بأن تصيبني بالدوار.
وضعت يدي على جبيني، أقاوم الدوخة، واستعدت ما جرى قبل قليل.
مجرد تبادل نظرات، ومع ذلك هذا القدر من الإصابة الداخلية.
شدَدتُ ساقيّ اللتين كادتا تخوناني، ونظرت إلى كي بائك وهان وول يانغ، اللذين كانا قد وصلا قبلي.
“لم يحدث شيء، أليس كذلك؟”
مسحت الدم عن فمي وسألت، فتجمد وجه كي بائك، كأنه عجز عن الكلام.
“يبدو أن الذي حدث له شيء هو أنتِ، سيدتي.”
“دوار عبور الأبعاد يزداد في كل مرة.”
“ومن يتقيأ هذا القدر من الدم بسبب دوار؟!”
على عكس ابتسامته الطائشة المعتادة، بدا وجهه متجهمًا على نحوٍ غريب.
ومن يجهل القلق العميق الكامن فيه؟
رأيته يقبض قبضته الضخمة وهو ينظر إليّ، فابتسمت بسخرية خفيفة.
“جسمك كالجبل، ومع ذلك تقلق بلا داعٍ…….”
حقًا، شخص صعب التعامل.
تظنه غبيًا لا يعرف سوى العضلات، ثم يفاجئك برهافةٍ في أماكن غير متوقعة.
لو كان عقله عضلات أيضًا، لكان خداعه أسهل.
هززت كتفي وأنا أستغرق في تلك الأفكار التافهة.
“هذا ليس أول مرة أمرّ فيها بمثل هذا، فلا تقلق.”
لكن ما باله؟
لماذا يزداد عبوسه بعد أن قلت له ألا يقلق؟
تضايقت من تعبيره، لكن الأهم لم يكن هذا.
“اتصل بالمدير العام. يبدو أن هؤلاء الحمقى استدعوا شيئًا لا ينبغي استدعاؤه.”
منذ البداية كان مريبًا أن يسيطر شخصٌ تفوح منه رائحة دم البشر على المنطقة بحجة كونه مسؤولًا.
كان يجب أن أتنبه منذ وقوع حادث بهذا الحجم.
لا، كنت أتوقع ذلك، لكنني تعمدت تجاهله.
“هناك من أعاد تلك الأشياء المقززة إلى هنا مرة أخرى.”
لم يكن الأمر انحرافًا فرديًا من سيو جونغ بيونغ.
لقد تجاوز حدود ما يمكن لشخصٍ واحد أن يفعله.
ما إن وصلتُ إلى هذا الاستنتاج حتى اشتعلت النار في داخلي.
“……سيدتي المديرة؟”
لماذا؟
بعد كل ذلك الألم الهائل الذي تحملناه لطردهم بصعوبة.
ما الذي يطمعون فيه إلى هذا الحد؟
“أوخ.”
اندفع الدم المتجلط مجددًا إلى حلقي.
……آه، انتهى الأمر.
أن أفقد السيطرة في مكانٍ لا يوجد فيه من يوقفني.
“هيه، كي بائك. خُذ السيد هان وول يانغ وابتعد عني…….”
إن استمر هذا، قد أفقد صوابي وأحوّل المكان إلى أرضٍ محروقة.
بل، سيحدث ذلك حتمًا.
ستتحول المنطقة كلها إلى فوضى!
يجب أن أُبعد كي بائك أولًا قبل أن يحدث ذلك—
“ما الذي تفعله أيها المجنون؟”
……لكن هذا المجنون.
كان قد جذبني إليه بقوة، وبدأ يضخ طاقته فيّ.
“هل تريد أن نموت معًا؟”
طاقة كي بائك الساخنة تلفّني، تحتضن طاقتي المنفلتة.
يحيط بقوته تلك الطاقة المتضخمة على وشك الانفجار.
أليس هذا كمن يضغط على قنبلة بجسده؟
إن انفجرتُ الآن، فكي بائك سيكون في خطرٍ أكبر مني.
مهما كان من رتبة A، لا يمكنه تحمّل قوة من رتبة S.
“تبًا لك.”
رأيته ينظر إليّ بوجهٍ يائس، الدم يسيل من فمه، فعضضت أسناني وكبحت تلك الطاقة الهائجة.
الطاقة التي كانت تغلي بلون الدم بدأت تخمد تدريجيًا.
تغوص أعمق، وتستقر بثبات.
“……كح.”
عندها فقط، تراجع كي بائك وهو يتقيأ الدم.
“أنتَ، هذا…….”
أرغب في ركله فورًا، لكن لا أستطيع ضرب من خاطر بحياته لينقذني……
“ألم ينتهِ الأمر على خير؟”
قالها مبتسمًا بخفة، وهو يمسح فمه، فهززت رأسي.
“تتقيأ دمًا وتقول هذا.”
“قلتِ بنفسك إن هذا لا يُعد شيئًا.”
كلماته أسكتتني.
“على كل حال، سنتحاسب لاحقًا.”
عند تهديدي، هز كتفيه بلا اكتراث، فتنهدت.
سنتحدث بعد أن ينتهي كل شيء.
فالآن كان هناك ما هو أهم من الشجار مع مرؤوسي.
“حسنًا، هل جئتم لتسليم أنفسكم؟”
حين أدرت نظري نحو الأنقاض، خرجت مجموعة مألوفة تسير ببطء.
“جريمة استدعاء تلك اللعنات لا تُحلّ بالاستسلام.”
الشخص الذي ظهر برفقة أولئك المقنّعين بأقنعة غريبة، لم يكن سوى المسؤول عن هذه المنطقة.
كان سيو جونغ بيونغ.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"