1
الفصل 1
في أحد الأيام، انشقّت السماء فجأة.
ومن خلف ذلك التصدّع، تدفّقت شتّى أنواع الكائنات الدنسة.
وحوشٌ لها ألف عين.
أوبئةٌ يستحيل علاجها بالطب الحديث.
وحتى أسلحةُ إبادةٍ قادرةٌ بإشارةٍ واحدة على محو نصف منطقة كاملة.
أمامهم، لم يكن البشر سوى ذرّاتٍ تافهة.
وفي تلك الفترة، بدأت تظهر تباعًا كياناتٌ اندثرت في زوايا التاريخ.
من أبطال الحكايات الخيالية.
إلى العظماء الذين شيّدوا أسس الدول.
وحتى الكائنات الأسطورية الواردة في الميثولوجيا.
وكأنهم يستجيبون لتلك القوى الغامضة، بدأ بعض البشر يستيقظون على قدراتٍ خاصة.
من رتبة F، التي لا تتجاوز كون صاحبها شخصًا عاديًا بصحةٍ أفضل قليلًا.
إلى رتبة A، التي تُعامل كقوةٍ استراتيجية مهمة للدولة.
ثم رتبة S، وهو المسمّى الجامع للقدرات التي لا يمكن قياسها بالتصنيفات النظامية.
اختلفت قوة كلٍّ منهم، لكنهم جميعًا قاتلوا بكل ما لديهم من أجل بقاء البشرية.
وأطلق عليهم العالم اسم:
الذين واجهوا الكارثة العظمى، أو الشهود الأحياء على الأساطير.
“الصيّادون”.
***
هيئة إدارة الصيّادين، تشونهوا.
المؤسسة القتالية الأولى في كوريا، والمكان الذي أنجب عددًا لا يُحصى من الأبطال.
هيئةٌ وطنيةٌ عملاقة تضم عشرة أقسام عامة، من بينها وزارة التخطيط والمالية، وقسم الموارد البشرية، وقسم التسويق والعلاقات العامة، إضافة إلى ثلاثة عشر قسمًا خاصًا بالصيّادين، تشمل قسم إعادة الإعمار، ودعم الصيّادين، والتعاون الدولي.
رواتب خيالية تعادل ثلاثة أضعاف متوسط رواتب الصيّادين المنتمين إلى النقابات الخاصة.
داخل مقر الهيئة المقام على مساحةٍ شاسعة، يوجد نادٍ رياضي يضم أكثر من مئة جهاز، ومسبحٌ يفوق حجم أغلب المتنزهات المائية، وحتى مركز تسوق لا يقل فخامةً عن أفخم المتاجر الكبرى.
بمعنى آخر، هي منطقةٌ خاصة بالصيّادين قائمة بذاتها.
بل إن مطعم الطابق السفلي يضم طهاةً محترفين يتقنون مطابخ شتى دول العالم، ما يتيح تناول وجباتٍ متنوعة مجانًا كل يوم.
لذلك، فإن أي صيّادٍ في كوريا يجعل الانضمام إلى الهيئة هدف حياته.
لكن لو صادفتُ شخصًا ينوي التقدّم لاختبار التوظيف العام في هيئة إدارة الصيّادين، لحملتُ صندوق غداءٍ بيدي وخرجتُ أرجوه أن يعدل عن رأيه.
‘تبًّا لهذا الهراء…….’
القسم الذي أنتمي إليه، “قسم المهام الخاصة”، هو أرفع المناصب حتى داخل تشونهوا التي تُعد أصلًا وظيفة الأحلام.
قسمٌ لا ينضم إليه سوى نخبة صيّادي كوريا، وقد خرّج عددًا لا يُحصى من الأبطال.
مكانٌ تُنفّذ فيه أخطر المهام وأكثرها إلحاحًا، وفي الوقت ذاته تُحصد ثرواتٌ طائلة ومكانةٌ مرموقة.
وماذا يعني هذا كله؟
يعني أنك تعمل فيه كالثور بلا توقف.
<راتب الصيّادة غو هاي جو لهذا الشهر هو……>
راتبٌ يُذهل الأبصار.
أصفارٌ لا تُعد ولا تُحصى.
صحيح أن المبلغ الذي يُحوَّل إلى حسابي كل شهر كفيلٌ برسم ابتسامة رضا، ولو للحظة.
لكن المشكلة هي…….
“الآنسة هاي جو، جدولنا التالي هو إعلان بيتا 500 لشركة ميريُونغ للأدوية…….”
“هاي جو! لو قبلتِ أن تكوني عارضة الغلاف الرئيسي لمجلة الصيّادين هذه المرة فسنكون ممتنّين جدًا…….”
“السيدة هاي جو.”
“الآنسة غو هاي جو!”
أنه لا يوجد وقت لإنفاق هذا المال أصلًا!
عروض لا تنتهي من جميع وسائل الإعلام، وجدول إعلانات قاتل محجوز حتى ما بعد العام القادم.
أعمل طوال اليوم، ثم أزحف إلى المنزل لأنام بضع ساعات وأعود للعمل من جديد، لذا فهي وظيفة ممتازة لتكديس المال.
‘لو استطعتُ التقاعد بسلام…….’
ربما قضيتُ شيخوخةً مرفهة لا أحسد أحدًا عليها.
هذا إذا لم أمت من الإرهاق قبل ذلك.
عمل، شركة، إعلانات.
ثم من جديد، عمل، شركة، إعلانات…….
لهذا، تبدو المزايا الوظيفية الرائعة كأنها سراب.
لا وقت للاستفادة من رفاهية الشركة، ولا حتى للنزول إلى المطعم الذي يقال إن فيه طاهيًا أسطوريًا مقيمًا!
كل يوم، مثلثات الأرز المغلّفة بأغلفةٍ مختلفة، وكؤوس النودلز الفورية.
ومشروبات الطاقة التي بالكاد تملأ معدتي الفارغة.
بل إن وسائل الإعلام صارت مهووسة باستخدامي كنموذج لبطلة الحرب، حتى إنني كلما أدرتُ رأسي وجدتُ سلعةً ما مطبوعًا عليها وجهي.
“آآاه! لماذا وجهي موجود حتى على أغلفة الكيمباب والراميون؟ هذا يفسد شهيتي!”
سحقتُ بلا رحمة عبوة مشروب طاقة طُبعت عليها صورتي بابتسامةٍ رأسمالية.
هل أنا فعلًا موظفة حكومية؟
أم أن نظام العبودية عاد دون أن أدري؟
لم أشعر ولو للحظة أنني صرتُ مشهورة.
لولا قدراتي الجسدية المتجاوزة من رتبة S، لما كان غريبًا أن أموت ميتةً بشعة في أي وقت من شدة ضغط العمل.
“هاه…….”
كيف انتهى بي الأمر إلى هذا الحال؟
“هاي جو، بدل أن تظلي حبيسة البيت هكذا، لما لا تخرجين وتعملين ولو قليلًا؟”
مع ظهور البوابات، صار الناس يخشون الوحوش القادمة من أبعادٍ أخرى أكثر من خوفهم من الأعاصير أو الفيضانات.
وفي خضم تلك الفوضى، ظهر كيانٌ سعى إلى إبادة الأرض بالكامل.
وجودٌ من عالمٍ آخر يختلف كليًا عن الوحوش التي واجهها الصيّادون حتى الآن، يُدعى الأودو (الطريق المنحرف).
كائناتٌ حاولت امتصاص حياة الأرض وتحويلها إلى ملكٍ لها.
كثير من الصيّادين وقفوا في وجههم.
وكنتُ أنا واحدةً منهم.
وبعد أن أغلقتُ البوابة العملاقة التي كانت تصل بين الأودو والأرض، أُلصق بي لقب “بطلة الحرب”.
ثم عشتُ حياة بطالةٍ حلوة في زمن السلام.
‘العطالة نعمة لا تُقدّر بثمن.’
حسابي البنكي ممتلئ، وسمعتي عالية. أليس هذا هو الكمال بعينه؟
لكن الجنة الأرضية لا تدوم طويلًا.
فقد لاحقتني محاضرات جدي، وأنا محبوسة في المنزل بحجة العلاج.
“هاي جو، بقاؤكِ في البيت طوال الوقت يجعلكِ تذبلين أكثر. لما لا تعودين إلى العمل بدلًا من ذلك؟”
كان ينبغي لي أن أتحمّل هذا الإزعاج مدةً أطول قليلًا.
“مرحبًا بعودتك. بما أن الحرب العظمى انتهت، فما الذي قد يكون صعبًا في عمل الموظفين الحكوميين؟”
ربما كان عليّ أن أهرب في اللحظة التي ابتسم فيها المدير العام بتلك الابتسامة الودودة ليطمئنني.
ذلك الوغد…… لا، ذلك المدير الوطني.
“يُعيَّن غو هاي جو، قائدة الفريق الأول في قسم المهام الخاصة، في منصب المديرة الجديدة لقسم المهام الخاصة.”
عدتُ إلى العمل، فإذا بهم يعلّقون على صدري لقب مديرٍ لامع، ثم ينهكونني كالحيوان.
أليس المدير عادةً من تلعب الغولف؟
ويذهب في رحلات عملٍ خارجية ليتناول وجبات فاخرة ببطاقة الشركة؟
ألم يكن منصبًا كهذا؟
منذ متى صار منصب المدير بهذه الوحشية؟
لم أعمل في أماكن أخرى، فلا أعلم جيدًا، لكنني واثقة أنه لا يوجد مدير في هذا العالم أكثر انشغالًا مني.
لو كان جميع الناس يعملون مثلي، لكان سبب الوفاة الأول عالميًا هو الموت من الإرهاق.
“هل تستمعين إليّ أصلًا؟”
انتشلني صوتٌ متجهم من شرودي.
همم. يبدو أن السهر المتواصل جعلني أغرق في أفكارٍ شتى، لكن حين التقت عيناي بتلك النظرة الجامدة، تمنّيتُ لو أعود إلى شرودي.
“أقول لكِ إنني غير مرتاح للغاية للوضع الحالي. الخطأ كان من طرفكم أولًا…….”
كلامٌ فارغ يُقال بلا توقف، حتى إن رأسي بدأ يطنّ.
لماذا عليّ أن أعمل في عطلة نهاية الأسبوع الثمينة؟
“نعم، أفهم سبب غضبك يا سيدي، لكن تصرّفك كان مبالغًا فيه.”
ضغطتُ على عينيّ المتعبتين، ونظرتُ إلى العجوز الجالس أمامي، أحد أسباب هذا العمل الإضافي.
عجوزٌ ضخم كالصخر، يرتدي عباءةً سوداء.
إنه كبير عشيرة الهيونمو من قبيلة السلحفاة السوداء، الحاكمة للنهر العظيم.
بسببه عانيتُ أيامًا طويلة، وما إن أتذكر ذلك حتى يتصلّب عنقي.
“فقد دمّرت موقع البناء بالكامل.”
موقعٌ على ضفاف النهر كان مخصصًا لأعمال الصيانة والتعزيز.
ومع ذلك، اقتحم المكان فجأة وحطّم كل الهياكل التي كانت على وشك الاكتمال.
“هل تعلم كم بلغت قيمة المعدات التي دمّرتمها؟”
لو كان طفلًا طائشًا حديث العهد بالحياة لهان الأمر.
لكن رجلًا عاش ما يكفي ليعرف كل شيء، يرتكب حماقة كهذه؟
إنه خيانةٌ للثقة بالعمر والخبرة.
وعندما سألته عن السبب، كان أعجب مما توقعت.
“كيف تتوقع مني أن أتقبل أنك أحدثت كل هذا الخراب فقط لأن طفلًا واحدًا شعر بالخوف؟”
قال إن أحد أطفال العشيرة كان يتجول قرب موقع البناء بدافع الفضول، ففزع من صوت الآليات الثقيلة لأول مرة في حياته وأغمي عليه، فقام العجوز بتدمير المنطقة بأكملها.
“أتعلمين كم هو ثمين طفلٌ من عشيرتنا؟ كاد ذلك الصغير العزيز أن يُصاب! بل إنه لا يزال منغلقًا على نفسه، لم يتجاوز الصدمة بعد!”
“وهل دماء من كانوا في الموقع غير ثمينة؟ الحمد لله أنه لم تقع إصابات، وإلا لكاد مدنيون كُثُر أن يُزجّ بهم في الكارثة.”
ومع ذلك، يقف أمامي متصلّبًا، ينشر هالةً ثقيلة كأنه هو الضحية.
هل يحاول الضغط عليّ بالقوة؟
رؤيته على هذا النحو بدأت تثير أعصابي.
هل يظن أنني لا أملك القدرة على بثّ الهيبة مثله؟
“صحيح أن الحكومة تعترف بالحقوق الخاصة التي تتمتع بها عشيرة الهيونمو على النهر، لكن هذا لا يعني أن لك الحق في إثارة الفوضى كيفما شئت.”
حين رفعتُ هالتي لمواجهته، اصطدمت طاقتي الحادة بثقله الكاسح، فتوتر هواء الغرفة حتى كاد ينفجر.
“أم ترغَب في تكرار عربدتك هنا، كما فعلت أمام المدنيين؟”
في تلك اللحظة، تشوّه وجه العجوز بوحشيةٍ أشبه بالشياطين.
“أتقولين لي الآن إنني عربدت؟”
انبعثت من عينيه طاقةٌ سوداء شبحية.
‘كنتُ أعلم أن الأمر سيصل إلى هذا.’
مهما كان عظيمًا، فالمتطفل متطفل.
يبدو أن اليوم أيضًا لن يمرّ بسلام.
آه، يا للخيبة.
التعليقات لهذا الفصل " 1"