4
⊹ الفصل 4 ⊹
عندما أدرت رأسي رأيت أربو.
كان يربّت برفق على كتفي محاولًا تهدئتي.
“ه–هذا ليس من فعلي!”
حاول نورمان التبرير. لكن بما أنّ التعذيب كان موجَّهًا بوضوح إلى وصيفاتي الخاصات وحدهن، أغمض أبي عينيه بإحكام.
في العائلات النبيلة العادية، كان من الشائع استخدام العقاب البدني للخدم بحجة تأديبهم.
لكن هذا المكان كان بيت كبير الكهنة المقدّس.
ولو أنّ الخدم أفشوا في الخارج أن إساءة المعاملة تحدث داخل بيت إيديس، فسيبدأ الناس حتمًا بالهمس بأن قسوة هذه العائلة لا تختلف عن قسوة سائر النبلاء.
وفوق ذلك، لو عُرف أن الوصيفات المعيّنات لي وحدي—أنا الابنة غير الشرعية—كنّ يتعرضن للإساءة، فسيكون ذلك عارًا لا يُحتمل.
“كاد تفكيرك القصير أن يلطّخ سمعة عائلة إيديس يا نورمان.”
كان في صوت أبي المرتجف أثرٌ خافت من الهالة. وعلى الرغم من ضآلتها، بدأت أجساد الخدم ونورمان ترتجف.
“وفوق الشائعات التي تنتشر أصلًا لأنك لم تُظهر أي قوة سحرية مُقدسة، تجرؤ على ارتكاب مثل هذا الفعل؟!”
“أ–أبي…”
“ولو انتشر هذا الأمر، فسيقول الناس إنك تضايق لاتشي لأنك لم تُظهر قواك السحرية المُقدسة! كيف ستقود عائلة إيديس بهذا القدر من قصر النظر؟!”
“ل–لقد أخطأت! أعتذر يا أبي!”
عندها فقط انحنى نورمان خاضعًا أمام أبي.
أما أربو، فنظر إلى نورمان بازدراء وهو يقطّب حاجبيه. وشدد قليلًا قبضته على كتفي وهو يساندني.
“نسأسحب منك مؤقتًا صلاحيات وريث العائلة التي فوّضتك بها! الزم التأديب!”
“أ–أبي…!”
“وإن حدث مثل هذا الأمر مرة أخرى داخل قصر الدوق الأكبر، فلن ينتهي الأمر عند هذا الحد. فليحفظ الجميع ذلك جيدًا!”
“نعم، نعم سيدي كبير الكهنة! سنحفظه!”
أجاب الخدم بصوت واحد وقد اشتد انضباطهم.
“أنتِ، خذي لاتشي إلى غرفة نومها.”
قال أبي ذلك وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة وكأن حتى استخدام قدر ضئيل من القوة السحرية المُقدسة كان مرهقًا له، موجّهًا كلامه إلى صوفيا التي ما زالت راكعة.
“أعتذر يا سمو الأمير. لكن صحتي ليست على ما يرام، لذا سأستأذن بالانصراف أولًا.”
“حسنًا، سيدي كبير الكهنة.”
ثم حيّا أبي أربو بإيماءة خفيفة قبل أن يرمق نورمان بنظرة حادة.
وتحت ذلك الضغط الصامت الذي يعني “اتبعني“، لحق نورمان به بوجه شاحب مرتجف.
نهضت صوفيا على ركبتيها المتصلبتين وساعدتني على الوقوف. لكن جسدي الذي كان يترنح باستمرار جعلها في حرج واضح.
“سأتولى أنا نقل الأميرة.”
وفي اللحظة التي كانت صوفيا تكابد فيها، جاء صوت أربو في الوقت المناسب.
“اعذروني قليلًا.”
وبمجرد أن قال ذلك، رفعني أربو بين ذراعيه بسهولة.
تفاجأت من تصرفه المفاجئ حتى إن جسدي كله تجمّد كأن خلاياه أصابها الشلل.
“س–سمو الأمير! أنا بخير. أنزلني من فضلك.”
“دلّيني على غرفة الأميرة.”
رغم قولي إنني بخير، لم يُرخِ أربو ذراعيه اللتين تحملانني. بل تجاهل كلامي وكأنه لم يسمعه وأمر صوفيا أن تقوده إلى غرفتي.
وطوال الطريق إلى غرفة النوم تحت إرشاد صوفيا، لم أعرف كيف أتصرف، فاكتفيت بتحريك أصابعي بتوتر.
أن أكون بين ذراعي أربو هكذا كان أمرًا شديد الإحراج بالنسبة لي. وبسبب الشعور بالذنب والخجل، لم أستطع حتى النظر في عينيه.
“هل كنتِ تُعاملين دائمًا بهذه الطريقة؟”
بينما كنت أحدّق في الفراغ بلا هدف، تحدث أربو بصوت خافت لا يسمعه سواي.
كان صوته مليئًا بالقلق.
لم أجب على سؤاله.
فقول “لا” لم يكن ممكنًا، لأن تصرفات نورمان تجاهي لم تكن بالأمر القليل.
“لا أتمنى حدوث ذلك، لكن إن وقع شيء كهذا مرة أخرى، فأبلغيني فورًا.”
“ماذا؟”
“لأن قلبي لن يطمئن.”
رفعت بصري دون قصد، فتشابكت نظرتي مع عيني أربو البنفسجيتين فارتبكت فورًا وخفضت عيني بسرعة.
“… أشكرك على كلماتك على الأقل يا سمو الأمير.”
“هل ستحضرين حفل التوديع؟”
حين قاربت محادثتنا القصيرة على الانتهاء، غيّر أربو الموضوع وسألني. فأومأت برأسي.
“يسعدني أنك ستحضرين. آمل أن أراك يومها في حال أفضل.”
وأخيرًا انتهى الممر الطويل الذي بدا بلا نهاية بينما كنت بين ذراعيه، ووصلنا إلى باب غرفتي.
وضعني أربو على السرير ثم قال لصوفيا:
“استدعي الطبيب الخاص ليفحص حالة الأميرة.”
“نعم، سمو الأمير.”
وبقي أربو بجانبي حتى وصل الطبيب إلى غرفتي.
وعندما شرح الطبيب أن السبب هو سوء التغذية والإرهاق الشديد، ضيّق أربو ما بين حاجبيه الناعمين.
“سأحضر شيئًا يمكن لسموها تناوله قبل الدواء.”
وعندما همّ الطبيب بمغادرة الغرفة، خرجت صوفيا أيضًا وراءه وهي ما تزال تنظر إلي بقلق.
وبعد أن غادرت صوفيا، لم يبقَ في الغرفة الواسعة سواي وأربو.
وبينما كنت لا أجرؤ على النظر إليه وأكتفي بتحريك أصابعي بلا هدف، لامس صدغي قماش ناعم.
“تتعرقين كثيرًا.”
“شكرًا لك. س– سأفعل ذلك بنفسي.”
تفاجأت من قيام أربو بمسح العرق البارد الذي يسيل على وجهي بنفسه، فتلعثمت وأنا أبحث عن المنديل.
لكن أربو حرّك أصابعه التي تمسك بالمنديل، ومسح برفق زاوية عيني المتعبة بطرف إبهامه.
كانت لمسته حنونة إلى حد يكاد يكون مؤلمًا، حتى إن قلبي بدأ يخفق بخفة.
لم أدرِ إن كان ذلك النبض نابعًا من التوتر فحسب، أم من شعور آخر غير طاهر يستجيب لنظرته العميقة.
كانت عيناه البنفسجيتان تمسحان وجهي بإمعان حتى ارتجف طرف شفتي.
كانت عيناه الشبيهة بالجمشت خطيرة لدرجة أن مجرد النظر إليهما قد يسحر الجسد كله.
“… إنك تشبهينها حقًا.”
بعد أن ظل يحدق بي صامتًا طويلًا، تمتم أربو ذلك بهدوء.
ولأنني لم أسمع كلامه جيدًا، هممت أن أسأله، لكن في تلك اللحظة انزلقت يده التي كانت تمسح قرب عيني حتى لامست طرف أذني، ثم استقرت على خدي الذي احمرّ.
“سمو الأمير؟”
“آه…”
ارتبكت حين اقتربت يده إلى هذا الحد من خدي، فناديته بصوت مرتبك. عندها فقط بدا أن أربو قد عاد إلى رشده، فتنهّد بخفة وسحب يده.
“سأغادر الآن. أتطلع إلى لقائنا مجددًا في يوم حفل التوديع.”
حتى قبل أن يدير ظهره، بقيت نظرات أربو الملحّة تلاحق عيني.
كانت نظرة تشبه شوقًا لشيءٍ ما، وفي الوقت نفسه نظرة مفترس وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه.
ولسبب ما، ظللت أكرر في ذهني كلماته التي توحي بعزمه على لقائي في حفل التوديع مهما حدث.
بعد أن غادر أربو، دخلت صوفيا وهي تحمل بعض الطعام الخفيف مع الدواء.
وبناءً على نصيحتها بأن عليّ أن أملأ معدتي قليلًا قبل تناول الدواء كي لا تؤلمني معدتي، اضطررت على مضض إلى مضغ الطعام الذي لم يكن لدي شهية له.
وعندما تناولت الدواء أمامها، ابتسمت صوفيا أخيرًا وكأنها اطمأنت.
وبعد أن غادرت الغرفة بوقت قصير، دخل أبي إلى غرفة نومي.
“لقد ظهر منظر غير لائق أمام سمو الأمير. هل كان لا بد لكِ من إثارة هذه الضجة في يوم كهذا؟”
“… أعتذر يا أبي.”
مع أنني كنت الضحية الواضحة، لم يوجّه أبي إليّ كلمة عزاء واحدة. وبعد اعتذاري الذي خرج بصعوبة، تنهد أبي قليلًا بوجه معقد.
“استريحي ولا تجهدي نفسك حتى حفل التوديع.”
اقترب مني بوجه جامد، ثم مد يده وبدأ يشفي جسدي المتعب بقوته المقدسة.
وما إن لامستني قوة إيديس المقدسة حتى تلاشى الإرهاق في جسدي وبدأ الدم يعود إلى وجهي.
ورغم أنه وبّخني بقسوة، كانت تلك أول مرة في حياتي أتلقى فيها عناية من أبي.
كان شعورًا غريبًا حقًا.
وبينما كنت أستريح على السرير، سُمِع طرق على الباب وصوت صوفيا من الخارج. فأذنت لها بالدخول فورًا.
“سمو الأميرة، هل أصبحتِ بخير؟”
كانت عينا صوفيا وهي تحمل صينية الشاي لا تزالان مبللتين بالدموع.
“إنه شاي البابونج يساعد على تهدئة الجسد والعقل. يبدو لون وجهك سيئًا جدًا يا سمو الأميرة.”
“… شكرًا لكِ.”
وضعت صوفيا الكوب الذي يتصاعد منه البخار الدافئ وهي تنظر إلي بقلق.
على الرغم من أنها كانت قد تعرضت قبل قليل لتوبيخ قاسٍ من أبي، مما لا بد أنه أحبطها، فإن صوفيا كانت ما تزال تفكر في قلقي أنا أولًا.
“هل أنتِ بخير صوفيا؟ لقد وبّخكِ أبي بسببي دون داعٍ.”
“أنا بخير. لا تقلقي عليّ يا سمو الأميرة. لقد أحضرت الدواء، سأضعه لكِ.”
كانت صوفيا كما في الماضي وكما الآن، تثير في قلبي شعورًا عميقًا بالشفقة والمودة.
وعلى الرغم من صغر سنها، فإن قلبها الذي يحرص عليّ كان عميقًا كالبحر.
بعد أن توليت منصب القديسة، قام نورمان بطرد صوفيا فورًا.
حاولت أن آخذها معي إلى المعبد، لكن الوقت كان قد فات بالفعل، إذ كانت قد اغتيلت على يد قاتل أرسله نورمان.
‘لقد عانت كثيرًا لأنها خدمت سيدًا مثلي، وانتهى بها الأمر إلى الموت.’
وقعت عيناي على وجه صوفيا النحيل.
بدا أنها عانت كثيرًا نفسيًا منذ أن وُضعت تحت الحبس.
وكان هناك شيء يلفت نظري كلما تحركت صوفيا.
إنها الكدمات التي خلفها تعذيب نورمان.
“أعطيني يدكِ قليلًا يا صوفيا.”
وضعت المرهم بحذر على معصمها المكدوم.
حاولت صوفيا أن تمنعني قائلة إنها بخير، وأرادت أن تضع الدواء لي بدلًا من ذلك، لكن إصراري الشديد جعلها في النهاية تستسلم.
“أنا آسفة. لقد كنت مهملة ولم أستطع أن أعتني بكِ كما ينبغي.”
“لا، لا يا سمو الأميرة! لا تقولي ذلك. بل أنا من ينبغي أن يعتذر…”
وعند سماع اعتذاري، انفجرت صوفيا بالبكاء أخيرًا.
كان صوتها المبتل بالدموع يؤلم قلبي. فسلمتها منديلًا وهي عاجزة عن التوقف عن البكاء.
“لن يحدث مثل هذا الأمر أبدًا بعد الآن.”
تمتمت بذلك وكأنني أعاهد نفسي وأنا أربّت برفق على رأس صوفيا.
كان عليّ أن أحمي من هم لي.
فهي الوحيدة التي وقفت إلى جانبي في هذا القصر الذي يشبه الجحيم الحي. وهذه المرة، مهما حدث، سأحمي صوفيا بالتأكيد.
***
بعد ثلاثة أيام من تلك الضجة، أشرق صباح يوم حفل التوديع.
نزلت مع الوصيفات إلى المكان الذي كانت تنتظر فيه العربة.
كان نورمان قد وصل قبلي.
“أن تُدعَي إلى حفل التوديع وأنتِ بهذه المكانة… يا له من حظ لم تحلمي به طوال حياتك.”
قال نورمان ذلك بنبرة ساخرة.
“هل نسيت بالفعل كلام أبي حين أمرك بضبط نفسك؟”
“وبسبب من حدث ذلك أصلًا؟!”
عند ردي اللاذع، أظهر نورمان غضبه فجأة.
كان واضحًا أنه ما زال يشعر بالمرارة بسبب سحب منصب وريث العائلة منه بعد حادثة التعذيب.
“ألم يكن ما حدث من صنعك أنت؟ السخرية… والتعذيب أيضًا.”
“وقاحتك هذه…”
في العادة، كان سيرفع يده لضربي فورًا. لكنه اكتفى هذه المرة بنظرات تمزقني بحدة دون أن يتخذ أي فعل جسدي.
فهو يعلم أنه إن أثار مشكلة أخرى بينما منصب وريث العائلة قد سُحب منه، فلن يستطيع تحمّل عواقب غضب أبي.
“اعتبري أنني تجاوزت الأمر بسعة صدر مني.”
قال نورمان ذلك هراءً وهو يصعد إلى العربة أولًا. وعندما ركبت أنا أيضًا، بدأت العربة بالتحرك.
وبعد نحو عشر دقائق، بدأ عبير ورودٍ فاتنة يتدفق عبر العربة التي كانت تعبر الشوارع.
لقد وصلنا إلى القصر الإمبراطوري.
كان أمام قاعة الاحتفالات في القصر الإمبراطوري فارسان مدججان بالسلاح يحرسون المدخل.
وعندما رأيا نورمان، حيّياه باحترام وفتحا له باب القاعة.
ثم جاء دوري للدخول.
لكن في تلك اللحظة، تقاطع رمحا الحارسين فجأة على شكل X مانعين دخولي.
“ما معنى هذا؟”
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦
ادري ان مملل مره اجي كل نهاية فصل اشرح بس بجد لازم احكي، النص الكوري يقول القوة السحرية بينما الدوق كبير كهنة!!! انا بدي قفل على هذا الارتباك الي صاير وبخليها قوة مقدسة لان بجد الكاتبه مره تكتبها قوة مقدسة ومره تكتب سحرية
فكرت اخليها قوة سحرية مقدسة ولكنها طويله وهي اساسا نفس الشي.
ترجـمة بوني.
قناة تيليقرام لأسفتسارات وان شاء الله افتح قروب للملفات قريبًا:
⊹ الفصل 4 ⊹
عندما أدرت رأسي رأيت أربو.
كان يربّت برفق على كتفي محاولًا تهدئتي.
“ه–هذا ليس من فعلي!”
حاول نورمان التبرير. لكن بما أنّ التعذيب كان موجَّهًا بوضوح إلى وصيفاتي الخاصات وحدهن، أغمض أبي عينيه بإحكام.
في العائلات النبيلة العادية، كان من الشائع استخدام العقاب البدني للخدم بحجة تأديبهم.
لكن هذا المكان كان بيت كبير الكهنة المقدّس.
ولو أنّ الخدم أفشوا في الخارج أن إساءة المعاملة تحدث داخل بيت إيديس، فسيبدأ الناس حتمًا بالهمس بأن قسوة هذه العائلة لا تختلف عن قسوة سائر النبلاء.
وفوق ذلك، لو عُرف أن الوصيفات المعيّنات لي وحدي—أنا الابنة غير الشرعية—كنّ يتعرضن للإساءة، فسيكون ذلك عارًا لا يُحتمل.
“كاد تفكيرك القصير أن يلطّخ سمعة عائلة إيديس يا نورمان.”
كان في صوت أبي المرتجف أثرٌ خافت من الهالة. وعلى الرغم من ضآلتها، بدأت أجساد الخدم ونورمان ترتجف.
“وفوق الشائعات التي تنتشر أصلًا لأنك لم تُظهر أي قوة سحرية مُقدسة، تجرؤ على ارتكاب مثل هذا الفعل؟!”
“أ–أبي…”
“ولو انتشر هذا الأمر، فسيقول الناس إنك تضايق لاتشي لأنك لم تُظهر قواك السحرية المُقدسة! كيف ستقود عائلة إيديس بهذا القدر من قصر النظر؟!”
“ل–لقد أخطأت! أعتذر يا أبي!”
عندها فقط انحنى نورمان خاضعًا أمام أبي.
أما أربو، فنظر إلى نورمان بازدراء وهو يقطّب حاجبيه. وشدد قليلًا قبضته على كتفي وهو يساندني.
“نسأسحب منك مؤقتًا صلاحيات وريث العائلة التي فوّضتك بها! الزم التأديب!”
“أ–أبي…!”
“وإن حدث مثل هذا الأمر مرة أخرى داخل قصر الدوق الأكبر، فلن ينتهي الأمر عند هذا الحد. فليحفظ الجميع ذلك جيدًا!”
“نعم، نعم سيدي كبير الكهنة! سنحفظه!”
أجاب الخدم بصوت واحد وقد اشتد انضباطهم.
“أنتِ، خذي لاتشي إلى غرفة نومها.”
قال أبي ذلك وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة وكأن حتى استخدام قدر ضئيل من القوة السحرية المُقدسة كان مرهقًا له، موجّهًا كلامه إلى صوفيا التي ما زالت راكعة.
“أعتذر يا سمو الأمير. لكن صحتي ليست على ما يرام، لذا سأستأذن بالانصراف أولًا.”
“حسنًا، سيدي كبير الكهنة.”
ثم حيّا أبي أربو بإيماءة خفيفة قبل أن يرمق نورمان بنظرة حادة.
وتحت ذلك الضغط الصامت الذي يعني “اتبعني“، لحق نورمان به بوجه شاحب مرتجف.
نهضت صوفيا على ركبتيها المتصلبتين وساعدتني على الوقوف. لكن جسدي الذي كان يترنح باستمرار جعلها في حرج واضح.
“سأتولى أنا نقل الأميرة.”
وفي اللحظة التي كانت صوفيا تكابد فيها، جاء صوت أربو في الوقت المناسب.
“اعذروني قليلًا.”
وبمجرد أن قال ذلك، رفعني أربو بين ذراعيه بسهولة.
تفاجأت من تصرفه المفاجئ حتى إن جسدي كله تجمّد كأن خلاياه أصابها الشلل.
“س–سمو الأمير! أنا بخير. أنزلني من فضلك.”
“دلّيني على غرفة الأميرة.”
رغم قولي إنني بخير، لم يُرخِ أربو ذراعيه اللتين تحملانني. بل تجاهل كلامي وكأنه لم يسمعه وأمر صوفيا أن تقوده إلى غرفتي.
وطوال الطريق إلى غرفة النوم تحت إرشاد صوفيا، لم أعرف كيف أتصرف، فاكتفيت بتحريك أصابعي بتوتر.
أن أكون بين ذراعي أربو هكذا كان أمرًا شديد الإحراج بالنسبة لي. وبسبب الشعور بالذنب والخجل، لم أستطع حتى النظر في عينيه.
“هل كنتِ تُعاملين دائمًا بهذه الطريقة؟”
بينما كنت أحدّق في الفراغ بلا هدف، تحدث أربو بصوت خافت لا يسمعه سواي.
كان صوته مليئًا بالقلق.
لم أجب على سؤاله.
فقول “لا” لم يكن ممكنًا، لأن تصرفات نورمان تجاهي لم تكن بالأمر القليل.
“لا أتمنى حدوث ذلك، لكن إن وقع شيء كهذا مرة أخرى، فأبلغيني فورًا.”
“ماذا؟”
“لأن قلبي لن يطمئن.”
رفعت بصري دون قصد، فتشابكت نظرتي مع عيني أربو البنفسجيتين فارتبكت فورًا وخفضت عيني بسرعة.
“… أشكرك على كلماتك على الأقل يا سمو الأمير.”
“هل ستحضرين حفل التوديع؟”
حين قاربت محادثتنا القصيرة على الانتهاء، غيّر أربو الموضوع وسألني. فأومأت برأسي.
“يسعدني أنك ستحضرين. آمل أن أراك يومها في حال أفضل.”
وأخيرًا انتهى الممر الطويل الذي بدا بلا نهاية بينما كنت بين ذراعيه، ووصلنا إلى باب غرفتي.
وضعني أربو على السرير ثم قال لصوفيا:
“استدعي الطبيب الخاص ليفحص حالة الأميرة.”
“نعم، سمو الأمير.”
وبقي أربو بجانبي حتى وصل الطبيب إلى غرفتي.
وعندما شرح الطبيب أن السبب هو سوء التغذية والإرهاق الشديد، ضيّق أربو ما بين حاجبيه الناعمين.
“سأحضر شيئًا يمكن لسموها تناوله قبل الدواء.”
وعندما همّ الطبيب بمغادرة الغرفة، خرجت صوفيا أيضًا وراءه وهي ما تزال تنظر إلي بقلق.
وبعد أن غادرت صوفيا، لم يبقَ في الغرفة الواسعة سواي وأربو.
وبينما كنت لا أجرؤ على النظر إليه وأكتفي بتحريك أصابعي بلا هدف، لامس صدغي قماش ناعم.
“تتعرقين كثيرًا.”
“شكرًا لك. س– سأفعل ذلك بنفسي.”
تفاجأت من قيام أربو بمسح العرق البارد الذي يسيل على وجهي بنفسه، فتلعثمت وأنا أبحث عن المنديل.
لكن أربو حرّك أصابعه التي تمسك بالمنديل، ومسح برفق زاوية عيني المتعبة بطرف إبهامه.
كانت لمسته حنونة إلى حد يكاد يكون مؤلمًا، حتى إن قلبي بدأ يخفق بخفة.
لم أدرِ إن كان ذلك النبض نابعًا من التوتر فحسب، أم من شعور آخر غير طاهر يستجيب لنظرته العميقة.
كانت عيناه البنفسجيتان تمسحان وجهي بإمعان حتى ارتجف طرف شفتي.
كانت عيناه الشبيهة بالجمشت خطيرة لدرجة أن مجرد النظر إليهما قد يسحر الجسد كله.
“… إنك تشبهينها حقًا.”
بعد أن ظل يحدق بي صامتًا طويلًا، تمتم أربو ذلك بهدوء.
ولأنني لم أسمع كلامه جيدًا، هممت أن أسأله، لكن في تلك اللحظة انزلقت يده التي كانت تمسح قرب عيني حتى لامست طرف أذني، ثم استقرت على خدي الذي احمرّ.
“سمو الأمير؟”
“آه…”
ارتبكت حين اقتربت يده إلى هذا الحد من خدي، فناديته بصوت مرتبك. عندها فقط بدا أن أربو قد عاد إلى رشده، فتنهّد بخفة وسحب يده.
“سأغادر الآن. أتطلع إلى لقائنا مجددًا في يوم حفل التوديع.”
حتى قبل أن يدير ظهره، بقيت نظرات أربو الملحّة تلاحق عيني.
كانت نظرة تشبه شوقًا لشيءٍ ما، وفي الوقت نفسه نظرة مفترس وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه.
ولسبب ما، ظللت أكرر في ذهني كلماته التي توحي بعزمه على لقائي في حفل التوديع مهما حدث.
بعد أن غادر أربو، دخلت صوفيا وهي تحمل بعض الطعام الخفيف مع الدواء.
وبناءً على نصيحتها بأن عليّ أن أملأ معدتي قليلًا قبل تناول الدواء كي لا تؤلمني معدتي، اضطررت على مضض إلى مضغ الطعام الذي لم يكن لدي شهية له.
وعندما تناولت الدواء أمامها، ابتسمت صوفيا أخيرًا وكأنها اطمأنت.
وبعد أن غادرت الغرفة بوقت قصير، دخل أبي إلى غرفة نومي.
“لقد ظهر منظر غير لائق أمام سمو الأمير. هل كان لا بد لكِ من إثارة هذه الضجة في يوم كهذا؟”
“… أعتذر يا أبي.”
مع أنني كنت الضحية الواضحة، لم يوجّه أبي إليّ كلمة عزاء واحدة. وبعد اعتذاري الذي خرج بصعوبة، تنهد أبي قليلًا بوجه معقد.
“استريحي ولا تجهدي نفسك حتى حفل التوديع.”
اقترب مني بوجه جامد، ثم مد يده وبدأ يشفي جسدي المتعب بقوته المقدسة.
وما إن لامستني قوة إيديس المقدسة حتى تلاشى الإرهاق في جسدي وبدأ الدم يعود إلى وجهي.
ورغم أنه وبّخني بقسوة، كانت تلك أول مرة في حياتي أتلقى فيها عناية من أبي.
كان شعورًا غريبًا حقًا.
وبينما كنت أستريح على السرير، سُمِع طرق على الباب وصوت صوفيا من الخارج. فأذنت لها بالدخول فورًا.
“سمو الأميرة، هل أصبحتِ بخير؟”
كانت عينا صوفيا وهي تحمل صينية الشاي لا تزالان مبللتين بالدموع.
“إنه شاي البابونج يساعد على تهدئة الجسد والعقل. يبدو لون وجهك سيئًا جدًا يا سمو الأميرة.”
“… شكرًا لكِ.”
وضعت صوفيا الكوب الذي يتصاعد منه البخار الدافئ وهي تنظر إلي بقلق.
على الرغم من أنها كانت قد تعرضت قبل قليل لتوبيخ قاسٍ من أبي، مما لا بد أنه أحبطها، فإن صوفيا كانت ما تزال تفكر في قلقي أنا أولًا.
“هل أنتِ بخير صوفيا؟ لقد وبّخكِ أبي بسببي دون داعٍ.”
“أنا بخير. لا تقلقي عليّ يا سمو الأميرة. لقد أحضرت الدواء، سأضعه لكِ.”
كانت صوفيا كما في الماضي وكما الآن، تثير في قلبي شعورًا عميقًا بالشفقة والمودة.
وعلى الرغم من صغر سنها، فإن قلبها الذي يحرص عليّ كان عميقًا كالبحر.
بعد أن توليت منصب القديسة، قام نورمان بطرد صوفيا فورًا.
حاولت أن آخذها معي إلى المعبد، لكن الوقت كان قد فات بالفعل، إذ كانت قد اغتيلت على يد قاتل أرسله نورمان.
‘لقد عانت كثيرًا لأنها خدمت سيدًا مثلي، وانتهى بها الأمر إلى الموت.’
وقعت عيناي على وجه صوفيا النحيل.
بدا أنها عانت كثيرًا نفسيًا منذ أن وُضعت تحت الحبس.
وكان هناك شيء يلفت نظري كلما تحركت صوفيا.
إنها الكدمات التي خلفها تعذيب نورمان.
“أعطيني يدكِ قليلًا يا صوفيا.”
وضعت المرهم بحذر على معصمها المكدوم.
حاولت صوفيا أن تمنعني قائلة إنها بخير، وأرادت أن تضع الدواء لي بدلًا من ذلك، لكن إصراري الشديد جعلها في النهاية تستسلم.
“أنا آسفة. لقد كنت مهملة ولم أستطع أن أعتني بكِ كما ينبغي.”
“لا، لا يا سمو الأميرة! لا تقولي ذلك. بل أنا من ينبغي أن يعتذر…”
وعند سماع اعتذاري، انفجرت صوفيا بالبكاء أخيرًا.
كان صوتها المبتل بالدموع يؤلم قلبي. فسلمتها منديلًا وهي عاجزة عن التوقف عن البكاء.
“لن يحدث مثل هذا الأمر أبدًا بعد الآن.”
تمتمت بذلك وكأنني أعاهد نفسي وأنا أربّت برفق على رأس صوفيا.
كان عليّ أن أحمي من هم لي.
فهي الوحيدة التي وقفت إلى جانبي في هذا القصر الذي يشبه الجحيم الحي. وهذه المرة، مهما حدث، سأحمي صوفيا بالتأكيد.
***
بعد ثلاثة أيام من تلك الضجة، أشرق صباح يوم حفل التوديع.
نزلت مع الوصيفات إلى المكان الذي كانت تنتظر فيه العربة.
كان نورمان قد وصل قبلي.
“أن تُدعَي إلى حفل التوديع وأنتِ بهذه المكانة… يا له من حظ لم تحلمي به طوال حياتك.”
قال نورمان ذلك بنبرة ساخرة.
“هل نسيت بالفعل كلام أبي حين أمرك بضبط نفسك؟”
“وبسبب من حدث ذلك أصلًا؟!”
عند ردي اللاذع، أظهر نورمان غضبه فجأة.
كان واضحًا أنه ما زال يشعر بالمرارة بسبب سحب منصب وريث العائلة منه بعد حادثة التعذيب.
“ألم يكن ما حدث من صنعك أنت؟ السخرية… والتعذيب أيضًا.”
“وقاحتك هذه…”
في العادة، كان سيرفع يده لضربي فورًا. لكنه اكتفى هذه المرة بنظرات تمزقني بحدة دون أن يتخذ أي فعل جسدي.
فهو يعلم أنه إن أثار مشكلة أخرى بينما منصب وريث العائلة قد سُحب منه، فلن يستطيع تحمّل عواقب غضب أبي.
“اعتبري أنني تجاوزت الأمر بسعة صدر مني.”
قال نورمان ذلك هراءً وهو يصعد إلى العربة أولًا. وعندما ركبت أنا أيضًا، بدأت العربة بالتحرك.
وبعد نحو عشر دقائق، بدأ عبير ورودٍ فاتنة يتدفق عبر العربة التي كانت تعبر الشوارع.
لقد وصلنا إلى القصر الإمبراطوري.
كان أمام قاعة الاحتفالات في القصر الإمبراطوري فارسان مدججان بالسلاح يحرسون المدخل.
وعندما رأيا نورمان، حيّياه باحترام وفتحا له باب القاعة.
ثم جاء دوري للدخول.
لكن في تلك اللحظة، تقاطع رمحا الحارسين فجأة على شكل X مانعين دخولي.
“ما معنى هذا؟”
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦
ادري ان مملل مره اجي كل نهاية فصل اشرح بس بجد لازم احكي، النص الكوري يقول القوة السحرية بينما الدوق كبير كهنة!!! انا بدي قفل على هذا الارتباك الي صاير وبخليها قوة مقدسة لان بجد الكاتبه مره تكتبها قوة مقدسة ومره تكتب سحرية
فكرت اخليها قوة سحرية مقدسة ولكنها طويله وهي اساسا نفس الشي.
ترجـمة بوني.
قناة تيليقرام لأسفتسارات وان شاء الله افتح قروب للملفات قريبًا:
⊹ الفصل 4 ⊹
عندما أدرت رأسي رأيت أربو.
كان يربّت برفق على كتفي محاولًا تهدئتي.
“ه–هذا ليس من فعلي!”
حاول نورمان التبرير. لكن بما أنّ التعذيب كان موجَّهًا بوضوح إلى وصيفاتي الخاصات وحدهن، أغمض أبي عينيه بإحكام.
في العائلات النبيلة العادية، كان من الشائع استخدام العقاب البدني للخدم بحجة تأديبهم.
لكن هذا المكان كان بيت كبير الكهنة المقدّس.
ولو أنّ الخدم أفشوا في الخارج أن إساءة المعاملة تحدث داخل بيت إيديس، فسيبدأ الناس حتمًا بالهمس بأن قسوة هذه العائلة لا تختلف عن قسوة سائر النبلاء.
وفوق ذلك، لو عُرف أن الوصيفات المعيّنات لي وحدي—أنا الابنة غير الشرعية—كنّ يتعرضن للإساءة، فسيكون ذلك عارًا لا يُحتمل.
“كاد تفكيرك القصير أن يلطّخ سمعة عائلة إيديس يا نورمان.”
كان في صوت أبي المرتجف أثرٌ خافت من الهالة. وعلى الرغم من ضآلتها، بدأت أجساد الخدم ونورمان ترتجف.
“وفوق الشائعات التي تنتشر أصلًا لأنك لم تُظهر أي قوة سحرية مُقدسة، تجرؤ على ارتكاب مثل هذا الفعل؟!”
“أ–أبي…”
“ولو انتشر هذا الأمر، فسيقول الناس إنك تضايق لاتشي لأنك لم تُظهر قواك السحرية المُقدسة! كيف ستقود عائلة إيديس بهذا القدر من قصر النظر؟!”
“ل–لقد أخطأت! أعتذر يا أبي!”
عندها فقط انحنى نورمان خاضعًا أمام أبي.
أما أربو، فنظر إلى نورمان بازدراء وهو يقطّب حاجبيه. وشدد قليلًا قبضته على كتفي وهو يساندني.
“نسأسحب منك مؤقتًا صلاحيات وريث العائلة التي فوّضتك بها! الزم التأديب!”
“أ–أبي…!”
“وإن حدث مثل هذا الأمر مرة أخرى داخل قصر الدوق الأكبر، فلن ينتهي الأمر عند هذا الحد. فليحفظ الجميع ذلك جيدًا!”
“نعم، نعم سيدي كبير الكهنة! سنحفظه!”
أجاب الخدم بصوت واحد وقد اشتد انضباطهم.
“أنتِ، خذي لاتشي إلى غرفة نومها.”
قال أبي ذلك وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة وكأن حتى استخدام قدر ضئيل من القوة السحرية المُقدسة كان مرهقًا له، موجّهًا كلامه إلى صوفيا التي ما زالت راكعة.
“أعتذر يا سمو الأمير. لكن صحتي ليست على ما يرام، لذا سأستأذن بالانصراف أولًا.”
“حسنًا، سيدي كبير الكهنة.”
ثم حيّا أبي أربو بإيماءة خفيفة قبل أن يرمق نورمان بنظرة حادة.
وتحت ذلك الضغط الصامت الذي يعني “اتبعني“، لحق نورمان به بوجه شاحب مرتجف.
نهضت صوفيا على ركبتيها المتصلبتين وساعدتني على الوقوف. لكن جسدي الذي كان يترنح باستمرار جعلها في حرج واضح.
“سأتولى أنا نقل الأميرة.”
وفي اللحظة التي كانت صوفيا تكابد فيها، جاء صوت أربو في الوقت المناسب.
“اعذروني قليلًا.”
وبمجرد أن قال ذلك، رفعني أربو بين ذراعيه بسهولة.
تفاجأت من تصرفه المفاجئ حتى إن جسدي كله تجمّد كأن خلاياه أصابها الشلل.
“س–سمو الأمير! أنا بخير. أنزلني من فضلك.”
“دلّيني على غرفة الأميرة.”
رغم قولي إنني بخير، لم يُرخِ أربو ذراعيه اللتين تحملانني. بل تجاهل كلامي وكأنه لم يسمعه وأمر صوفيا أن تقوده إلى غرفتي.
وطوال الطريق إلى غرفة النوم تحت إرشاد صوفيا، لم أعرف كيف أتصرف، فاكتفيت بتحريك أصابعي بتوتر.
أن أكون بين ذراعي أربو هكذا كان أمرًا شديد الإحراج بالنسبة لي. وبسبب الشعور بالذنب والخجل، لم أستطع حتى النظر في عينيه.
“هل كنتِ تُعاملين دائمًا بهذه الطريقة؟”
بينما كنت أحدّق في الفراغ بلا هدف، تحدث أربو بصوت خافت لا يسمعه سواي.
كان صوته مليئًا بالقلق.
لم أجب على سؤاله.
فقول “لا” لم يكن ممكنًا، لأن تصرفات نورمان تجاهي لم تكن بالأمر القليل.
“لا أتمنى حدوث ذلك، لكن إن وقع شيء كهذا مرة أخرى، فأبلغيني فورًا.”
“ماذا؟”
“لأن قلبي لن يطمئن.”
رفعت بصري دون قصد، فتشابكت نظرتي مع عيني أربو البنفسجيتين فارتبكت فورًا وخفضت عيني بسرعة.
“… أشكرك على كلماتك على الأقل يا سمو الأمير.”
“هل ستحضرين حفل التوديع؟”
حين قاربت محادثتنا القصيرة على الانتهاء، غيّر أربو الموضوع وسألني. فأومأت برأسي.
“يسعدني أنك ستحضرين. آمل أن أراك يومها في حال أفضل.”
وأخيرًا انتهى الممر الطويل الذي بدا بلا نهاية بينما كنت بين ذراعيه، ووصلنا إلى باب غرفتي.
وضعني أربو على السرير ثم قال لصوفيا:
“استدعي الطبيب الخاص ليفحص حالة الأميرة.”
“نعم، سمو الأمير.”
وبقي أربو بجانبي حتى وصل الطبيب إلى غرفتي.
وعندما شرح الطبيب أن السبب هو سوء التغذية والإرهاق الشديد، ضيّق أربو ما بين حاجبيه الناعمين.
“سأحضر شيئًا يمكن لسموها تناوله قبل الدواء.”
وعندما همّ الطبيب بمغادرة الغرفة، خرجت صوفيا أيضًا وراءه وهي ما تزال تنظر إلي بقلق.
وبعد أن غادرت صوفيا، لم يبقَ في الغرفة الواسعة سواي وأربو.
وبينما كنت لا أجرؤ على النظر إليه وأكتفي بتحريك أصابعي بلا هدف، لامس صدغي قماش ناعم.
“تتعرقين كثيرًا.”
“شكرًا لك. س– سأفعل ذلك بنفسي.”
تفاجأت من قيام أربو بمسح العرق البارد الذي يسيل على وجهي بنفسه، فتلعثمت وأنا أبحث عن المنديل.
لكن أربو حرّك أصابعه التي تمسك بالمنديل، ومسح برفق زاوية عيني المتعبة بطرف إبهامه.
كانت لمسته حنونة إلى حد يكاد يكون مؤلمًا، حتى إن قلبي بدأ يخفق بخفة.
لم أدرِ إن كان ذلك النبض نابعًا من التوتر فحسب، أم من شعور آخر غير طاهر يستجيب لنظرته العميقة.
كانت عيناه البنفسجيتان تمسحان وجهي بإمعان حتى ارتجف طرف شفتي.
كانت عيناه الشبيهة بالجمشت خطيرة لدرجة أن مجرد النظر إليهما قد يسحر الجسد كله.
“… إنك تشبهينها حقًا.”
بعد أن ظل يحدق بي صامتًا طويلًا، تمتم أربو ذلك بهدوء.
ولأنني لم أسمع كلامه جيدًا، هممت أن أسأله، لكن في تلك اللحظة انزلقت يده التي كانت تمسح قرب عيني حتى لامست طرف أذني، ثم استقرت على خدي الذي احمرّ.
“سمو الأمير؟”
“آه…”
ارتبكت حين اقتربت يده إلى هذا الحد من خدي، فناديته بصوت مرتبك. عندها فقط بدا أن أربو قد عاد إلى رشده، فتنهّد بخفة وسحب يده.
“سأغادر الآن. أتطلع إلى لقائنا مجددًا في يوم حفل التوديع.”
حتى قبل أن يدير ظهره، بقيت نظرات أربو الملحّة تلاحق عيني.
كانت نظرة تشبه شوقًا لشيءٍ ما، وفي الوقت نفسه نظرة مفترس وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه.
ولسبب ما، ظللت أكرر في ذهني كلماته التي توحي بعزمه على لقائي في حفل التوديع مهما حدث.
بعد أن غادر أربو، دخلت صوفيا وهي تحمل بعض الطعام الخفيف مع الدواء.
وبناءً على نصيحتها بأن عليّ أن أملأ معدتي قليلًا قبل تناول الدواء كي لا تؤلمني معدتي، اضطررت على مضض إلى مضغ الطعام الذي لم يكن لدي شهية له.
وعندما تناولت الدواء أمامها، ابتسمت صوفيا أخيرًا وكأنها اطمأنت.
وبعد أن غادرت الغرفة بوقت قصير، دخل أبي إلى غرفة نومي.
“لقد ظهر منظر غير لائق أمام سمو الأمير. هل كان لا بد لكِ من إثارة هذه الضجة في يوم كهذا؟”
“… أعتذر يا أبي.”
مع أنني كنت الضحية الواضحة، لم يوجّه أبي إليّ كلمة عزاء واحدة. وبعد اعتذاري الذي خرج بصعوبة، تنهد أبي قليلًا بوجه معقد.
“استريحي ولا تجهدي نفسك حتى حفل التوديع.”
اقترب مني بوجه جامد، ثم مد يده وبدأ يشفي جسدي المتعب بقوته المقدسة.
وما إن لامستني قوة إيديس المقدسة حتى تلاشى الإرهاق في جسدي وبدأ الدم يعود إلى وجهي.
ورغم أنه وبّخني بقسوة، كانت تلك أول مرة في حياتي أتلقى فيها عناية من أبي.
كان شعورًا غريبًا حقًا.
وبينما كنت أستريح على السرير، سُمِع طرق على الباب وصوت صوفيا من الخارج. فأذنت لها بالدخول فورًا.
“سمو الأميرة، هل أصبحتِ بخير؟”
كانت عينا صوفيا وهي تحمل صينية الشاي لا تزالان مبللتين بالدموع.
“إنه شاي البابونج يساعد على تهدئة الجسد والعقل. يبدو لون وجهك سيئًا جدًا يا سمو الأميرة.”
“… شكرًا لكِ.”
وضعت صوفيا الكوب الذي يتصاعد منه البخار الدافئ وهي تنظر إلي بقلق.
على الرغم من أنها كانت قد تعرضت قبل قليل لتوبيخ قاسٍ من أبي، مما لا بد أنه أحبطها، فإن صوفيا كانت ما تزال تفكر في قلقي أنا أولًا.
“هل أنتِ بخير صوفيا؟ لقد وبّخكِ أبي بسببي دون داعٍ.”
“أنا بخير. لا تقلقي عليّ يا سمو الأميرة. لقد أحضرت الدواء، سأضعه لكِ.”
كانت صوفيا كما في الماضي وكما الآن، تثير في قلبي شعورًا عميقًا بالشفقة والمودة.
وعلى الرغم من صغر سنها، فإن قلبها الذي يحرص عليّ كان عميقًا كالبحر.
بعد أن توليت منصب القديسة، قام نورمان بطرد صوفيا فورًا.
حاولت أن آخذها معي إلى المعبد، لكن الوقت كان قد فات بالفعل، إذ كانت قد اغتيلت على يد قاتل أرسله نورمان.
‘لقد عانت كثيرًا لأنها خدمت سيدًا مثلي، وانتهى بها الأمر إلى الموت.’
وقعت عيناي على وجه صوفيا النحيل.
بدا أنها عانت كثيرًا نفسيًا منذ أن وُضعت تحت الحبس.
وكان هناك شيء يلفت نظري كلما تحركت صوفيا.
إنها الكدمات التي خلفها تعذيب نورمان.
“أعطيني يدكِ قليلًا يا صوفيا.”
وضعت المرهم بحذر على معصمها المكدوم.
حاولت صوفيا أن تمنعني قائلة إنها بخير، وأرادت أن تضع الدواء لي بدلًا من ذلك، لكن إصراري الشديد جعلها في النهاية تستسلم.
“أنا آسفة. لقد كنت مهملة ولم أستطع أن أعتني بكِ كما ينبغي.”
“لا، لا يا سمو الأميرة! لا تقولي ذلك. بل أنا من ينبغي أن يعتذر…”
وعند سماع اعتذاري، انفجرت صوفيا بالبكاء أخيرًا.
كان صوتها المبتل بالدموع يؤلم قلبي. فسلمتها منديلًا وهي عاجزة عن التوقف عن البكاء.
“لن يحدث مثل هذا الأمر أبدًا بعد الآن.”
تمتمت بذلك وكأنني أعاهد نفسي وأنا أربّت برفق على رأس صوفيا.
كان عليّ أن أحمي من هم لي.
فهي الوحيدة التي وقفت إلى جانبي في هذا القصر الذي يشبه الجحيم الحي. وهذه المرة، مهما حدث، سأحمي صوفيا بالتأكيد.
***
بعد ثلاثة أيام من تلك الضجة، أشرق صباح يوم حفل التوديع.
نزلت مع الوصيفات إلى المكان الذي كانت تنتظر فيه العربة.
كان نورمان قد وصل قبلي.
“أن تُدعَي إلى حفل التوديع وأنتِ بهذه المكانة… يا له من حظ لم تحلمي به طوال حياتك.”
قال نورمان ذلك بنبرة ساخرة.
“هل نسيت بالفعل كلام أبي حين أمرك بضبط نفسك؟”
“وبسبب من حدث ذلك أصلًا؟!”
عند ردي اللاذع، أظهر نورمان غضبه فجأة.
كان واضحًا أنه ما زال يشعر بالمرارة بسبب سحب منصب وريث العائلة منه بعد حادثة التعذيب.
“ألم يكن ما حدث من صنعك أنت؟ السخرية… والتعذيب أيضًا.”
“وقاحتك هذه…”
في العادة، كان سيرفع يده لضربي فورًا. لكنه اكتفى هذه المرة بنظرات تمزقني بحدة دون أن يتخذ أي فعل جسدي.
فهو يعلم أنه إن أثار مشكلة أخرى بينما منصب وريث العائلة قد سُحب منه، فلن يستطيع تحمّل عواقب غضب أبي.
“اعتبري أنني تجاوزت الأمر بسعة صدر مني.”
قال نورمان ذلك هراءً وهو يصعد إلى العربة أولًا. وعندما ركبت أنا أيضًا، بدأت العربة بالتحرك.
وبعد نحو عشر دقائق، بدأ عبير ورودٍ فاتنة يتدفق عبر العربة التي كانت تعبر الشوارع.
لقد وصلنا إلى القصر الإمبراطوري.
كان أمام قاعة الاحتفالات في القصر الإمبراطوري فارسان مدججان بالسلاح يحرسون المدخل.
وعندما رأيا نورمان، حيّياه باحترام وفتحا له باب القاعة.
ثم جاء دوري للدخول.
لكن في تلك اللحظة، تقاطع رمحا الحارسين فجأة على شكل X مانعين دخولي.
“ما معنى هذا؟”
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦
ادري ان مملل مره اجي كل نهاية فصل اشرح بس بجد لازم احكي، النص الكوري يقول القوة السحرية بينما الدوق كبير كهنة!!! انا بدي قفل على هذا الارتباك الي صاير وبخليها قوة مقدسة لان بجد الكاتبه مره تكتبها قوة مقدسة ومره تكتب سحرية
فكرت اخليها قوة سحرية مقدسة ولكنها طويله وهي اساسا نفس الشي.
ترجـمة بوني.
قناة تيليقرام لأسفتسارات وان شاء الله افتح قروب للملفات قريبًا:
التعليقات لهذا الفصل " 4"