3
꩜ الفصل 3 ꩜
وبهذا أصبح الهدف واضحًا.
استحضرت في ذاكرتي صور ساتي وميكاتو وهما يسخران مني ويهزآن بي في الماضي، فصررت أسناني بقوة.
‘يجب أن أخرج من هذه الغرفة الجحيمية أولًا.’
كانت الأقفال معلقة بكثرة على الباب.
كان واضحًا لأي شخص أنني محتجزة هنا.
‘بما أنني عدت إلى الحياة، فلن أعيش هذه المرة كحمقاء ثم أموت كما حدث من قبل.’
إذا كان الانتقام يتطلب ذلك، فسأُظهر قوتي وأتباهى بها دون تردد.
وعليّ أيضًا أن أقضي على القوى التي تهدد أربو وأمنحه مستقبلًا جديدًا.
في الماضي كنت أختبئ وأكبت نفسي لأحمي ذاتي، لكن الآن وقد أصبح لدي شخص جديد يجب أن أحميه… لم يعد هناك وقت للبقاء صامتة.
بدأت أطرق الباب بكل ما أوتيت من قوة وأنا أصرخ.
“ألا يوجد أحد في الخارج؟!”
بعد أن أحدثت جلبة كبيرة بطرقي للباب، لم يمر وقت طويل حتى سمعت وقع أقدام.
ثم فُتح الباب بعنف. فاضطررت إلى تضييق عيني من شدة الضوء الذي اندفع فجأة إلى الداخل.
“لماذا كل هذه الضوضاء فجأة؟“
سمعت صوت رجل مليء بالضجر.
كان ينظر إليّ كما لو كنت مخلوقًا أدنى من حشرة.
“هادي؟” [ اسمه هادي عنجد ]
كان هادي أحد أقرب أتباع نورمان.
كان بطبيعته شخصًا خبيثًا، وكان أكثر من استمتع بتعذيبي بعد أن أصبحت هدفًا لنورمان.
عندما رأيت هادي شعرت فجأة وكأن أحد خديّ قد اشتعل حرارة.
— كيف تجرؤين أيتها الوضيعة على التطفل أمام سمو السيد؟
في الماضي، كانت وجنتاي الرقيقتان تتورمان يومًا بعد يوم بسبب الضربات التي كان يوجهها إليّ.
وكانت أسباب ضربه لي تتغير كل مرة.
في يومٍ ما كان يضربني لأنني ظهرت في طريق نورمان، وفي يوم آخر كان يختلق الأعذار ليضربني دون سبب.
كان هادي يثبت ولاءه لنورمان من خلال العنف الذي يمارسه عليّ.
وكان نورمان وهادي يضحكان بسخرية كالشياطين وهما يشاهدانني أسقط عاجزة أمامهما.
ورغم أنني كنت الابنة النبيلة الوحيدة للدوقية في إمبراطورية كيادي، لم يكن هناك من يساعدني.
عجزت عن الكلام للحظة غارقة في ذكريات الماضي المؤلمة.
فضحك هادي ساخرًا ثم مرر يده في شعره وقال لي بنبرة توبيخية آمرة:
“يبدو أنكِ تثيرين هذه الفوضى لأنكِ علمتِ أن الساحر العظيم وسمو الأمير اللذين عادا بعد انتهاء الحرب سيزوران قصر الدوق الأكبر اليوم. لكن لا أمل لكِ في ذلك. ابقي هادئة حتى يرفع سمو السيد نورمان حكم الحبس.”
كما توقعت.
كان هذا بالفعل الوقت الذي عاد فيه أبي وأربو بعد انتهاء الحرب مع مملكة وينشو، حينها كنت في التاسعة عشرة.
‘هذه فرصتي الوحيدة للخروج من هذه الغرفة.’
نظر إليّ هادي باشمئزاز ونقر لسانه.
ثم استدار ليغادر الغرفة.
وفي تلك اللحظة أمسكت بذراعه فجأة.
“انقل كلامي إلى نورمان. قل له إن لم يطلق سراحي الآن فسأعض لساني وأنتحر هنا.”
“ماذا؟“
تفاجأ هادي من نبرتي الحادة غير المعتادة وسألني مرة أخرى.
فنظرت في عينيه مباشرة وكررت كلامي.
“قلت إنني سأعض لساني وأنتحر.”
“هل أكلتِ شيئًا غريبًا؟ ما الذي أصابك فجأة؟“
كانت عيناي الزرقاوان تلمعان بحدة وكأنهما ستشقانه إربًا.
ارتعش هادي للحظة أمام نظرتي الباردة، ثم سرعان ما أطلق ضحكة ساخرة.
“إذن قررتِ تغيير أسلوبك؟ لكن ذلك لن يفيدك. لو كان لديكِ الشجاعة لتقتلي نفسك لفعلتِ ذلك منذ زمن. تهديداتك السخيفة هذه…”
“أتظن أنني لن أفعل؟“
قاطعته بحدة، ثم أخرجت لساني قليلًا وتظاهرت بأنني سأعضه.
فهرع هادي نحوي بسرعة وسدّ فمي بيده.
“أيتها المجنونة!”
عندها فقط أدرك أن كلامي عن الانتحار لم يكن مزاحًا.
أشار إليّ بإصبع مرتجف وهو يقول بارتباك:
“اللعنة! ابقي هادئة حتى أعود!”
ثم اندفع مسرعًا نحو الدرج.
بعد قليل بدأت أسمع وقع أقدام كثيرة.
يبدو أن هادي لم يعد وحده.
“لقد جننتِ أخيرًا.”
كان نورمان إيديس.
أخي غير الشقيق ووريث عائلة الدوق الأكبر إيديس.
وكان أيضًا أحد الأشخاص الذين وقفوا إلى جانب ميكاتو بعد خيانته لي، بل وكان من أشد المطالبين بإعدامي.
لكن رغم كونه الابن الأكبر لعائلة إيديس، فقد طُرد من العائلة في النهاية لأنه لم يتمكن من إظهار أي قوة سحرية.
“يبدو أنك خفت عندما سمعت أنني سأنتـحر.”
“حتى لو متِّ فلن يتغير شيء. من أين جئتِ بهذه التهديدات السخيفة؟!”
“حقًا؟ إذن دعني أموت الآن. تحمّل العواقب بنفسك.”
كادت أسناني تنغلق على لساني دون تردد…
لكن صوت نورمان المذعور ارتفع فجأة.
“انتظري!”
مدّ يده ليوقفني.
وفي اللحظة نفسها اندفع عدة خدم نحوي وأمسكوا بوجهي وجسدي ليمنعوني من الانتحار.
“أيتها القاسية! خذوا لاتشي فورًا إلى غرفتها! ولا تعطوها حتى جرعة ماء!”
بأمر من نورمان رفعني الخدم بالقوة.
وكانت أيديهم وهم يجرونني نحو غرفة النوم قاسية بلا رحمة.
اصطدمت هنا وهناك بينما حاولت أن أثبت قدمي حتى لا يسقط جسدي الهزيل كأنه ورقة.
“ما هذه الضوضاء؟“
بمجرد صدور ذلك الصوت المنخفض المخيف، توقف جميع خدم قصر الدوق الأكبر الذين كانوا يجرونني، وانحنوا رؤوسهم فورًا.
الساحر العظيم… سماء الإمبراطورية.
والدي.
إلى جانب والدي، الذي كان يرتدي ملابس بيضاء ناصعة، وقف شخص جعل قلبي ينقبض بمجرد رؤيته.
“أربو…”
كان شعره الأسود الناعم يلمع كحجر السج تحت أشعة الشمس التي تسللت إلى الممر.
أما عيناه البنفسجيتان الجميلتان كحجر الجمشت، فكانتا تحملان حذرًا جعل هالته الحادة تبدو أعمق.
وكانت بشرته بيضاء على غير عادة الفرسان، وملامحه الوسيمة بدت وكأن الإله صاغها بعناية، رغم صغر سنه.
“…من أنتِ؟“
عندما التقت عيناه بعينيّ، فتحهما بدهشة.
بدا وكأنه فقد القدرة على الكلام.
وأنا أيضًا لم أستطع الكلام.
لم أتخيل قط أنني سأقف أمام أربو هكذا.
عندما رأيت ذلك الشخص الذي واجه نهاية مأساوية من قبل يقف الآن حيًا معافى… شعرت وكأن الدموع ستفيض من عيني.
اقترب أربو مني بخطوات سريعة.
وقبل أن أتمكن حتى من استيعاب وسامته عن قرب… انهرت فجأة.
“آه!”
عاد الألم الحاد كالسكين يخترق صدري، فلم أستطع التنفس جيدًا.
وبينما كنت أمسك صدري وأتحمل الألم…
أمسكت يد أربو الكبيرة بيدي.
“هل أنتِ بخير؟“
كانت يده دافئة بعيدة تمامًا عن برودة الموت التي كنت أعرفها.
وشعرت بعينيه البنفسجيتين اللامعتين تتفحصانني بدقة.
لكن سرعان ما غمرني الشعور بالذنب عندما نظرت إلى عينيه.
لم أستطع أن أمسك بيده، فحاولت أن أسحبها.
لكن جسدي الضعيف لم يطعني.
وبينما كنت أتخبط بعجز، أمسك أربو معصمي بلطف ليساعدني على النهوض.
وفي تلك اللحظة صرخت:
“آه!”
فقد انطلق ألم حاد من معصمي.
“أيمكنني… أن أرفع كمك قليلًا؟“
“……”
لم أجب.
فاكتفى أربو بالصمت وبدأ يرفع الكم الذي كان يغطي معصمي بوجه جاد.
وتحت القماش ظهرت كدمات حديثة.
يبدو أنها نتجت قبل قليل عندما جرّني الخدم بعنف.
“يا إلهي… ما هذا…؟“
نظر والدي إليّ بصدمة وهو يرى حالتي البائسة.
“…هل كانت عائلة الدوق الأكبر تعامل ابنة العائلة بهذه الطريقة طوال هذا الوقت؟“
كانت كلماته حادة كالسيف.
فارتبك نورمان وهادي ولم يعرفا ماذا يقولان.
“الـ… الأمير نورمان هو…”
حاول أحد الخدم التبرير، ثم صُدم فجأة وأغلق فمه بيده بعدما أدرك أنه قال شيئًا لا ينبغي قوله.
“أ… أبي.”
ناداه نورمان بصوت مرتجف وهو يواجه هذا الموقف كله أمام والدي.
حوّل أبي وأربو أنظارهما نحو نورمان.
كانت نظراتهما تقول بوضوح: لِنَرَ ما عذرك.
“ذ–ذلك… لقد تصرفت لاتشي بوقاحة، لذلك… فرضتُ عليها الحبس التأديبي بقصد تأديبها فقط…”
“حتى لو كان الأمر كذلك، هل تظن أن ترك إنسان يصل إلى هذه الحال أمرٌ مقبول؟!”
لم يتقبل أبي عذر نورمان بسهولة.
وفوق ذلك، فقد حدث هذا المشهد المخزي أمام الأمير نفسه، الأمر الذي لا بد أنه ألحق جرحًا عميقًا بكبرياء أبي النبيل.
“أين الوصيفات المسؤولات عن رعاية لاتشي؟!”
تقدمت ببطء عدة وصيفات كنّ يقفن خلف الخدم عند صرخة أبي.
ومن بينهن برزت وصيفة شابة لفتت انتباهي بشكل خاص.
كانت صوفيا.
كانت صوفيا ذات خدّين منثورين بالنمش يعلوهما احمرار لطيف وكانت وصيفتي الخاصة حين كنت أقيم في قصر الدوق الأكبر.
أتذكرها لأنها كانت الوحيدة التي خدمتني بإخلاص، حين كان حتى الخدم يزدَرونني بسبب كوني ابنة غير شرعية.
“وأنتِ، ماذا كنتِ تفعلين بينما كانت سيدتكِ تصل إلى هذه الحالة دون أن تعتني بها جيدًا؟”
“أنا آسفة سيدي كبير الكهنة! إنّه خطئي لأنني لم أعتنِ بالأميرة كما ينبغي!”
انطرحت صوفيا أرضًا لتعتذر عن تقصيرها.
وبينما كانت تجمع يديها فوق جبهتها، انزلق كمُّ ثوبها قليلًا إلى الأعلى.
وفي تلك اللحظة، أنا وأربو صُدمنا مما رأيناه: كانت ذراعا صوفيا مغطاتين بالكدمات.
حتى أبي ارتجف جسده حين رأى الكدمات على ذراع الوصيفة.
كان يبدو وكأنه غارق بين الغضب والاشمئزاز من نفسه.
“ارفعوا أكمامكم جميعًا!”
أمر أبي الخدم وهو يصرّ على أسنانه.
كان الخدم مترددين وينظرون إلى نورمان طلبًا لإشارته، لكن تحت نظرة أبي المخيفة بدأوا يترددون ثم رفعوا أكمامهم.
وكان المشهد الذي ظهر للعيان بائسًا بحق.
‘نورمان… أيها الوغد، أكان يمارس العنف على وصيفاتي؟’
فقد كانت الكدمات موجودة فقط على أجساد وصيفاتي الخاصات، ومن بينهن صوفيا.
ومع موجة الغضب التي اجتاحتني كالإعصار، بدأت أسناني تصطك من شدته.
وفي تلك اللحظة، شعرت بلمسة لطيفة من شخصٍ ما تهبط فوق جسدي المرتجف كأوراق شجرة الحور.
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦
توضيح: شكله عالم الرواية هاذي مافي فرق بين السحر والقوة المقدسة، وان عائلة الدوق عادي الساحر يكون كاهن او قديس. منشان هيك الدوق هو كبير الكهنة وساحر عظيم.
ترجـمة بوني.
قناة تيليقرام لأسفتسارات وان شاء الله افتح قروب للملفات قريبًا:https://t.me/+9O7yOas3HhE4OTY0
التعليقات لهذا الفصل " 3"