2
⊹ الفصل 2 ⊹
***
“هاه!”
نهضت فجأة وهي تشعر بالإحساس الغريب لقطع عنقها.
كانت الأرض التي كانت مستلقية عليها مغطاة بطبقة كثيفة من الغبار.
أما النوافذ فكانت جميعها محجوبة بالستائر، فلا يدخل منها شعاع ضوء واحد.
وبينما أخذت تتفحص المكان حولها، لم تستطع إلا أن تشك في عينيها عندما بدأت ملامح الغرفة المألوفة تتضح تدريجيًا.
‘هذا المكان…’
كانت هذه هي الغرفة التي كانت تُحبس فيها كلما حكم عليها أخوها غير الشقيق نورمان بالعقاب تحت ذريعة تأديبها.
كان الهواء فيها باردًا قاسيًا، والغرفة مهجورة كأنها بيت خرب.
وكان المكان الوحيد في قصر الدوق الأكبر الذي يبدو باليًا ومخيفًا إلى هذا الحد.
كانت تقف أمامها مباشرة مرآة كبيرة بطول القامة، موضوعة وحدها وقد تراكم عليها الغبار.
عندما مسحت الغبار عنها اندفعت منها سحابة غبار جعلتها تسعل.
وبلا وعي رفعت يدها إلى عنقها.
‘مهلاً… عنقي؟‘
شعرت بشيء غريب.
كان رأسها وعنقها متصلين سليمين.
وعندما تحسست عنقها لم تجد أي أثر لجرح.
ومع ذلك، كان الإحساس المرعب للحظة سقوط النصل على عنقها في المقصلة ما يزال واضحًا في ذاكرتها.
عندها فقط أدارت نظرها إلى المرآة التي مسحت غبارها.
وبمجرد أن رأت انعكاسها فيها شعرت وكأن مطرقة ضربت رأسها.
“هذا… مظهري في الماضي…”
كان شعرها الفضي الطويل الخشن يصل إلى خصرها.
أما عيناها الزرقاوان اللتان كانتا تتلألآن كالبحر، فقد غمرهما الآن حزن عميق جعلهما تشبهان أعماق المحيط المُظلمة.
وكانت بشرتها البيضاء شاحبة إلى حدٍ كبير كأنها لم ترَ الضوء منذ زمن طويل.
لم يكن في وجهها أي أثر للحيوية، وكان جسدها نحيلًا كأنها لم تأكل منذ أيام.
كانت هيئتها بائسة إلى درجة يصعب معها تصديق أنها ابنة عائلة إيديس النبيلة.
لكنها كانت تعرف هذا المظهر جيدًا.
لم يكن هذا مظهرها وهي في الخامسة والعشرين، تلك التي كانت تتألق كقديسة تحكم فوق شعب الإمبراطورية…
بل كان هذا مظهرها في صغرها حين كانت تتعرض للإساءة والإهمال داخل قصر الدوق الأكبر.
وفجأة اندلع ألم شديد في صدرها.
“هاه!”
شعرت بطاقة سحرية هائلة تتدفق في جسدها.
كان جسدها الضعيف يئنّ وكأنه سيتحطم من شدة القوة التي تعصف بداخله.
‘لقد فقدت كل قوتي السحرية… فكيف يحدث هذا؟‘
جربت أن تجمع طاقة سحرية فوق كف يدها.
فتشكلت بسهولة بلورة سحرية صغيرة.
كانت تتلألأ بضوء أبيض نقي خالٍ من أي شائبة.
كانت تلك الطاقة النقية دليلًا على أنها ما تزال تحمل سحر عائلة إيديس.
فكمية السحر تُحدد منذ الولادة، ولا تتغير بعد أن تظهر.
لكن الطاقة السحرية في جسدها الآن…
كانت أكبر حتى مما كانت عليه عندما كانت قديسة.
لقد كانت كمية هائلة تكاد تكون ساحقة.
‘هل يمكن أنني… عدت بالزمن؟‘
لقد قرأت كلمة العودة بالزمن في بعض الكتب القديمة من قبل، لكنها لم تسمع قط عن حدوثها فعلًا، لا في السجلات ولا في الشائعات.
كانت دائمًا تعتقد أنها مجرد أسطورة سخيفة.
لكن الآن وقد حدث الأمر لها شخصيًا… لم تستطع حتى أن تستوعبه.
صفعت خديها عدة مرات من شدة عدم التصديق.
لكن الألم اللاذع الذي شعرت به أكد أكثر أن هذا الواقع حقيقي.
وبينما كانت ما تزال مرتبكة، أصبح الخارج صاخبًا بشكل غير معتاد.
نهضت مسرعة على أمل أن تجد أي دليل يفسر ما يحدث.
لكنها بسبب قيامها المفاجئ شعرت بدوار شديد، فسقطت ثم نهضت عدة مرات.
وبصعوبة وصلت إلى النافذة وسحبت الستائر الثقيلة.
فاندفع ضوء ساطع بقوة إلى غرفة العلية.
ومن نافذة العلية كان مدخل قصر الدوق الأكبر واضحًا تمامًا.
توقفت عربة تحمل شعار العائلة الإمبراطورية كياديفار عند بوابة القصر.
وكان الخدم المصطفون في صفوف ينحنون جميعًا للشخص الذي نزل من العربة.
ضيّقت عينيها محاولة رؤية ذلك الشخص.
وفي اللحظة التي أدركت فيها من هو، سرت قشعريرة في جسدها كله.
كان ذلك… أمرًا مستحيلًا.
“أربو…؟“
كان أربو الذي مات على يديها يقف هناك حيًا يتنفس… ووجهه يبدو أصغر سنًا بكثير مما كان عليه آنذاك.
كان يرتدي عباءة كحلية وزيًا أسود، لكن بنيته القوية لم تكن لتُخفى تحت الملابس.
كان أربو يبدو صلبًا وقويًا أكثر من أي شخص آخر.
وخلفه نزل من العربة والدها الذي كان الساحر العظيم السابق لإمبراطورية كيادي.
لكن والدها توفي عندما بلغت العشرين.
أي أنه لا ينبغي أن يكون حيًا الآن أمام عينيها.
“هـ… هل حقًا عدت إلى الماضي؟“
تمسكت بإطار النافذة وهي تترنح بينما أخذت ساقاها ترتجفان من شدة الصدمة.
لقد ارتكبت خطيئة يستحق صاحبها أن يُسحب إلى الجحيم ويُعاقَب بيد الإله نفسه.
فحتى وإن لم يكن ذلك بإرادتها… فقد قتلت أربو البريء.
فلماذا إذن مُنحت فرصة لحياة ثانية؟
وبينما كانت تنظر إلى الخارج وقد اجتاحها الخوف والرهبة، رفع أربو نظره فجأة نحو العلية التي تقف فيها.
التقت عيناها بعينيه في الهواء.
كانت عيناه البنفسجيتان اللتان تشبهان حجر الجمشت تحدقان فيها وكأنهما تخترقانها.
— لاتشــي…
عندما نظرت في عينيه تذكرت لحظة موته وهو ينظر إليها، فاجتاحها شعور بالغثيان من شدة الذنب.
كان ذلك اليوم هو أول مرة تطلب فيها هي لقاءه.
— هل… تقصدين أن أشرب الشاي معكِ أنا… وليس مع سمو ولي العهد؟
عند اقتراحها المفاجئ فتح أربو عينيه بدهشة كالأرنب وأدار رأسه سريعًا.
ولم تستطع رؤية تعبير وجهه لأنه أدار وجهه، لكنها تذكرت كيف احمرّت أذناه أكثر من المعتاد.
— هل طلبت شيئًا يسبب لك الإحراج؟
في ذلك الوقت، وبسبب السيطرة القسرية التي فرضها ميكاتو عليها عبر عهد الدم، لم تكن بكامل وعيها.
ومع ذلك طلبت من أربو ذلك اللقاء رغم معرفتها أنه طلب مستحيل.
وفي أعماقها كانت بقايا عقلها تتمنى أن يرفض أربو دعوتها.
فلو رفض… لكان عاش.
— لا، ليس الأمر كذلك… بل لأنني سعيد.
لكن أربو خلافًا لما كانت تتمناه، قبل طلبها باندفاع.
وكان في صوته حين قال إنه سعيد بدعوتها ارتجاف خفيف من الخجل.
هل سبق أن عبّر أربو لها عن مشاعره بهذه الصراحة من قبل؟
ظل صوته وهو يقول إنه سعيد يتردد في أذنيها كالصدى.
فسحبت الستائر بسرعة وكأنها تهرب من نظرته.
وفي الأسفل كانت أصوات الخدم ترحب بأربو ووالدها.
وضعت أذنها على الباب تستمع، فسمعتهم يهنئونهم بعودتهم سالمين من الحرب.
‘الحرب؟ هل يقصدون الحرب مع مملكة وينشو؟‘
في زمنها، الحرب الوحيدة التي شارك فيها والدها كانت الحرب ضد مملكة وينشو.
وكان سبب الحرب رفض إمبراطورية كيادي إرسال سحرة كمرتزقة إلى الدول الأخرى حفاظًا على مواهبها السحرية.
شارك والدها وأربو في تلك الحرب وعادا بعد تحقيق نصر ساحق.
وخاصة أربو، فقد كان دوره حاسمًا للغاية.
لقد اجتاح ساحة المعركة بحركات أشبه بالحاكم، وعاد من الحرب بطلاً بعدما كان يُنظر إليه بازدراء بوصفه أميرًا غير شرعي.
‘إذن… هذا يعني أنني الآن في التاسعة عشرة.’
ففي عمر التاسعة عشرة كانت قد أمضت بالكاد سنة واحدة منذ دخولها قصر الدوق الأكبر.
ومنذ أن أُدخل اسمها في سجل عائلة الدوق الأكبر بأمر من والدها عندما بلغت الثامنة عشرة…
لم تكن حياتها سهلة أبدًا.
بل إن حياتها في الريف مع والدتها كانت أفضل بكثير من حياتها داخل القصر التي لم تكن سوى ظلام دامس.
وإذا كانت قد عادت حقًا إلى الماضي مع احتفاظها بذكرياتها…
فليس لديها وقت لتجلس عاجزة هكذا.
عليها أن تفهم وضعها الحالي فورًا، وأن تضع خطة لمستقبلها.
وأول من خطر ببالها كان بالطبع ميكاتو باسيل كياديفار.
محبوبها السابق… والرجل الذي أرسلها إلى المقصلة.
تذكرت ابتسامته الدنيئة التي رأتها قبل دقائق فقط، فقبضت على يدها بقوة.
‘لقد سيطر عليّ بعهد الدم وجعلني أقتل أربو… ذلك الوغد.’
كان ميكاتو يحمل عقدة نقص عميقة تجاه أخيه غير الشقيق أربو.
فقد عاش حياته كلها وهو يرتجف من شعوره بالدونية أمامه، ولذلك اتخذ قرار قتل أربو بسهولة مروعة.
وعندما سيطر عليها ليجعلها تقتله…
كان يبتسم.
بل كان يبتسم وكأنه في قمة السعادة.
وعندما تذكرت تلك الابتسامة المرعبة، تذكرت أيضًا المرأة التي كانت على علاقة معه.
ساتي ميرتشيون.
كانت ساتي ميرتشيون الأميرة الثانية لمملكة وينشو المجاورة لإمبراطورية كيادي.
كانت ساتي بارعة في خداع الجميع بوجهها البريء، لكن قلبها كان ممتلئًا برغبة جامحة في السلطة والطموح.
فبصفتها الأميرة الثانية لمملكة وينشو، كانت هناك حدود لما يمكنها الحصول عليه من نفوذ داخل المملكة بسبب مكانتها كـ“الأميرة الثانية“.
كان مستقبل ساتي محددًا سلفًا تقريبًا.
أن تُباع بالزواج إلى إحدى العائلات النبيلة العريقة لتساهم في ترسيخ سلطة مملكة وينشو.
ذلك كان مستقبلها المقرر.
لكن ساتي لم تكن ترغب في ذلك الدور.
كانت تريد أن تصل بنفسها إلى أعلى منصب يمكن لامرأة أن تبلغه.
وهو منصب إمبراطورة إمبراطورية كيادي.
ولأجل الحصول على ذلك المنصب، استخدمت ساتي نفسها أداةً في معاهدة السلام.
فخطوبة أربو وساتي كانت جزءًا من خطة لتعزيز التحالف بين إمبراطورية كيادي ومملكة وينشو عبر الزواج.
لكن أربو كان في النهاية أميرًا أدنى مرتبة من ميكاتو، ولذلك لم يكن بوسعه أن يصبح إمبراطورًا.
ولهذا بدأت ساتي بإغواء ميكاتو الذي كان حبـيب لاتشي.
وكانت الوسيلة الوحيدة التي تمكنت بها من كسب رضاه هي السحر الأسود المحظور قانونًا.
فقد استخدمت السحر الأسود لتُظهر قدرًا ضئيلًا من القوة السحرية، وبهذه الطريقة استطاعت كسب اهتمام ميكاتو.
أما آخر شخص خطر في بالها فكان أربو روباس كياديفار، الذي جاء الآن إلى قصر الدوق الأكبر.
عندما تذكرت عيني أربو البنفسجيتين اللتين التقت بهما قبل قليل، شعرت وكأن قلبها الذي كان ميتًا قد عاد ينبض بقوة.
كان ذلك شعورًا بالذنب والقلق ينبع من داخلها.
كان أربو مثلها تمامًا ابنًا غير شرعي.
فقد وُلد من محظية لا من الإمبراطورة، ولذلك ظل لقب “الإبن الغير شرعي” يلاحقه رغم مكانته كأمير.
ورغم أنه نشأ أميرًا غير شرعي يُعامل بازدراء، فإن أربو أصبح في التاسعة عشرة من عمره بطل حرب، بل ونال لقب أول سيد سيف في تاريخ الإمبراطورية ليبرز كشخصية فائقة الكفاءة.
وكان ذلك أحد الأسباب التي جلبت له الموت.
فالعقدة العميقة التي كان ميكاتو يحملها تجاه أربو دفعته في النهاية إلى التخلص منه.
‘ربما… السبب الذي جعل الإله يمنحني حياة ثانية هو التكفير عن خطيئتي تجاه أربو.’
وكان هذا التفسير هو الأكثر منطقية.
فحتى إن لم يكن ذلك بإرادتها، فقد قتلت إنسانًا بريئًا وهي تحمل لقب القديسة.
وكان ذلك أشبه بتدنيس اسم الإله نفسه.
فإذا كان الإله قد أعادها إلى الحياة كي تتوب بصدق عن خطيئتها…
فمع تبلور هدف حياتها الثانية تدريجيًا، بدأت الحيوية تعود إلى عينيها اللتين كانتا خاليتين من الحياة.
‘التكفير تجاه أربو… والانتقام منهم.’
هذا هو ما يجب أن أفعله في هذه الحياة.
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦
ترجـمة بوني.
قناة تيليقرام لأسفتسارات وان شاء الله افتح قروب للملفات قريبًا: https://t.me/+9O7yOas3HhE4OTY0
التعليقات لهذا الفصل " 2"