1
⊹ الفصل 1 ⊹
تدفقت أشعة الشمس القوية عبر قضبان الحديد.
كان حلقها متشققًا من الجفاف، وجسدها الهزيل غريبًا عليها، إذ لم يُقدَّم لها حتى جرعة ماء تُذكر.
صمدت أسبوعًا كاملًا داخل هذا السجن القذر حيث كانت الجرذان والحشرات تتجول على الأرض الحجرية الرطبة من شدة انعدام النظافة.
كان هذا المكان القاسي الذي لم تختبر مثله قط منذ إن أصبحت القديـسة، لا يزال يبدو غريبًا عليها إلى حدٍ كبير.
كان الخارج صاخبًا.
فسحبت ساقيها اللتين بالكاد تحملانها واقتربت من النافذة وهي تجرّهما جرًّا.
كان الناس يسيرون بأحذية مختلفة، لكن وجهتهم بدت واحدة؛ إذ كانوا جميعًا يتحركون في اتجاه محدد.
حتى الأحاديث التي تنتقل من فمٍ إلى آخر كانت متشابهة في معظمها.
“اليوم هو يوم الإعدام العلني للساحرة لاتشي إيديس التي ترتدي قناع القديسة! احرصوا جميعًا على إحضار مناديلكم! يُقال إن المعجزة ستحدث إذا تلطخ المنديل بدم لاتشي إيديس!”
دوّت أصوات التجار الذين يروجون لبضاعتهم في أرجاء السجن وهم يبيعون المناديل وكأنهم يتنافسون فيما بينهم.
وكان الناس يتوقفون عن السير ليشتروا منديلاً واحدًا تلو الآخر.
‘إذا تلطخ بدمائي ستحدث معجزة؟‘
أطلقت لاتشي ضحكة ساخرة من شدة السخرية.
في زمنٍ ما، كانت الشائعات تنتشر بأن الأمراض تُشفى بمجرد مُلامسة يدها، وأن البركات تُمنح لمن يقترب منها.
ولم يكن ذلك كذبًا.
فبفضل امتلاكها قوة مُقدسة هائلة وعظيمة، كان التخلص من مشكلات الناس أمرًا بالغ السهولة بالنسبة لها.
لكن الآن… يقولون إن المعجزة ستحدث إذا تلطخ المنديل بدمها وهي التي تُساق إلى المقصلة بعد اتهامها بأنها ساحرة؟
‘لم أرَ دمي منذ زمن طويل.’
فمنذ أن أصبحت القديـسة، نالت حماية الإله واكتسبت قُدرات مُقدسة جعلت أي شيء يعجز عن إراقة دمها.
حتى السموم لم تكن بالنسبة لها سوى ماء بلا أثر.
أما السحر الأسود، وهو الشيء الوحيد القادر على إيذائها، فقد كان محظورًا قانونيًا؛ ولذلك كانت شِبه خالدة.
لكنها الآن بعد أن فقدت تلك القُدرات المُقدسة، لم تعد سوى إنسانة عادية.
كان يمكن إعدامها بالخنق أو بالحرق، ومع ذلك أصرّوا على استخدام المقصلة القديمة.
وكان السبب واضحًا: إعلان أن من كانت يومًا من أتباع الإله قد أصبحت إنسانة عاجزة لا أكثر.
“انحنوا لتحية شمس الإمبراطورية، جلالة الإمبراطور!”
مع صوت الخادم، ظهر الإمبراطور مرتديًا زيه الرسمي المتلألئ. وخلفه كان الحرس يهبطون مصطفّين في صفوف وهم مدججون بالسلاح.
كان شعره الذهبي اللامع الذي يكاد يعمي الأبصار مرتبًا بعناية كاشفًا عن جبينه العريض.
وتحت ذلك الجبين امتد أنف مستقيم بدا كأنه منحوت بعناية.
أما طرفا شفتيه فكانا مرفوعين قليلًا على الدوام، مما يزيد من جاذبيته.
وبالرغم من أنه كان رجلًا وسيمًا يشعّ دفئًا في مظهره العام، فإن عينيه الرماديتين كانتا تحملان قسوة لا تستطيع قراءتها سوى هي.
إلى جانبه كانت ساتي تنظر إليها بوجهٍ يفيض بالشفقة.
كان شعرها البني وعيناها السوداوان يذكران بالأرض الدافئة، وكانت وجنتاها المتوردتان تبدوان لطيفتين كأنما سُكبت عليهما قطرة من طلاء وردي.
“هل جئتما لتسخرَا مني؟“
قالت لاتشي ذلك بحدة موجّهة كلامها إلى ميكاتو وساتي.
تجمدت تعابير الفرسان ببرود عند وقاحتها، لكن اكتفى ميكاتو بالنظر إليها بوجه هادئ.
“ليبتعد الجميع.”
ما إن اختفى الفرسان من أماكنهم حتى لم يبق في السجن شبه السفلي البارد سوى ثلاثة أشخاص: هي وميكاتو وساتي.
ورغم أن هذا اليوم هو اليوم الذي تموت فيه محبوبته السابقة بسبب خيانته، لم يظهر على ميكاتو أدنى اضطراب.
وكان ذلك ما جعلها تشعر بمزيد من البؤس.
فكأن موتها بالنسبة له مجرد أمر تافه لا يثير في قلبه أي مشاعر.
“سخرية؟ ما زلتِ متكبرة حتى يوم موتك يا لاتشي إيديس.”
“إنه آخر يوم لها يا ميكاتو. لا تكن قاسيًا هكذا.”
قال ميكاتو كلامه بصوت كئيب.
وبعد أن اختفت عيون المراقبين، تخلّى عن ابتسامته اللطيفة وصوته الهادئ اللذين كان يتصنعهما دائمًا، كاشفًا عن طبيعته المزدوجة.
لكن التي أوقفته كانت ساتي.
ومع ذلك… كانت تبتسم بسعادة.
لم يكن هذا التعبير الذي يُظهر أمام شخص سيموت اليوم.
عندها شعرت لاتشي بقشعريرة من جديد من الطبيعة الخبيثة لساتي.
“لو أنك وافقتِ ببساطة على المشاركة في خطتي، لما حدثت هذه المأساة. موتك هذا هو نتيجة ما جلبته لنفسك.”
“أتظن أن القديـسة العظيمة التي تحمي إمبراطورية كيادي ستشارك في تمرد نابع من طمعك التافه؟“
نظرت إلى ساتي بعينين حادتين.
كان من جسد ساتي ينبعث هالة سوداء مشؤومة؛ تلك اللعنة التي يحملها مستخدمو السحر الأسود.
كانت ساتي قد بدأت أولًا بإظهار قدرها الضئيل من السحر، ثم راحت تدريجيًا تمد يدها إلى السحر الأسود.
ثم، رغم أن علاقتها بخطيبها أربو كانت لأسباب سياسية، خانته وأمسكت بيد ميكاتو وانضمت إلى التمرد للاستيلاء على العرش.
“ألهذا الحد أردتِ منصب الإمبراطورة يا ساتي؟ حتى إنكِ استخدمتِ أباكِ قربانًا للسحر الأسود وقتلتِ الإمبراطور السابق وخطيبكِ الأمير؟ بعد كل تلك الجرائم المخيفة، هل تظنين أنك ستبقين سالمة؟“
“ولماذا لا أبقى سالمة؟ انظري. الشخص الذي يموت الآن هو أنتِ يا لاتشي، وليس أنا.”
شبكت ساتي ذراعها بذراع ميكاتو بوجه بريء.
وكانت هالة السحر الأسود الكئيبة تنتشر حتى إلى ميكاتو كما لو أنها تُعديه.
ومع ذلك، لم يلحظ ميكاتو الأمر، بل نظر إلى ساتي بحنان ومسح على وجهها.
“وعلى أي حال، الشخص الذي قتل أربو في النهاية لم تكُن أنا… بل أنتِ.”
“ذلك لأن ميكاتو تحكم بي مستخدمًا عهد الدم! وإيديس لا تستطيع عصيان أمر كياديفار!”
“وماذا في ذلك؟ لقد مات أربو على يديك. لا يمكنك إنكار هذا.”
رفض ميكاتو كلامها ببرود.
كان آخر من يحق له قول ذلك، فهو نفسه من تلاعب بها لتقتل أربو.
وعندما تذكرت أربو في ذلك اليوم، أخذت يداها ترتجفان.
كان أربو الذي لم يعرف شيئًا قد لبّى دعوتها في ذلك اليوم… ثم عُثر عليه جثة باردة على يد الحراس.
فقد شرب الشاي المسموم الذي قدمته له.
وبينما كانت أنفاسه تتلاشى، مدّ يده نحوها وهو ينادي اسمها.
— لاتشــي…
لم ينادها إيديس… بل لاتشي.
حتى وسط ذكرياتها الضبابية، ظلّ ذلك الجزء واضحًا في ذهنها.
وبعدها تمتم أربو بشيء آخر، لكنها لم تسمعه جيدًا.
يا ترى، ما الذي كان يريد قوله لها بتلك الجدية؟
— أربـو!
عندما تحررت من سيطرة عهد الدم واستعادت وعيها، كان أربو قد فارق الحياة بالفعل مغمض العينين كدمية من الشمع.
حاولت استخدام قوتها المُقدسة لإنقاذه.
لكن الإله حجب عنها حمايته بسبب القتل الذي ارتكبته، سواء أرادت ذلك أم لا. وكانت كل قدراتها المُقدسة قد اختفت بالفعل.
وعندما أدركت ذلك حاولت معالجته باستخدام السحر… لكن قوتها السحرية أيضًا كانت قد تلاشت كسراب.
— آه! سمو الأمير أربو!
— ما الذي حدث هنا؟!
وفي تلك اللحظة فتح ميكاتو وساتي الباب كأنهما كانا ينتظران ذلك.
الطاولة المبعثرة، الكأس الزجاجي المكسور، وأربو الممدد على الأرض والدم يسيل من فمه.
كان المشهد كافيًا ليجعل أي شخص يعتقد أنها هي من قتل أربو.
صرخت ساتي ثم أغمي عليها بينما صاح ميكاتو بغضب:
— اعتقلوا لاتشي إيديس، قاتلة الأمير!
قبل أن تستوعب حتى صدمة قتل أربو دون وعي أو فقدانها لكل من قُدراتها المُقدسة والسحر…
اقتادها فرسان الحراسة إلى هذا السجن المظلم.
واليوم هو يوم إعدامها بتهمة لعن الإمبراطور السابق والأمير أربو بالسحر الأسود وقتلهما.
أمسكت بقضبان الحديد الفاصلة بينها وبين ميكاتو وساتي بكلتا يديها بقوة.
رغم صوت ارتطام الحديد، لم يتفاجأ الاثنان. بل إن ساتي ابتسمت بسخرية وكأنها تتحداها أن تفعل المزيد.
“أجبني يا ميكاتو! كيف بقيت على قيد الحياة بعدما قتلتُ إحدى سلالة كياديفار وخرقت عهد الدم؟ من يخالف العهد مصيره الموت فقط! فلماذا ما زلتُ أنـا حيّة؟!”
فبحسب عهد الدم، كان مقدرًا لها أن تموت في اللحظة نفسها التي قتلت فيها أربو.
لكن الذي حدث هو أنها فقدت سحرها فقط. وكأن العهد الذي عقدته بحياتها قد تجاوزها.
“وما الذي ستفعلين بهذه المعلومة وأنتِ على وشك الموت؟“
قال ميكاتو ذلك ساخرًا بخبث.
وضَحِكَت ساتي معه بخفة.
كان ميكاتو وساتي قد أدركا بالفعل الثغرة الموجودة في عهد الدم.
راح يتردد في ذهنها مرارًا ذلك الكلام الذي قاله ميكاتو لها في الماضي قبل اللحظة التي سيطر فيها عليها مباشرة.
— “أنتِ تستطيعين فعل ذلك. لا يمكن أن ينجح هذا إلا إن كان أنتِ.”
لكن ميكاتو وساتي لم يقدما أي إجابة حقيقية، بل اكتفيا بالسخرية منها وهي تحاول المقاومة يائسة.
غير أن الاثنين اللذين كانا يستهزئان بها سرعان ما توقفا عن الضحك.
رفع ميكاتو صوته الجهوري وأصدر أمرًا للحراس الذين كانوا ينتظرون في الخارج.
“اقتادوا المذنبة!”
بمجرد صدور أمر ميكاتو، قيّدها الحراس واقتادوها إلى ساحة الإعدام.
كانت المقصلة المقامة في وسط الساحة تبدو مهيبة ومخيفة.
وما إن ظهرت في الساحة حتى تعالت صيحات الناس من كل جانب.
“اقتلوها بسرعة، تلك الساحرة!”
“الساحرة التي خدعت الإمبراطورية وباعت قلبها للشيطان!”
وأخيرًا أُزيل القماش الذي كان يغطي وجهها، فبدت الساحة كلها أمام عينيها دفعة واحدة.
كان منظر الحشود الهائلة التي اجتمعت متمنية موتها مخيفًا.
بدا الأمر كما لو أن الجميع قد أصيبوا بجنون جماعي.
بل إن عشرات الآلاف من العيون التي كانت تحدق فيها بشراسة كانت أشد رعبًا من الموت نفسه.
لم تقاوم.
ركعت بهدوء ووضعت عنقها تحت النصل.
“المذنبة لاتشي إيديس، رغم أنها تحملت مسؤولية تحت إسم القديـسة بحماية شعب الإمبراطورية وصون الإمبراطور، فقد تخلت عن واجباتها ولعنت جلالة الإمبراطور السابق وسمو الأمير. وكذلك…”
بدأ المنفّذ يسرد جرائمها بندًا بندًا.
ولم يكن بينها ما هو صحيح.
لم تستطع إلا أن تنظر بفراغ وهي تستمع إلى سيل الاتهامات والشتائم التي يصبها الحشد عليها.
ثم رفعت نظرها نحو أعلى مكان في الساحة حيث كان ميكاتو وساتي ينظران إليها من هناك.
كانا يبتسمان ابتسامة هادئة وكأنهما يتطلعان إلى موتها.
التقت عيناها بعيني ميكاتو.
كان يحرك شفتيه وكأنه يقول شيئًا لها.
“وداعًا، يا عزيزتي.”
وما إن فهمت حركة شفتيه حتى كشفت ساتي عن أسنانها بابتسامة مشرقة.
وفي اللحظة التالية—
انشق الهواء بصوت النصل الهابط من المقصلة، وهو يسقط مباشرة فوق عنقها.
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦
توضيح : اسم الامبراطورية “كيادي“
بينما اسم العائلة الامبراطورية “كيادي–فار” وفي عهد الدم انو مايصير خيانه من عائلة إيديس ويطيعو اوامرهم.
ترجـمة بوني.
قناة تيليقرام لأسفتسارات وان شاء الله افتح قروب للملفات قريبًا: https://t.me/+9O7yOas3HhE4OTY0
التعليقات لهذا الفصل " 1"