جلس سا-أون يربّت على جسد سويا الصغير وهي تبكي في حضنه.
عادةً، يمرّ الصغار من الوحوش البشرية بآلام النمو وحدهم، فقط الأم الوحشية يمكنها البقاء إلى جانب طفلها خلال هذه الآلام الشديدة.
حتى لو كان الشخص إلى جانب الطفل هو أبيه الذي أعطاه الدم واللحم، غالبًا لن يتعرف الطفل عليه أثناء النمو، فكيف إذا كان الشخص، مثل سا-أون…، ليس له أي رابط دموي مع سويا.
ومع ذلك، لم يستطع سا-أون ترك سويا وحدها.
[أبي!]
في ذلك اليوم، حين اندفعت الطفلة لإنقاذي، انسكب سائل أسود من الحشرة السامة على وجنتها.
تسرب إلى جلدها، محرّقًا إياه، وهو يصدر صوت “بيشيشيك” أثناء حرقه للحم الطري.
[كرتي القطنيه…!]
اتسعت حدقة عينيها فجأة، وكأن العالم توقف للحظة.
لم يفهم سا-أون ما الذي حدث بالضبط.
فجأة، تحولت السماء الى اللون الاحمر ، ورفعت سويا جفنيها المغلقتين.
وفي اللحظة نفسها، تناثرت ريشات حمراء براقة حولها، تتلألأ في الهواء.
حدث كل ذلك في غضون طرفة عين.
انبثقت نار حمراء زاهية من كفّي الطفلة الصغيرة.
رفعت سويا يديها دون تركيز، ثم امتدت النار المتوهجة حولها كأنها ستبتلع العالم بأسره، لتغطي القرية كلها…
ثم تحولت إلى نور دافئ يغمر المكان بأكمله.
حين هدأت الألسنة المتلألئة على الأرض، شعر الناس بالذعر مذهولين، ثم اندهشوا أكثر.
[واو…! المرضى…!]
[لقد شُفي جميع المرضى!]
النار التي أطلقتها سويا نقّت كل النوى الروحية الملوثة للناس.
ولم يتوقف الأمر عند النوى فحسب، بل اختفت جميع الندوب والجروح القديمة من أجسادهم أيضًا.
حتى الطائر الصغير الذي سقط على الأرض وقف على قدميه مجددًا، واختفت كل الجروح التي أصيب بها سا-أون بسبب الحشرة السامة.
كان مشهدًا مذهلاً بحق.
وسط تعجب الناس وتصفيقهم، أدرك سا-أون ببطء حقيقة الأمر:
لقد أيقظت سويا “منقّي الجنوب”.
وقفت الطفلة منهكة بين ذراعيه، تتأوه من شدة الألم، جبينها حار كالجمر.
تفاجأ سا-أون في البداية، لكنه سرعان ما أدرك أن ما تعانيه هو مجرد آلام النمو، فأخذها معه إلى قصر النمر الأبيض، وظل إلى جانبها طوال مدة الألم.
في الحقيقة، وجوده بجانبها لم يكن ليساعدها مباشرة، فالوحيدة القادرة على تهدئة طفل مشوش بسبب آلام النمو كانت الأم الوحشية التي حملتها في رحمها لعشرة أشهر.
[أبي… أبي… لا تتركني. لا أريد أن أبقى وحدي… الجو بارد… وأنا خائفة…]
كيف يمكنه ترك طفلة تبكي بهذا الأسى؟
[لا تكره، سويا كانت مخطئه… …]
[في المرة القادمة… سأنجح… سأنجح حقًا…]
كان سا-أون يعرف لمن تقول هذه الكلمات:
إلى جيك أي-يون، الأب البيولوجي الذي تخلى عنها.
الحرارة المشتعلة في جسدها جعلتها مرتبكة، فتختلط عليها الأمور وتخلط بينه وبين ذلك الرجل.
لا شك أن جيك أي-يون هو الأب البيولوجي
الطفلة التي مرّت بالتحولات المتكررة خلال آلام النمو، امتلكت الآن الريش الأحمر البهي.
[كرتي الصغيرة…! أبي هنا… فلماذا تبكين هكذا؟]
رأى سا-أون قلب الطفلة الصغير يئن من الألم، وشعر بألمها العميق.
ربما بسبب الصدمات السابقة، كثيرًا ما كانت سويا تكبت مشاعرها، لا تشتكي ولا تبكي حتى عند المرض.
والآن، عندما تبكي بهذه الطريقة، لم يستطع سا-أون إلا أن يشعر بألمٍ في قلبه.
في لحظات الألم الشديد، تتحول سويا أحيانًا إلى طائر ناري، تحرق من حولها وتهاجمه بمخالبها ومنقارها.
لكن سا-أون لم يبتعد، بل احتضنها بقوة وهدأها.
[لا بأس، كرتي الصغيرة. كل شيء على ما يرام.]
[أنا بجانبك، كل شيء سيكون بخير.]
[طفلتي، كل شيء سيكون بخير.]
على الرغم من أنه الرياح تركت ندوب على جسده ، إلا أن سا-أون لم يكترث، فهذه الخدوش كانت بمثابة أثر فرح، علامة على مراقبته لنموها.
“أي والد يلوم ابنته حين تكبر بهذه الروعة؟”
رغم أن قلبي تمزق لعدم قدرتي على تخفيف ألم طفلتي، إلا أن هذ االجرح لم يؤذني أبداً.
“كرتي الصغيرة، شكرًا لأنك كبرتِ بهذه الروعة.”
وعندما انفجرت دموعها أخيرًا، احتواها بين ذراعيه مطمئنًا إياها.
بعد فترة، توقفت سويا عن البكاء، لكن كانت لا تزال تشهق بأنفها بخجل.
“آه، كرك، كرك…”
أحضر سا-أون منديلًا لأنفها، لكنها هزت رأسها بخجل.
لقد بلغت الثانية عشرة الآن، وبدت خجولة عند تنظيف أنفها أمام أبيها.
ضحك سا-أون بصوت عالٍ، بينما عبست سويا قليلًا قبل أن تسأل بفضول:
“وماذا عن القرية؟”
“بفضل كرتي الصغيرة، شُفيت جميع نوى أهل القرية، وكل شيء أصبح على ما يرام. وحتى الطائر الصغير بخير الآن.”
ابتسمت سويا، وظهر الفرح على وجهها.
“يا لها من طفلة رائعة… والدك فخور بك جدًا.”
مسح سا-أون رأسها مبتسمًا.
كانت سويا دائمًا تحلم بيوم النمو الأول، وكانت تعتزم بعده أن تقول لأبيها بفخر أنها لم تعد طفلته الصغيرة…
لكن بعد هذا الابتسامة الدافئة منه، شعرت أنها قد ترغب في البقاء طفلة إلى الأبد بجواره.
“…لحسن الحظ، حقًا.”
“سويا.”
ناداها سا-أون بصوت جاد قليلًا.
حين يناديها باسمها بدلاً من “كرتي الصغيرة”، كان يعني أن هناك أمرًا مهمًا سيأتي.
جلست سويا منتبهة، تنظر إلى أبيها.
“هل لديك شيء لتقوله لي، أبي؟”
“لقد وجدت صاحب الصوت الذي أعارك نار التطهير. وهذا ما حدث…”
شرحت سويا له كل شيء، كيف أن الذي أعارها نار التطهير كان طائر الجنوب المقدس، وكيف أيقظته في ليلة القمر الأحمر منذ زمن بعيد.
“آه… هكذا إذًا.”
أومأ سا-أون بهدوء.
“هل كنت تتوقع ذلك؟”
“إلى حد ما، منذ أن أيقظتِ النمر الأبيض في جبل هوريم.”
“إذن أنا صاحبة الوصية لإيقاظ الوحوش السماوية الأخرى؟”
قيل لها إنه في ليلة القمر الأحمر، ستوقظ الوحوش السماوية لتزيل الظلام وتعيد السلام.
في ذلك الوقت قبل ثلاث سنوات، لم تفهم سويا معنى “إيقاظ النمر الأبيض”، لكن بعد تعليمها كابنة قصر النمر الأبيض، فهمت أهميته شيئًا فشيئًا.
“أجل… كنت أشك في ذلك. أنت من ستوقظين الوحوش المتبقية وتقاتلين شر الشمال.”
“لماذا لم تخبرني؟”
“لأن معرفتك بذلك كانت ستجلب لك الخطر. لقد قلت لك، لا أحد أهم عندي أكثر من كرتي الصغيرة.”
كانت سويا طفلة صغيرة آنذاك، لم تكن قد أكملت نموها، نواها الروحية لم تكن مستقرة، وكانت تخاف من التحول الوحشي.
فهمت سبب كتمان أبيها للحقيقة.
لكنها قالت الآن:
“أبي، لقد قررت.”
عيناها الوردية المتوهجة أظهرت إرادة صلبة لا تلين.
“سأوقظ الوحوش المتبقية، وسأقاتل عشيرة هيونمو. لن أهرب.”
“سأطرد الوحوش المزعجة، وسأنهي الحرب.”
ضحك سا-أون، فهو يعلم أن كرته الصغيره ، سويا، ستقول هذا بالضبط.
حتى لا يتدخل، تركها تتعلم وتكتشف وحدها، على أمل أن تبقى طفلة أطول فترة ممكنة قبل أن تتحمل الوصية.
لكن سويا كبرت بسرعة، ولم يستطع سا-أون منعها بعد الآن.
فقال لها :
“حسنًا، كرتي الصغيرة. امضي في طريقك.”
وضع يده على كتفها مبتسمًا:
“سأكون هنا لأراقبك وأتأكد من أن الطريق واضح، لا أحد يعيقك، ولا أحد يضرّك، ولن تضلّي الطريق.”
“امضي واثقةً في الطريق الذي تعتقدين أنه صحيح.”
الإيمان بطفلتي ودعمها حتى تتمكن من السير بثقة في الطريق الذي ينتظرها.
التعليقات لهذا الفصل " 80"