تصلّبت عينا سا-أون حين وقعتا على وجه الطفلة الشاحب، كأنها على وشك الانهيار في أي لحظة.
«هيه، كرة القطن. هل أنتِ بخير؟»
عند سماع الصوت الموجّه إليها، استفاقت سويّا من شرودها ورفعت رأسها.
كان يقف أمامها الرجل الغريب الذي أنقذها قبل قليل من القاتل.
كان طويل القامة، شديد الوسامة، ويشعّ بهالة باردة ومهيبة بعض الشيء.
على النقيض تمامًا من والدها، الذي كان دائمًا يبتسم بدفء.
«آه…»
انفلتت شهقة خافتة من شفتي سويّا.
للحظة، ظنّت أن الظهر الذي حماها من القاتل كان ظهر والدها.
ففي ذاكرتها، لم يكن هناك من يبدو قويًا وثابتًا إلى ذلك الحد سواه.
لكنها كانت فكرة ساذجة.
فظهر والدها… لن يحميها بعد الآن.
تذكّرت سويّا صورة والدها وهو يدير لها ظهره متجهًا نحو الآنسة ري-ري.
ذلك الظهر الدافئ الصلب، الذي لطالما دافع عنها، لم يترك الآن سوى ذكرى باردة موحشة.
ابتلعت حزنها وتحدّثت بصوت خافت:
«أنا لستُ كرة قطن… أنا…»
توقفت.
منذ زمن بعيد، كانت ستعرّف عن نفسها بفخر: سويّا، الابنة الشرعية لعشيرة الطائر القرمزي.
لكنها لم تعد قادرة على ذلك.
«…أنا سويّا.»
«حتى اسمك يشبه كرة القطن.»
نظر سا-أون إلى جسدها الصغير وملامحها المستديرة، وضحك ضحكة خفيفة.
لكن لمحة الابتسامة اختفت سريعًا من وجهه.
هل كانت هذه الطفلة هدفًا لقتلة عشيرة الطائر القرمزي؟
ضيّق سا-أون عينيه وهو يراقبها.
إرسال قتلة خلف طفلة بهذا الصغر…
وليس أي قتلة، بل الغربان ثلاثية الأرجل، نخبة محاربي عشيرة الطائر القرمزي.
كانت نية التخلّص منها، مهما كان الثمن، جبانة لكنها حازمة وواضحة.
فسألها بجدية أكبر:
«ماذا فعلتِ لتجعلي أولئك الجنوبيين ذوي رؤوس الدجاج يكرهونكِ إلى هذا الحد؟»
«دجاج…؟»
«نعم.»
أشار سا-أون إلى القاتل الساقط.
«إنهم الغربان ثلاثية الأرجل، أتباع عشيرة الطائر القرمزي.»
«آه…»
رغم ارتباكها من وصفه، فهمت سويّا ما يقصده.
الغربان ثلاثية الأرجل هم المحاربون النخبة المكلّفون بحماية السلالة المباشرة لعشيرة الطائر القرمزي، ولا يتحرّكون إلا بأمرٍ من أفراد تلك السلالة.
غطى وجه سويّا بالحزن، وامتلأت عيناها بدموع كبيرة.
«إذًا… كدتُ… أموت… بسبب أولئك… المنتمين لعشيرة الطائر القرمزي؟»
ارتجف صوتها، كأنها تطلب تأكيدًا لشيء كانت تعرفه مسبقًا.
«لو لم أكن هنا… فعلى الأرجح نعم.»
كانت إجابته مباشرة، قاسيه.
وسقطت دمعة واحدة.
طِق.
ثم أخرى، حتى انهمرت الدموع على وجهها كالمطر.
طِق، طِق، طِق طِق طِق.
تردّد سا-أون وهو ينظر إلى الطفلة الباكية.
الموت شيء يخشاه حتى أعتى الحكماء، ومن الطبيعي أن تبكي طفلة بعد ما مرّت به.
لكن ما أزعجه حقًا…
أنها لم تبكِ عندما كان الموت على بعد خطوة منها.
بل بكت فقط حين علمت أن من حاول قتلها ينتمي إلى عشيرة الطائر القرمزي.
وبكت بصمت، دون صوت، تاركة الدموع الكبيرة تسقط وحدها.
رغم أن دموع الآخرين لم تكن لتجعله يتردّد عادة، إلا أن هذا المشهد أثقل صدره.
«…هيك… شهيق…»
«……»
لم يكن سا-أون بارعًا في مواساة الآخرين.
حتى أبناؤه نادرًا ما بكوا وهم صغار.
باستثناء الجوع أو نوبات الغضب، لم يذرفوا الدموع.
ومع ذلك، مدّ يده بتردّد، وربّت بأصابعه الخشنة برفق على كتفها الصغير الهش.
لم يعلُ بكاؤها، لكن ارتجاف كتفيها ازداد.
بقي إلى جانبها حتى هدأت دموعها، ثم قال بصوت خشن لكنه لطيف على غير المتوقع:
«فات الأوان على كرة قطن مثلك أن تتجوّل وحدها. سأعيدكِ إلى عائلتك.»
مسحت سويّا عينيها بظهر يدها، وهزّت رأسها.
«لا بأس.»
«هربتِ من المنزل، إذًا؟ لا بد أن عائلتك قلقة…»
«ليس لديّ عائلة.»
كان صوتها هادئًا… لكنه حاسم.
«ليس لديّ عائلة.»
«……»
ساد الصمت.
راقب سا-أون الطفلة وهي تحاول كبح دموعها.
لا بد أن لها صلة بعشيرة الطائر القرمزي…
عاد صدى أمر الأمير الغامض يتردّد في ذهنه:
اذهب جنوبًا… واسرق أثمن ما تجده هناك.
أثمن شيء…
كان ينوي سرقة القوس الأسطوري المتوارث بين بطريركات عائلة جيوك.
لكن… ربما أعاد التفكير.
ربما كان مجرد نزوة—
ثَك!
شهقت سويّا حين ارتفعت قدماها فجأة عن الأرض.
حدّقت فيه بعينين واسعتين، ووجهها الشاحب وعيناها المحمرّتان جعلتاها تبدو كأرنب خائف.
«في هذه الحالة…»
ابتسم سا-أون ابتسامة عريضة وهو يلاقي نظرتها.
«سأسرقكِ أنتِ، يا كرة القطن.»
«م-ماذا…؟»
اختفت دموعها في الحال، وحلّ محلها الذهول.
يسرقني… أنا؟
كلمة «سرقة» لا تُستخدم إلا مع الأشياء الثمينة.
لكنها لم تكن ثمينة.
كانت شريره، عديمة القيمة.
«لماذا… أنا؟»
«لأنكِ، من بين كل ما رأيته في الجنوب، أكثر ما أعجبني.»
قالها ببساطة، وبنبرة لطيفة.
كان فضوليًا لمعرفة سبب استهداف عشيرة الطائر القرمزي لطفلة كهذه، وكانت بلا مأوى ولا وجهة.
وفوق كل ذلك… لم يستطع تجاهل قلقه عليها.
سرقتها بدت أكثر إثارة من سرقة قوسٍ مملّ.
«هل أنتِ متأكدة أنه لا أحد ينتظرك؟»
بدت نظراته الحادة وكأنها تخترق جسد سويا.
«…نعم.»
أومأت سويّا، وصوتها مشوب بالحزن.
كان لديها يومًا من اعتبرتهم عائلة، ومن أحبّتهم—
لكنهم حاولوا قتلها.
لم يعودوا عائلة.
كانت وحدها من تشبّث بهم، بينما الحقيقة أنها لم تعد فردًا منهم منذ زمن.
والآن… حان وقت التخلي.
«حقًا… ليس لديّ عائلة.»
قرأ سا-أون الصدق في كلماتها، وابتسم وسأل مرة أخرى
«إذًا… هل تسمحين لي أن أسرقكِ؟»
«……»
انقبض حلق سويّا بألم.
لطالما قالت لنفسها إنها بخير.
حتى عندما لم تعد ابنة أبيها…
حتى عندما لسعتها نظرات أخيها بالكراهية…
حتى عندما مزّقتها نظرات البيت القاسية…
حتى عندما رأت الآنسة ري-ري تغمرها المحبة بينما تقف هي في الظل…
كانت تقول إنها بخير.
لكن…
لا أريد أن أموت.
لم تستطع التظاهر بالقوة أمام الموت.
الموت… مخيف… وحزين جدًا.
رغم كونها خاطئة خدعت عائلتها وأذتهم، لم تكن تريد أن تموت.
نظرت سويّا إلى سا-أون.
كان طويلًا وقويًا، مثل والدها.
إن تبعته… سأغادر أرض الطائر القرمزي.
كان مخيفًا بعض الشيء، وكلماته خشنة، وتصرفه غريب.
لكن…
إن تبعته… قد أنجو.
أومأت سويّا بحزم.
«نعم. أرجوك… خذني معك.»
«أحسنتِ.»
مرّر سا-أون إصبعه برفق على عينيها المنتفختين المبللتين بالدموع، وابتسم.
«لقد اتخذتِ القرار الصائب، يا كرة القطن. أنا بايك سا-أون، سيد الأراضي الغربية.»
«نعم، سيدي سا-أون. اسمي سويّا. عمري تسع سنوات.»
أعادت تقديم نفسها بعد أن عرفت اسمه.
«حسنًا، يا كرة القطن.»
ويبدو أن اللقب لن يختفي.
«بما أنه اتفاق متبادل، فلا تتهميني لاحقًا.»
«أ-أتهمك؟»
«نعم. لا تذهبي لتقولي إنني سرقتك.»
أومأ بجدية مصطنعة.
«سيكون مزعجًا إن عرف الناس أنني تسللت إلى أرض الطائر القرمزي كَلِصّ وسرقت شيئًا.»
«ل-لن أتهمك! أبدًا!»
تعهدت سويّا بسرعة.
فلا أحد سيهتم باختفاء طفلة عديمة القيمة مثلها.
لكنها خافت أن يغيّر رأيه، فأضافت برجاء:
«بل… ربما سيفرحون… لو اختفيت…»
تعثّر صوتها، وشعرت فجأة بأن حلقها يُعصر.
«كرة القطن؟»
تصلّب وجه سا-أون حين سكتت فجأة، وبدت شاحبة.
ثَك.
تدلّى رأسها.
«كرة القطن، ما بكِ…؟»
مدّ يده دون وعي—ثم تجمّد.
«……!»
كان جسدها يحترق بحراره.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"