“إذن كنتُ حقًا ابنتهم… إن كنتُ فردًا من عائلتهم… فلماذا …………؟!”
كان ذلك اليوم هو يوم التحوّل الأول، اليوم الذي كان ينبغي أن يغمره الدعاء والبركات من الجميع.
لكن في ذلك اليوم تحديدًا، نُبذت سويا من قِبل أبيها، وانتُزع نواتها الروحية على يد أخيها الأكبر، ثم طُردت إلى القصر البارد.
ثلاث سنواتٍ كاملة…
ثلاث سنواتٍ قضتها وحيدة في ذلك القصر البارد الذي لا يصله ولا ذره من النور
كان هناك شيء أصعب من مضايقة الخادمات ….
ما الذي كان أشد ألماً من ألم فقدان نواة روحي….
كان الأمر الأصعب من البرد، و المرض، ولا و الجوع…
بل كان الأشد قسوةً هو ذلك الشعور الذي تسلّل إلى عظامها، ومزّقها من الداخل—
الوحدة.
الوحشة.
في ذلك المكان، كانت سويا تشتاق إلى أبيها الذي تخلّى عنها، وتنتظر أخاها الذي لم يأتِ أبدًا.
تشتاق… ثم تشتاق أكثر، حتى تحوّل ذلك الشوق إلى وحدةٍ قاتلة.
ثلاث سنواتٍ طويلة من الانتظار، تشبّثت فيها بهم وحدها.
لكن في النهاية، أدارت العائلة ظهورها لها.
وبكلمةٍ واحدة من ري ري—
«تخلّصوا منها»—
تُركت إلى الأبد.
“لماذا كان عليّ المرور بكل ذلك؟”
……
“إن كانوا عائلتي حقًا…! إن كانوا حقا عائلتي الحقيقية، فلماذا…………؟! لماذا فعلوا بي ذلك…………؟!”
كان هيون، أخوها، قد قال ذات مرة:
إن العائلة الحقيقية تحمي بعضها البعض، وتعتني ببعضها، مهما كان شكلهم أو حالهم.
لكنهم—
أولئك الذين يشاركونها الدم—
لم يفعلوا ذلك.
كرهوها حدّ الفظاعة، عاملوها ببرود، اضطهدوها… ثم تخلّوا عنها.
لم تكن تفكّر الآن في اعتبارهم عائلتها مجددًا.
لكنها كانت تشعر بالظلم.
تشعر بالحسرة.
تشعر بأن سنواتها الماضية—
التي لا يمكن استعادتها، ولا تعويضها—
كانت موجعة، ومؤلمة، وغير عادلة.
[القوة العظيمة تستلزم تضحية عظيمة.
فالسماء، أحيانًا، تكون عادلة إلى حدّ القسوة.]
فجأة، تذكّرت كلمات إيريم التي قالها لها قبل ثلاث سنوات.
إن كان تخلي عائلتها عنها هو ثمن إيقاظ الوحش المقدس…
ثمن امتلاك تلك القوة…
“هذا قاسٍ جدًا…”
انهمرت الدموع.
“هذا حزين… ومروّع جدًا…”
انسابت دموع حارّة على وجنتيها.
ورغم بكائها، لم تتوقف مشاهد الماضي عن التدفق أمام عينيها.
كانت السيدة قد تحسّن حالها قليلًا…
ثم ساءت مجددًا.
-حتى نار التطهير لم يكن بوسعها إنقاذ من كُتب عليه الموت، لكنها استطاعت إطالة عمرها لبعض الوقت.
صمدت السيدة عشرة أيام إضافية بعد الليلة التي قال فيها الطبيب إنها لن تنجو، ثم أغمضت عينيها الأخيرة بين ذراعي زوجها.
حتى اللحظة الأخيرة، كانت تمسح دموعها قلقًا على سويا الصغيرة.
“……”
أغمضت سويا عينيها ثم فتحتهما بألم.
تلاشى المشهد الذي أظهرته النيران، وتناثرت الريشات الحمراء من حولها برفق.
رفعت سويا يديها ببطء.
اشتعلت نار التطهير فوق كفّيها، ثم امتدّت كأنها ستحرق العالم بأسره.
أغمضت عينيها…
وسقطت أرضًا.
“سويااا……!”
كان ذلك الصوت المنادي باسمها آخر ما سمعته، قبل أن يخيّم الظلام على وعيها.
—
عانت سويا من آلام النمو.
كان رأسها يغلي، وجسدها يشعر وكأنه يطفو، كما لو أُصيبت بحمى شديدة.
ألم النمو الأول الذي جاءها على حين غرة كان قاسيًا بحق.
فقدت وعيها معظم الوقت، وحين كانت تستفيق أحيانًا، كان والدها بجانبها دائمًا.
“أباااا……”
نادته بصوتٍ مبحوح.
“أبي… لا تتركني… لا أريد أن أكون وحدي… الجو بارد… وأنا خائفة…”
كانت تبكي بلا توقف، متشبثة به.
“لا بأس، يا كرتي الصغيرة. أبي هنا.”
قال سا – يون، ووجهه مليء بالحزن، وهو يربّت عليها.
“أنا بجانبك. لا تبكي.”
وفي كل مرة يربّت على كتفها، كانت تكبت بكاءها للحظة…
ثم تعود لتنهار من جديد.
أبي… أبي… بابا…
أنا… أنا…
الجو بارد… ومخيف للغايه…
لا تكرهني…
أنا مخطئة…
في المرة القادمة…
سأنجح… سأنجح حقًا…
لذا…
“كرتي الصغيرة لم تخطئ في شيء.”
“والدك لا يكرهك.”
“لكن… لكن…”
“أنا أحبك أكثر من أي شيء في هذا العالم.”
احتواها ذلك الحضن القوي، الأكثر أمانًا في العالم.
“أبي يحب كرتَه الصغيرة أكثر من أي شيء.”
“هغ… هِق… هغ…”
كانت ترى الحزن في وجهه،
وكان ينبغي لها ألا تبكي—
لكن الدموع كانت تفيض رغمًا عنها.
“أبي… أبي… أبي…”
ورغم أنها لم تكن تدري ما الذي يؤلمها تحديدًا، تشبثت به وبكت كما يبكي الأطفال.
وبعد أن انتهى ألم النمو القصير والعنيف، فتحت سويا عينيها مجددًا.
كانت في غرفتها بقصر النمر الأبيض.
“أبي…!”
نهضت بفزع—
ثم توقفت.
رأت سا-اون راكعًا على الأرض، رأسه منكس تحت سريرها.
“آه…”
رمشت بعينيها، تستعيد وعيها ببطء.
“لماذا أنا هنا…؟”
ماذا حدث…؟
كنت أقاتل حشرة سامة…
ثم التقيت بالسيد الطائر القرمزي…
وحصلت على نار التطهير…
أتذكر أن الأمر كان مؤلمًا… وحارًا جدًا…
هل بقي أبي بجانبي طوال الوقت…؟
“كرتي؟”
رفع سا-اون رأسه حين شعر بحركتها.
“أبي… أنا لماذا…؟”
وبينما كانت تتمتم بارتباك، وقعت عيناها على ريشةٍ حمراء.
“……؟”
ابتسم سا-اون وهو يلتقط الريشة.
“جميلة، أليس كذلك؟ ريشكِ يلمع كاللهب.”
ثم مدّها إليها مبتسمًا.
“مبارك نموّك، يا كرتي الصغيرة.”
“……!”
اتسعت عينا سويا بدهشة.
“ما بكِ هادئة هكذا؟ ظننتكِ ستغضبين لأنكِ لم تعودي كرتي الصغيرة.”
قالها مازحًا.
“هل أعجبكِ النمو الأول إلى هذه الدرجة؟”
لكن سويا لم تستطع الإجابة.
لأنها رأت الجروح.
خدوش حادة كأنها من مخالب طائر صغير، وحروق حمراء متناثرة على جسد أبيها.
“أبي… هذه…”
أمسكت بمعصمه المرتجف.
“آه…”
حاول إخفاءه، لكنها رأت كل شيء.
“هل… أنا من فعل هذا؟”
“لا، ليس…”
“أنا، أليس كذلك؟ أنا من آذيتك؟”
تذكرت أن من يمرّ بألم النمو يصبح عدوانيًا.
لقد فقدت السيطرة…
وهاجمته.
“ليس كذلك.”
“بل هو كذلك…”
وفجأة—
احتواها بين ذراعيه.
“والدك لم يتألم.”
ربّت على ظهرها بلطف.
“أي والد يتألم حين يرى ابنته تنمو بهذه الروعة؟”
اختنق صوتها.
الرجل الذي أنجبها تخلّى عنها لعدم امتلاكها ريشة حمراء.
أما هذا الأب—
فيقول إن كل ما فيها جميل.
حتى إن تأخرت في النمو.
حتى إن لم تملك ريشة حمراء.
حتى إن آلمته.
“شكرًا لأنكِ كبرتِ بهذه الروعة.”
ابتسم لها شاكراً.
“واااه…!”
وبعد ألم النمو الذي كان أشدّ قسوةً لأنها تأخرت فيه عن غيرها—
انهارت سويا مجددًا باكية في حضن أبيها.
التعليقات لهذا الفصل " 79"