تحت سماء الليل الباردة، حيث كان القمر مختفياً خلف الغيوم،
بدأ تشيرب تشيرب يرفرف بجناحيه فجأة على العارضة، وهو نصف نائم.
خفق! خفق، خفق، خفق!
كان الطائر يرفرف بعنف حتى بدا كأنه يختنق، ثم…
كح! كحك، ككك!
تقيأ ما ابتلعه وكأن جسده لا يتحمل، ثم سقط على الفور.
تحوّل جسد تشيرب تشيرب إلى اللون الأسود، وبرز من منقاره شيء أسود وسمين فجأة.
“غرررر…”
بدأت حشرة السمّ تنتفخ ببطء، متحولة إلى كتلة ضخمة.
“غرررر… غرررر…”
كان أول من اندفع للخارج عند سماع الضوضاء هي سويا.
“تشيرب تشيرب!”
صرخت سويا وهي ترى تشيرب تشيرب ساقطاً أسود اللون، والحشرة تتضخّم أمامها.
“ككككك…”
على عكس مشهد النهار، بدأت الحشرة الضخمة تصدر زئيراً مخيفاً بجسدها المتورم.
ظهر الرعب على وجوه سا أون والناس الذين اندفعوا مسرعين لمشاهدة الموقف.
“يا إلهي، حشرة السم!”
“احذري، كتلة القطن!”
صرخ غايول من بين الحشد.
في تلك اللحظة، اندفعت الحشرة نحو سويا.
“غررر…”
بووم!
التقط سا أون سويا بسرعة بذراع واحدة، وتزامن ذلك مع انهيار الجدار خلفه.
تحوّل المكان إلى فوضى عارمة في لحظة.
“كتلة القطن، هل أنت بخير؟”
سأل سا أون، وهو يمسك بها بقوة وعيونه مركّزة على الحشرة.
“نعم، أبي، أنا بخير… لكن الحشرة…”
“لا ضوء، هذا السبب. لقد انتظرت الفرصة داخل بطن تشيرب تشيرب، وعندما اختفى الضوء، خرجت إلى الخارج.”
حشرات السم في أماكن مظلمة كانت تملك قوة رهيبة تفوق معظم الوحوش.
كل مرة كانت تسيل فيها لعابها، كان يتسبب بتآكل الأرضية بصوت فرقعة.
“ابتعدوا جميعاً!”
صرخة سا أون جعلت الجميع يلوذون بالفرار
التفتت الحشرة تبحث عن فريستها، ورأت غايول الذي لم يتمكن من الاختباء.
اندفعت الحشرة نحوه بسرعة تفوق الخيال، أسرع من برق خاطف.
لكن سا أون كان أسرع قليلاً.
بقفزة سريعة، أمسك سا أون بغايول بذراع واحدة، وأنقذ سويا وغايول ووضعهما في مكان آمن.
“ابقوا هنا بهدوء، أيها الصغار.”
سحب سا أون سيفه الطويل وتقدم نحو الحشرة.
“أبي، دمك…!”
لاحظت سويا الدم يتساقط من كم سا أون. لقد لمسته الحشرة أثناء إنقاذ الأطفال.
لكن سا أون بدون أي تغير في تعابيره، اندفع وقطع الحشرة بضربة واحدة.
شرش–
“فْررررر…”
انهارت الحشرة، متشنجة في آخر حركاتها، ثم تقلص جسدها المنهار.
في تلك اللحظة، شعر سا أون بشيء خلفه، فتجمدت ملامحه.
قبض على مقبض سيفه واستعد للالتفاف…
“أبييي!”
في اللحظة التي ركضت فيها سويا نحوه، انفجرت بقايا الحشرة فجأة.
السوائل السوداء تناثرث في كل مكان كأنها ستأكل العالم.
“كتلة القطن، انتِ!”
تجنبها سا أون بصعوبة وتشبث بسويا بقوة.
لكن عينيه لم تغفل عن السائل الأسود الذي وصَل إلى وجنتيها الصغيرتين.
لدغة حادة—
“أوو!”
أحسّت سويا باللسع المؤلم على جلدها بينما تحوّل سم الحشرة إلى اللون الأسود متجهاً نحو نوى روحها.
“كتلة القطن…!”
صوت سا أون المدوي، وفي اللحظة نفسها—
تصدع شيء حول نوى روح سويا، واتسعت حدقتاها.
“آه…!”
شعرت بأنها تلتقط أنفاسها تلقائياً، ثم اشتعلت كل الدنيا بالضوء الأبيض لفترة قصيرة.
صوت اللهب يتصدع— تاك تاك تاك—
كل شيء هادئ ما عدا صوت احتراق اللهب.
تذكرت سويا شعوراً مشابهاً سابقاً، كأن الزمان قد توقف وكانت هي الوحيدة الحية في عالم غريب…
-يا طفلتي.
ظهر أمامها طائر ناري ضخم ومهيب، متوهج باللهيب.
-أخيراً وجدتك، أيها الطائر الصغير.
صوت عميق، وديع، ووقور، كأنه يرن داخل عقلها مباشرة.
“أنت…؟”
ابتلعت سويا ريقها.
كانت قد رأت هذا الطائر في رسوم القصر منذ زمن بعيد، في أيام إقامتها في قصر الجو جاك.
طائر أسطوري، الفينيق العظيم.
“فينيق…؟”
همست سويا بصوت خافت، وابتسم الطائر بابتسامة هادئة.
-نعم، أنا منقّي الجنوب، طائر أسطوري، الفينيق. منذ زمن بعيد، أيقظتني أنتِ، يا طائر الجنوب الصغير.
“…!”
اتسعت عيناي سويا بدهشة.
‘الذي كان يناديني طوال الوقت… كان هو الفينيق!’
-لأنك أيقظتني، سأمنحك اللهيب المنقّي لكل شيء.
تصاعد اللهيب حول جسدها، ثم اختفى كالدخان، ليترك شعلة صغيرة على كفها.
في تلك اللحظة، أدركت سويا أنها أصبحت قادرة على التحكم باللهيب النقي في يدها كما تحكمت بسيف النمر الأبيض يوماً…
-النار، صغيرة ودقيقة، لكنها يمكن أن تكبر لتبتلع العالم كله.
صوت الفينيق نادى عليها:
-كوني حذرة دائماً، أيها الطائر الصغير، حتى لا تحترقي أنت أيضاً.
“….”
ظلت سويا صامتة، تحدق باللهيب في كفها.
-يا طفلتي؟
ميل الطائر الناري رأسه، وريشه الأحمر يتلألأ.
“أنا… أيقظت الفينيق؟”
رفعت سويا رأسها، غير مصدقة، تحدق بالفينيق.
“مستحيل… كيف لي أن أوقضك؟ لم أقابلك من قبل!”
ابتسم الفينيق بهدوء، وقال:
-ذلك اليوم، كان القمر أحمر كاللهيب.
ثم اشتعلت النيران حولها، تحيط بها دائرياً.
-سأريك اليوم الذي التقينا فيه أول مرة.
“آه…”
أغلقت سويا عينيها خشية اللهيب المتصاعد، وعند فتحها، كان القصر الفينيقي تحت ضوء القمر الأحمر الدموي ينتظرها.
مرت سويا بنظرة مذهولة حول المكان، ورأت رجلاً ذو شعر أحمر يمر مسرعاً أمامها.
فجأة، رفعت رأسها للتعرف عليه، وقالت:
“هذا الرجل…!”
كان يبدو أصغر قليلاً من ذاك الذي تتذكره، لكنه بلا شك هو ذاته.
جيك أ يون، سيد عائلة الفينيق، والرجل الذي كنت اعتبره “أبي”
‘لماذا هو هنا… هل هذه مجرد رؤية…؟’
وفي ذهنها، سمعت صوت الفينيق:
-هذه رؤية وواقع من الماضي. منذ 12 سنة، ليلة القمر الأحمر. يا طفلتي.
التعليقات لهذا الفصل " 77"