ذلك لأن سول-يو كان، على نحوٍ غير ملحوظ، مهووسًا بفكرة كونه «أقرب أصدقاء سو-يا».
وأول مرة أدرك فيها ذلك كانت حين التقى بـ«زقزوق» للمرة الأولى.
بعد رحيل تشونغ-ها عن قصر النمر الأبيض.
في الوقت الذي ذاب فيه الجليد المتماسك طوال الشتاء، وحلّ الربيع أخيرًا.
كان زقزوق فرخًا صغيرًا خرج من إحدى البيوض التي وضعتها أمّ أنثى السنونو التي اتخذت من قصر النمر الأبيض موطنًا لعشها للمرة الأولى.
عندما بنت طيور السنونو عشها، لم يبدِ سكان قصر النمر الأبيض—الذين لم يسبق لهم رؤية طيور—اهتمامًا بالغًا بالبيض المنتظر فحسب، بل حتى سو-يا، وهي نفسها من شعب الطيور، أولت الفراخ التي ستفقس قريبًا اهتمامًا كبيرًا.
وكان زقزوق آخر من فقس من بين البيوض.
ولسببٍ غريب، كان زقزوق—الذي كان أصغر حجمًا من باقي إخوته—يتعلّق بسو-يا أكثر من تعلقه بأمه.
أما سو-يا، فعلى الرغم من سعادتها الكبيرة بعائلة طيور السنونو التي تشاركها المنقار والأجنحة نفسها، إلا أن قلبها تعلّق أكثر بزقزوق الصغير، لأنه كان يشبهها كثيرًا في صغرها.
كانت سو-يا كثيرًا ما تزور عش طيور السنونو وهي في هيئةٍ نصف حيوانية، لتلعب مع زقزوق، وتساعده على تعلّم المشي والطيران.
لكن سول-يو لم يكن يحب زقزوق.
في إحدى المرات، حين كان زقزوق لا يزال عاجزًا عن الطيران، وأخذ يتمايل وهو يلاحقهم مشيًا، نفخ سول-يو من أنفه بقوة وهو يقول: «كنغ!» فتسبب في إسقاطه أرضًا.
وفي مرةٍ أخرى، عندما حاول زقزوق الطيران مع سو-يا، تحوّل سول-يو إلى طائرٍ ضخم وأخذ يعرقل طيرانه.
[سول-يو! كيف تجرؤ على مضايقة زقزوق؟!]
عند صرخة سو-يا المذعورة، تجمّد سول-يو في مكانه.
[أ… أ……؟ لستُ… لستُ أقصد… أنا… أنا…… واآآه…]
وبسبب لسانه الثقيل، لم يستطع سول-يو تبرير تصرّفه، فانتهى به الأمر باكيًا.
وبعد أن هدّأت سو-يا من روعه وتحدثت معه طويلًا، أجابها وهو يشهق وأنفه محمر ومتورّم:
[لأنكِ… لأنكِ تلعبين مع زقزوق وحده فقط.]
[ماذا؟]
تفاجأت سو-يا قليلًا، لكنها سرعان ما جلست بجانبه واعتذرت.
[هكذا إذًا… أنا آسفة يا سول-يو. شعرتَ بالوحدة لأنني كنت ألعب مع زقزوق، أليس كذلك؟ أنا آسفة لأني جعلتك تشعر بالوحدة.]
اتسعت أذنا سول-يو بدهشةً، إذ لم يكن يتوقع أن تعتذر له.
[لكن لا تحزن كثيرًا. أنت أقرب أصدقائي.]
عند سماعه عبارة «أقرب أصدقائي»، اتسعت عينا سول-يو بالصدمه.
[لكن لا يجوز لك أن تتصرف مع زقزوق بهذه القسوة. زقزوق لا يزال فرخًا صغيرًا، ويجب أن نعتني به. لذلك، في المرة القادمة، لنلعب نحن الثلاثة معًا—أنتَ وأنا وزقزوق—بانسجام، حسنًا؟]
[أمـم…………]
هزّ سول-يو رأسه موافقًا بهدوء.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد سول-يو يضايق زقزوق، وأصبح من الممكن رؤية سو-يا وسول-يو وزقزوق وهم يركضون ويلعبون معًا بمرح في حدائق قصر النمر الأبيض.
وكان ذلك قد حدث في ربيع العام قبل الربيع الماضي
أي إن عامين قد مرا منذ ذلك الحين.
تذكرت سو-يا تلك الأيام، فضحكت بخفة.
«بيورِت، بيورِت!»
غنّى زقزوق بمرح وهو ينقر أطراف أصابع سو-يا بمنقاره.
كانت تلك النقرات الحنونة، رغم منقاره القاسي، لا تؤلم إطلاقًا، بل كانت مداعبة تُشعرها بالدغدغة والراحة.
«تبدو في مزاجٍ جيد اليوم يا زقزوق.»
حين وضعت سو-يا يدها على رأس الطير السنونو، أخذ زقزوق يفرك رأسه في راحة كفها.
«بُررررر—»
«ماذا؟ أرسلت أمي رسالة؟»
«بويت!»
مدّ زقزوق ساقه اليسرى نحو سو-يا.
وكانت رسالة صغيرة مربوطة بساقه اليسرى.
ما إن وصل الخبر السعيد حتى تلاشى النعاس من عيني سو-يا تمامًا.
«شكرًا لك يا زقزوق!»
ابتسمت سو-يا على اتساعها وهي تفكّ بحذر الرسالة الصغيرة المربوطة بساقه.
كانت رسالة أرسلتها تشونغ-ها من قصر بحر الأزرق البعيد.
خلال العامين الماضيين، كبر زقزوق وأصبح طائرًا بالغًا، وصار قادرًا على الطيران لمسافات طويلة من أجل سو-يا.
قرأت سو-يا الرسالة بسرعة، ثم سارعت إلى تجهيز الحبر والفرشاة وبدأت تكتب الرد.
<نعم يا أمي، أنا بخير. أبي وإخوتي بخير أيضًا. هل أنتِ بصحة جيدة؟
لقد حلّ الربيع في قصر النمر الأبيض أيضًا. هذا هو الربيع الثالث لي هنا، وهو دافئ وجميل جدًا.
أما قصر بحر الأزرق حيث أنتِ……>
لكن تعبير سو-يا أظلم فجأة وهي تكتب.
كانت قد وعدت نفسها بأن تنمو بقوة وتذهب لزيارة قصر بحر الأزرق، لكنها لم تمر بعد بطفرة نموها الأولى.
مع أنها بلغت الثانية عشرة بالفعل.
فعادةً ما يمر أفراد شعب الوحوش بطفرة النمو الأولى في سن العاشرة، أو الحادية عشرة على أبعد تقدير.
لكن سو-يا كانت متأخرة قليلًا مقارنة بالآخرين.
«قالت عمّتي إن ذلك قد يكون من آثار نزع نواة الروح من جسدي عندما كنت صغيرة…»
وضعت سو-يا يدها على صدرها وهي تتذكر كلمات سارا.
كانت تشعر بنبض قلبها، وبذبذبة نواة روحها معه.
ومنذ أن تلقت عشبة دم التنين من سا-أون قبل ثلاث سنوات، كانت نواة روحها تنبض بقوة وصحة.
لم يكن هناك أي خلل في نواة الروح.
إذًا، فالمشكلة كانت فيها هي فقط.
«قال أبي إن التأخر لا بأس به، وإنه قد يحدث أحيانًا…»
نعم، التأخر قليلًا لم يكن مشكلة.
كما قال والدها، كان يمكنها أن تنمو ببطء.
لكن فكرة أنها لن تتمكن من زيارة أمها هذا الربيع أيضًا كانت… مؤلمة.
لا، كانت مؤلمة جدًا.
«أريد أن أذهب لرؤية أمي أنا أيضًا…»
ومع ذلك، أخفت سو-يا مشاعرها عمدًا.
لأنها كانت تعلم أن حزنها سيجعل الآخرين أكثر حزنًا.
كان غايول، الذي انشغل بنفسه بعد إتمام طفرة نموه الأولى، أصبح حذرًا من التحول أمام سو-يا.
وكان سول-يو يظهر أحيانًا في هيئة حيوان صغير ليواسيها.
وليس هما فقط—بل حتى بقية أهل قصر النمر الأبيض حاولوا مواساتها كل واحد بطريقته.
«في قصر النمر الأبيض، هناك الكثير ممن سيتألمون أكثر مني إن علموا أنني حزينة… لذلك يجب أن أكون قوية.»
بهذا التفكير، أنهت سو-يا رسالتها لتشونغ-ها وأعطتها لزقزوق.
وفي اللحظة التي استدارت فيها—
«هاه؟»
وقعت عيناها على ريشةٍ حمراء لم تلاحظها من قبل.
حدّقت بها شاردة، ثم التقطتها بحذر.
—
جنوب القارة، في مقر عشيرة الطائر القرمزي.
كان سيد العشيرة، تشوك آ-يون، غارقًا في همومه.
والسبب هو هجرة الطيور التي بدأت قبل ثلاث سنوات.
ازداد عدد الطيور التي تترك الأراضي الجنوبية لتبني أعشاشها في الغرب.
باستثناء المنطقة الوسطى، كان مجتمع شعب الوحوش يُدار وفق تقسيمٍ صارم إلى الجهات الأربع.
في الشرق، أرض التنين الأزرق المطلة على بحر تشينغهاي، عاشت الكائنات البحرية.
وفي الغرب، أرض النمر الأبيض الممتدة من جبال هوريم، عاشت الحيوانات البرية.
وفي الجنوب، أرض الطائر القرمزي ذات التربة الحمراء وأشعة الشمس الدافئة، عاشت الطيور.
أما الشمال—الذي تلوث الآن ولم يعد يجوبه سوى الوحوش الفاسدة—فكان في الماضي موطن الزواحف ذات الدم البارد.
وكان تماسك الأسر مرتبطًا بقوة العشيرة.
وهجرة الطيور من الجنوب تعني ضعف نفوذ عشيرة الطائر القرمزي.
«لكن… لماذا؟»
فالعشيرة ما زالت قوية، والكنز المقدس لم يكن به خلل.
حاول إيجاد سببٍ واضح، لكنه فشل، فازدادت همومه.
«لن يحدث خطر فوري، لكن القلق لا مفرّ منه…»
وبوجهٍ قاتم، واصل السير—ثم توقف فجأة.
كان يقف أمام القصر البارد المهجور، الذي لم يدخله أحد منذ زمن.
قبض يديه بإحكام حين أدرك أنه عاد إلى هذا المكان مرةً أخرى دون وعي.
سو-يا.
الطفلة التي رحلت عن هذا العالم، والتي أقامت هنا ثلاث سنوات.
آخر مكان بقيت فيه.
[لكن اسم تلك الطفلة كان… سو-يا، أليس كذلك؟]
حين سمع أن بايك سا-أون قد ضمّ ابنةً صغرى جديدة إلى عائلته، وكان اسمها «سو-يا»…
مع أنه كان يعلم أن الأمر مستحيل، إلا أنه شعر برغبةٍ غريبة في الذهاب والتأكد بنفسه.
التعليقات لهذا الفصل " 70"