في هذه الأثناء، كان سا-أون يفكّر في وضع سول-يو.
حتى الآن، كان الجميع في قصر النمر الأبيض يعتقدون أنه مجرد ذئب أسود عادي. لكن إبقاءه على هيئة صبي يتطلّب اختلاق خلفية جديدة له.
بعد تفكيرٍ قصير، استعان سا-أون بسان-هو مرة أخرى، وعرّف سول-يو على أنه قريب بعيد لها.
“إنه قريب بعيد جدًا من عشيرة الذئب النيلي. كان متخفيًا بهيئة وحش، ومكلّفًا بحماية الآنسة كرة القطن.”
تفاجأ الجميع حين علموا أن الذئب في الحقيقة من أبناء الوحوش، لكن معظمهم لم يتعمّق في التشكيك بالأمر.
وحده سو-ري، الأخ الأصغر لسان-هو، رفع حاجبًا بشك.
“هذا غريب. لم أره من قبل. هل كان هناك فعلًا شخص مثله في عشيرة الذئب؟”
“ه-هذا أمر جيد! أن يكون لدينا رفيق لعب إضافي! ل-لِمَ أنتَ متشكك إلى هذا الحد؟!”
حاول غايول الدفاع عن سول-يو خوفًا من انكشاف هويته، لكنه لم يفعل سوى زيادة الشكوك.
طوال اليوم، كان سول-يو يتبع سو-يا كظلّها. وكلما ظهر أحد، اختبأ سريعًا خلفها.
طبعًا لم يكن ذلك مجديًا، فالجميع كان لا يزال يراه، إذ كان أطول من سو-يا.
ضحك أهل قصر النمر الأبيض، قائلين إن الآنسة الصغيرة كسبت حارسًا شخصيًا لطيفًا ومخلصًا.
“حارس شخصي؟ ما هذا؟”
“الحارس الشخصي هو شخص يتبعك ويبقى بجانبك ليحميك.”
“…!”
تلألأت عينا سول-يو عند الشرح.
‘أنا حارس سو-يا الشخصي! سأحميها!’
وكأنه تلقّى أهم مهمة في العالم، التصق بسو-يا أكثر من ذي قبل.
ثم حان وقت العشاء.
بعد أن أنهت سو-يا طعامها وتوجّهت إلى غرفتها، أمسك سا-أون بسول-يو، الذي كان يتبعها عن قرب، من رقبته.
“ارجع إلى سريرك الليلة. حان وقت نوم الأطفال.”
“أ-أنا سأنام مع سو-يا…!”
راح سول-يو يرفس ويتلوّى في الهواء وهو يصرخ.
“لا يجوز للأولاد والبنات أن يناموا معًا بعد سن السابعة. ألم تسمع بذلك من قبل؟”
“لا أعرف ما معنى هذا! اتركني!”
زمجر سول-يو في وجه سا-أون، كاشفًا عن أنيابه.
كان دائمًا ينام بجوار سرير سو-يا، لذا فإن فصله عنها بهذه الطريقة جعله غاضبًا بشدة.
رفع سا-أون حاجبًا واحدًا باستهزاء وشخر.
“أنت لم تعد وحشًا. وتلك الأسنان ليست حادة أصلًا.”
وكأنه يريد تكذيبه، تحوّل سول-يو فجأة إلى نمر ذي أنياب طويلة وحادة—بوف!
“…؟”
رمش سا-أون بعدم تصديق.
“أنت… من أبناء وحوش النمر؟”
لكن ذلك لم يكن منطقيًا. لو كان الأمر كذلك، لكان لاحظه من قبل.
“أستطيع أن أتحوّل إلى أي شيء أريده.”
“…ماذا؟”
بينما راحت سو-يا وغايول يصفّقان بحماس، ظلّ تعبير سا-أون جامدًا.
“واو، سول-يو! هذا رائع جدًا!”
“هل تستطيع أن تتحوّل إلى ثعلب؟ أو دب؟ أو ذئب؟”
ازداد حماس غايول، وأخذ يشجّع سول-يو على التحوّل إلى كل ما يخطر بباله.
ومن دون تردّد، تحوّل سول-يو إلى كل حيوان سمّاه غايول—بوف! بوف!—وكأن الأمر لا يتطلب أي جهد.
“إذًا… ماذا عن تنّين؟”
“تنّين؟”
“ألا تعرف ما هو التنّين؟”
“…”
أومأ سول-يو برأسه.
حاول غايول شرح شكل التنّين، لكن سول-يو لم يستطع التحوّل إليه، لأنه لم يره من قبل.
“آه، حقًا؟ إذًا لا تستطيع أن تصبح تنّينًا حتى.”
بينما انبهر الأطفال بقدرات سول-يو، ازداد تعبير سا-أون جدّية.
‘ابن وحوش يستطيع أن يتحوّل إلى أي شيء…’
رغم أنه كان ملوّثًا سابقًا ويبدو كوحش شيطاني، فإن سول-يو بلا شك من أبناء الوحوش، لأنه يمتلك نواة روحية.
لكن سا-أون لم يسمع قط عن ابن وحوش يستطيع التحوّل إلى أي شيء يشاء.
وبينما كان يحدّق في سول-يو غارقًا في أفكاره—
“سيدي! ها أنت هنا!”
اندفع جيك-يونغ نحو سا-أون مسرعًا. كان تعبيره خطيرًا، فضاقت عينا سا-أون.
“ما الأمر؟”
“حسنًا، القصر الإمبراطوري—”
بدأ جيك-يونغ بالكلام دون تفكير، لكنه توقّف فور رؤيته للأطفال في الغرفة. اقترب وهمس في أذن سا-أون.
في الحال، تجمّد تعبير سا-أون وصار جليديًا.
—
في ذلك اليوم، وبعد سماع تقرير جيك-يونغ، غادر سا-أون قصر النمر الأبيض، قائلًا إن أمرًا عاجلًا قد طرأ في القصر الإمبراطوري.
مرّ يوم. ثم يومان. ثم خمسة أيام.
“ألا تفتقد اللورد سا-أون، يا أخي؟”
“والدي كثير الغياب عن قصر النمر الأبيض. في الماضي، كان يغيب مدة أطول حين يذهب إلى الحرب.”
هزّ غايول كتفيه ردًا على سؤال سو-يا.
‘لكنني أفتقد اللورد سا-أون كثيرًا…’
حين رأت سو-يا كيف يواصل غايول حياته بمرح حتى في غياب سا-أون، شعرت أنها تبالغ في مشاعرها، فحاولت كبحها.
ثم مرّت تسعة أيام. عشرة.
“الأخ غاهيون، ألا تفتقد اللورد سا-أون؟”
“غادر والدي لأمر مهم. حتى لو افتقدناه، علينا التحلّي بالصبر. إن كنتِ تشعرين بالملل، ما رأيك أن تلعبين معي؟”
نظرت سو-يا إلى ابتسامة غاهيون الدافئة، وفكّرت في نفسها:
‘لستُ أشعر بالملل… أنا فقط أفتقد اللورد سا-أون……’
في ذلك اليوم، قضت وقتًا مع غاهيون بين الأرشيف والاستمتاع بأوراق الخريف، لكن الشعور بالفراغ لم يختفِ.
“سول-يو، ألا تفتقد اللورد سا-أون؟”
“؟”
سألته أيضًا، لكنه اكتفى بإمالة رأسه بحيرة.
ثم، في اليوم الخامس عشر—
لم تعد سو-يا قادرة على التحمّل، فسألت الكبار متى سيعود سا-أون.
“يقال إن الأمور فوضوية جدًا في القصر الإمبراطوري. الأمير الخامس بدأ حمّام دم ويقوم بتطهير إخوته.”
“ماذا؟ الأمير الخامس؟”
ارتسم وجه في ذهن سو-يا على الفور.
شعر بلاتيني، وعينان فيروزيّتان…
[وعندما أعود، أود أن آخذك إلى القصر الإمبراطوري… إن سمحتِ لي.]
ذلك الأمير اللطيف الذي قال تلك الكلمات وهو يشبك خنصره بخنصرها.
كانت الأحداث بعد ذلك متسارعة لدرجة أنها نسيته.
لم تستطع تصديق أن شخصًا بهذه الطيبة قد يكون سببًا في حمّام دم داخل القصر.
“كان اللورد البطريرك معلّم الأمير الخامس. لذا فهو البالغ الوحيد الذي يثق به الأمير ويعتمد عليه.”
“…”
“وبناءً على ذلك، يبدو أن اللورد البطريرك سيبقى في العاصمة حتى تهدأ الأمور في القصر.”
“…”
لم تتوقع سو-يا أن يطول غياب سا-أون إلى هذا الحد، وشعرت بالحزن.
‘لكن… إن كان الأمر من أجل الأخ ريم، فأظنني أستطيع مشاركة اللورد سا-أون معه.’
قبل سا-أون، كان هو الوحيد الذي أظهر لها لطفًا حين كانت في أدنى حالاتها وأكثرها وحدة.
حين فكّرت بالأمر بهذه الطريقة، شعرت بتحسّن طفيف.
‘بدلًا من الحزن على غياب اللورد سا-أون، سأتمرّن بجد على قدرتي الخاصة حتى يعود.’
عقدت سو-يا عزمها وأعادت تركيزها.
“هذا غريب… هل هكذا ينبغي أن أوجّه القوة؟”
منذ ذلك الحين، كانت تحاول استدعاء قدرتها في كل وقت فراغ، لكن الأمر لم يكن سهلًا.
“هل كان ما حدث في ذلك اليوم مجرد صدفة…؟”
وبينما أطلقت تنهيدة خفيفة—
“سو-يا!”
ظهر أمام وجهها فجأة باقة زهور ملوّنة.
لم تكن بحاجة للنظر لتعرف من يحملها.
“سول-يو.”
ابتسمت سو-يا بإشراق وهي ترفع نظرها.
الصبي ذو الشعر الأسود، المربوط في ذيل حصان عالٍ، جلس بجانبها بعد أن ناولها الزهور.
“سو-يا، هل أنتِ حزينة؟”
سألها وهو يسرق نظرة إلى وجهها.
“هاه؟ كيف عرفت؟”
لمست سو-يا وجهها بدهشة. هل كان حزنها واضحًا إلى هذه الدرجة؟
“هنا. عندما تحزنين، سو-يا، هذا الجزء يهبط.”
وخز زاوية حاجبها الخارجية بإصبعه وهو يجيب.
“آه… فهمت. كنت فقط أشعر ببعض الإحباط لأنني أريد أن أصبح أفضل في استخدام قدرتي، لكن الأمر لا يسير جيدًا.”
ابتسمت سو-يا بخفّة وهي تشاركه قلقها.
أراد سول-يو المساعدة.
لكن حتى هو لم يكن يعرف كيف يصبح المرء أفضل في استخدام قدرته.
وفي تلك اللحظة—
“عاد اللورد البطريرك!”
عند سماع الصوت، قفزت سو-يا واقفة.
“اللورد سا-أون!”
ركضت سو-يا وسول-يو بأقصى ما يستطيعان نحو البوابات الرئيسية لقصر النمر الأبيض.
هناك، كان الجميع قد تجمّع، بمن فيهم غاهيون وغايول.
“هاه…؟”
في البعيد، ظهرت محفة ذهبية تجرّها ستة خيول—تلك التي لا يُسمح بركوبها إلا لإمبراطور تايهوا.
كان سا-أون يمتطي حصانًا إلى جانبها.
لكن عيني سو-يا لم تنجذبا إلى سا-أون، الشخص الذي انتظرته لأيام طويلة، بل إلى الصبي الجالس فوق المحفة.
ولم تكن وحدها، إذ كانت أنظار الجميع مثبتة عليه.
“تلك المحفة…”
“لا يمكن… هل الشائعات صحيحة…؟”
متجاهلة الهمسات من حولها، حدّقت سو-يا بالصبي بذهول.
أدقّ من ذلك، حدّقت في تاج الإمبراطور المستقر على رأسه.
أخيرًا، توقّفت العربه، ونزل الصبي منها بخفّة وأناقة.
“كنا ننتظر عودتك، يا أبي. و…”
تردّد غاهيون، غير متأكد من كيفية مخاطبة الصبي، لكن الصبي توجّه مباشرة نحو سو-يا.
“تأخرتُ، أليس كذلك يا سو-يا؟”
تفاجأ الجميع من اقترابه المفاجئ، لكنه ابتسم بلطف، وكأن نظرات الآخرين لا تعني له شيئًا.
“اشتقتُ إليك.”
التعليقات لهذا الفصل " 50"