0
“الڪذبة البيضاء”
يقولون إن الطفولة هي المرحلة التي تصنعنا. ربما لهذا السبب خرجت إلى العالم وأنا محشوة بالكذب… من الرأس حتى أخمص القدمين.
كنت أعيش في بيت صغير، مزدحم كقفص دجاج من خمسة أفراد وجد.
الفقر لم يكن شيئا نشتكي منه كان مثل الهواء نستنشق وجوده ونكتمه داخل صدورنا حتى لا ينفجر.
لكن هناك شيئا آخر ولد معي أيضا…
شيء لم أستطع كتمه أبدا
الحلم
كنت أملك ذلك النوع من الأحلام الذي يشبه السحر. وذلك السحر كان يقول لي:
أنت لا تنتمين هنا.
في المدرسة كان الكذب طريقتي للبقاء،
لم أكن أكذب فقط لكي أبدو أفضل بل لأنني كنت أعرف أن تشكيل الواقع أسهل بكثير من مواجهته.
ولأن الكذبة الجميلة دائما أكثر رحمة من الحقيقة القبيحة.
لكنني لم أكن أكذب اعتباطا ولهذا لم يكن كشفي سهلا، كنت مدركة ومنظمة ولدي دائما مرجع.
كنت أحتفظ بصور، صور كثيرة لبيوت لا تخصني، غرف ليست لي، مطاعم لم تطأ قدمي أرضها.
كنت أراها في هاتفي وأقول بصوت واثق أمام صديقاتي:
«هذه غرفة الضيوف… وهذا مطبخنا… وذلك منزلنا الصيفي عند البحر».
وكن يصدقن.
كيف لا؟ الصور حقيقية، فقط ليست حقيقية بالنسبة لي.
أما الحقيقة التي لم يعرفها أحد فهي أن تلك الصور لم تلتقط في بيتنا، بل في بيت شخص آخر تماما.
كان ذلك بيته، عائلته فيريل…
نعم، عائلة فيريل.
بيت ضخم بشرفات عالية ونوافذ تمتد من الأرض للسقف.
رغم ذلك فقد كان باردا وبقواعد ثقيلة،
لكن من يهتم؟
ذلك البيت كان يعود لسيد أليستير فيريل.
رجل يفضل التفكير على الكلام وعقله مسجون داخل أحجار الشطرنج.
جدي كان صديقه منذ زمن، ولهذا كنت أسحب إلى هناك رغما عني كل يوم سبت لأجلس في زاوية الغرفة بينما الاثنين يخوضان حروبهم الصغيرة فوق رقعة مربعات.
كنت أكره الشطرنج وأكره الصمت…
لكنني أحببت ذلك البيت.
كنت أتحرك بين الغرف بهدوء أتفقد الممرات، أراقب اللوحات القديمة، أتنفس رائحة الخشب والكتب.
أقتنص الفرصة عندما لا يراني أحد
وأخرج هاتفي لألتقط الصور.
غرفة المكتبة… الشرفة الجنوبية… المدخل الرخامي… حتى المطبخ أحيانا.
«هذه صوري وعالمي».
حين تسألنني صديقاتي:
«أين أمضيت عطلة الصيف؟».
كنت أرفع هاتفي وأريهن صورة شرفة آل فيريل، وأقول ببرود:
«منزلنا الصيفي نسافر إليه عندما يمل أبي من المدينة».
كان الكذب يخرج مني بسهولة ولسبب ما، كان يبدو دائما أجمل من الحقيقة.
ولم يكن أحد يشك لأن الثقة بالنفس هي أعظم أنواع السحر.
والسحر كان الشيء الوحيد الذي أملك.
أما في البيت الحقيقي حيث الفقر يتسلل حتى تحت الأبواب كنت أتخيل حياتي المستقبلية.
بطريقة أو بأخرى أعرف أنني سأفعلها في يوم ما، سأحقق مبتغاي بأي وسيلة ولو كانت كل الوسائل مبنية على أكاذيب.
لأنني ببساطة لم أكن من النوع الذي يقبل الهزيمة.
لم أكن أعرف أن الأكاذيب لها طرق غريبة لتتحول إلى حقائق أو على الأقل إلى نسخ مشوهة منها.
طوال سنوات كنت أري صور ذلك البيت وأقول “منزلنا الصيفي” … “مكاننا الخاص”
وفي كل مرة كنت أضحك بيني وبين نفسي على مدى براعة الوهم الذي صنعته.
لكن يبدو أن الحياة أحبتني
فبدل أن أحصل على المال بالطريقة التي رسمتها في رأسي وجدته يلقى في طريقي بطريقة أخرى تماما.
ولسخرية القدر أصبح ذلك البيت في يوم من الأيام ملكي بالفعل.
ليس بقدرات سحرية ولا بخطة ذكية كما كنت أتخيل بل بخاتم وعقد قران،
بزواج لم أحلم به حتى في قمة جنوني.
نعم، نفس المنزل الذي التقطت فيه صوري المسروقة نفس الشرفة التي ادعيت أنها لي نفس الممرات التي تسللت بينها كمشردة تبحث، أصبح فجأة مكان إقامتي الحقيقي.
لم أكن أعرف يومها ما إذا كان ذلك انتصارا، أم لعنة.
كل ما عرفته هو شيء واحد فقط:
أن الكذبة التي بدأت لأجعل نفسي تبدو ثرية انتهت بأن جعلتني زوجة ديمون فيريل.
«لطالما سمعت أن الكاذب لا يهرب طويلا وأنه حين يمسك به القدر لا يصفعه فحسب بل يعاقبه على جرأته»
وإذا كانت هذا لعنة القدر على كذبي فربما هذه لعنة بنكهة فاخرة.
Claudia Miller // كلوديا ميلر
اسمي كلوديا ميللر، وما زلت أتعلم أن العالم لا يعطي شيئا إن لم تركض.
أخلق نفسي كما أريد، وأختبر حدود الآخرين قبل أن أكتشف.
قوية؟ ربما،… أو على الأقل أدعي القوة.
كاذبة؟ بكل تأكيد!، كل شيء محسوب بدقة حتى لو كان كل ذلك مجرد وهم.
ومن بين كل الأمور التي اعتقدت أنني أسيطر عليها، ظهر ديمون فيريل.
يملك تلك النظرة التي تخبرك أنه يعرف أكثر مني حتى قبل أن أتكلم.
وجوده يغير كل شيء، ويجعلني أشعر بأن أكاذيبي الصغيرة ليست سوى مسرحية هزيلة أمام العالم الذي يملكه.
Damon Verill // ديمون فيريل
هو ديمون فيريل، ليس بعيدا عن المشاعر كما يعتقد الجميع.
يملك نظرة واحدة تكفي لتجعل أي شخص يشعر بأن حياته كلها مكشوفة أمامه.
يعرف كل شيء عني وعن أكاذيبي، عن كل لعبة صغيرة كنت أظن أنني أسيطر عليها، عن كل صورة مزيفة صنعتها لنفسي.
لكنه يتركني أؤمن أنني أتحكم.
يتركني أمارس كذبي، كأنه يعرف أن اللعبة لن تدوم للأبد.
وأن كل حركة لي هي مجرد خطوة نحو ما يريده هو منذ وقت طويل…
أن أكون له حتى قبل أن أعلم أنني له.
التعليقات لهذا الفصل " 0"