3
انتهت حصة الرياضيات أخيرا، ودوى جرس الفصل.
كانت كلوديا لا تزال جالسة في مقعدها، تجمع أوراقها عندما توقفت ظلال عند طرف الطاولة.
“كلوديا”
رفعت رأسها لتجد إدك تقف مبتسمة وسارة بجانبها مع تلك الهيئة حين تريدان طلب خدمة.
“الامتحانات قربت…”
“تعرفين أنت الأفضل في الفصل”
أغلقت كلوديا حقيبتها المدرسية.
“وماذا تريدان؟”
تبادلت إدك وسارة نظرة سريعة.
“نريد أن تشرحي لنا! ”
أضافت سارة بسرعة.
“أنت تلتقطين الأشياء المهمة بسرعة عكسنا”
صمتت كلوديا لثانية ثم رفعت حقيبتها ووضعتها على كتفها.
“حسنا”
اتسعت ابتسامة إدك فورا.
“حقا؟ كنت أعلم أنك لن ترفضي”
“نبدأ من اليوم؟” سألت سارة.
“نعم.” أجابت كلوديا بابتسامة وهي تتجه نحو باب الفصل.
لو كانتا حقا صديقتيها لعلمتا ان تلك الابتسامة التي انتشرت على وجهها لم تكن بريئة.
انها الابتسامة التي تعتلي وجهها عندما تفعل ماتريد لتدمر مايعيق طريقها.
لم تحزن كثيرا كونها على مشارف خسارتها لصديقتيها من عامها الاول بالثانوية.
بقدر ماهن معها لمصالح كانت هي كذلك، الفرق الوحيد أنها لم تكن يوما من بدأ بالأذى.
كان الامتحان على بعد ثلاثة ايام ولم تبخل كلوديا بشرح كتاب الرياضيات عن ظهر قلب لكنها لم تتطرق الى أي من تلك المعادلات التي كان من المؤكد ان تكون في ورقة الامتحان.
خرجت الفتيات من المكتبة مع غروب الشمس، بعد مساء كامل من الدراسة للامتحان.
“ما رأيكما أن نذهب لشرب شيء؟ نستحق استراحة بعد كل هذا”
“نعم عصير أو قهوة…”
أبطأت كلوديا خطواتها قليلا.
“لا أستطيع لدي شيء يجب أن أقوم به”
تبادلت إدك وسارة نظرة سريعة.
“الآن؟” سألت إدك باستغراب.
“نعم”
لم تشرح أكثر اكتفت بتودعهما سريعا.
“نلتقي غدا في الامتحان”
كان يجب ان تصل لمكان عملها سريعا مسافة الطريق اكثر من ساعة.
تعلم أن مكان عملها يبعد تقريبا ساعتين كاملتين عن سكنها، لكنها اختارت ذلك عمدا.
بعيدا… حيث لا يعرفها أحد، لا يعرف أحد أن كلوديا تعمل بدوام جزئي.
وصلت إلى المطعم الفاخر ذو خمس نجوم،
لكنها لم تكن كزبون يسلك ذلك الباب الزجاجي بل طريقها كان الباب الصغير بالزقاق الخلفي المؤدي للمطبخ.
فور دخولها امتلأت أنفاسها برائحة الطهي الغنية والمكونات الطازجة.
ظهر الشاف المشرف ماركو بينيتي رجل ممتلئ الجسم ذو وجه ضاحك وبشوش.
“ها قد وصلت! أتمنى أن تكوني جاهزة للضغط الكبير اليوم”
“نعم، أنا جاهزة”
اجابت ومشطت شعرها في تسريحة ذيل الحصان، ورتبت زيها الرسمي.
المطبخ كان يعج بالمساعدين والطهاة، وكل شيء مرتب بعناية كما يليق باسم مطعم راق.
مرت ستة أشهر منذ أن بدأت كلوديا العمل في هذا المطعم، لم تكن بالضبط في المركز الذي تريده كطاهية لكنها لم ترفض هذا العمل.
بدا شغف والدها بالطبخ رغم فشله في فتح سلسلة مطاعم وكأنه لم يذبل أبدا، هاهي تحمل جزءا من هذه الموهبة رغم انه لم تسنح لها فرصة لاثباتها.
ورغم أن المهمة كانت متعبة، إلا أن كلوديا وجدت في عملها متعة.
استعملت السكين بدقة وحذر ومهارة متفانية في تقطيع شرائح الستيك.
أمامها عدة أطباق للتجهيز: سلطة سيزر، وقطع لحم البقر المشوية على الفحم مع صوص الطماطم الطازج.
صاح أحد المساعدين من الطرف الآخر من المطبخ:
“كلوديا الطاولة 12! هل الطلبية جاهزة!”
أخذت كلوديا الورقة المعلقة على الحامل، نظرت إليها بسرعة ثم بدأت بوضع الطعام بعناية على صحن التقديم الكبير.
رتبت السلطة أولا، ثم طبق اللحم مع التأكد أن كل شيء يبدو مثل الصورة في قائمة المطعم.
حين جاء النادل لاخذ الطلبية، شد انتباهها بطاقة الإسم المعلقة على عربة التوصيل.
V.Demon
هل يعقل أنه هو… ديمون فيريل؟
دفعها فضولها لايقاف النادل:
“انتظر! سأوصلها بنفسي”
تخطت الممر الطويل كل خطوة كانت تقربها أكثر من طاولة رقم 12.
قلبها خفق لسبب جهلته، لم تعلم ان كانت حقا تريد ان تلتقي بهذا الشخص رغم مرور سبع سنوات منذ لقائها به عندما كانت طفلة.
وقفت خلف الطاولة مباشرة، على بعد خطوات قليلة فقط من الكرسي الذي كان يجلس عليه الزبون.
يدها ابتلت بعرق بارد وهي تحمل الطلبية بعناية لوضعها على الطاولة.
“الطلب جاهز…”.
ابتسم الرجل وشكرها، رفعت رأسها ولم يكن الوجه الذي أمامها إلا شخص غريب تماما.
غاست لوهلة في سهوتها دون ان تسلم الطبق
ماجعل الزبون يفقد صبره
“ياآنسة؟”.
عاد وعيها اخيرا فأنزلت الطبق على الطاولة بعجلة.
” عذرا…”.
لقد اخطأت في الشخص لم يكن ديمون فيريل الذي تعرفه وتتذكر ملامحه جيدا في ذاكرتها،
انه اوسم واطول وأيضا ومؤدب…
نامت تلك الليلة وهي تغمرها ذكريات طفولتها، حين مد يده ومسح حذائها في ذلك اليوم الممطر.
لم يكن مجرد فعل لطيف بل كان بداية شعور غريب في قلبها لم تفهمه حينها، شعور استمر يرافقها طوال هذه السنوات.
جاء يوم الامتحان، وكم شعرت كلوديا بالرضا حين رأت تلك النظرة ترتسم على وجهي صديقتيها لحظة تسلمهما ورقة الاختبار.
كانت واثقة أنهما لم تجيبا عن معظم الأسئلة، فضعفهما الدراسي كان واضحا دوما، لولا الملاحظات التي قدمتها لهما بنفسها لدراسة.
ولم يكن هذا اليوم استثناء، إذ لم يمر نصف الوقت حتى سلمتا ورقتيهما، وانسحبتا من القاعة.
بينما بقيت كلوديا في مقعدها تكتب بهدوء وكأن شيئا لم يكن.
التعليقات لهذا الفصل " 3"