1
12 تشرين الاول
كانت السماء ملبدة رمادية كأنها قطعة قماش معتمة فوق العالم.
سقط المطر على نافذة السيارة في خطوط بطيئة مصدرا صوت طقطقة خفيض.
جلست كلوديا في المقعد الخلفي، ذراعها مسنودة على حافة النافذة الباردة والتنفس البطيء يبخر سطح الزجاج من الداخل.
لم تكن تفكر في عائلتها التي تركتها خلفها.
فكرت فقط في الشيء الذي كان يحركها منذ الطفولة.
تلك الرغبة التي لا تخجل منها، أن تحصل على ما تريد مهما كان الثمن.
رفعت خدها عن الزجاج ومسحت بخفة آثار البخار بأصابعها، ثم همست لنفسها:
“سأحقق ما أريد”.
لم تكن كلوديا فتاة لطيفة، ولم تكن تكذب لأنها تستمتع بالكذب نفسه. بل لأنها تعلمت باكرا أن الحقيقة لا تخدم إلا الأغبياء والكذب كان سلاحها وملابسها الرسمية.
الليلة كانت متجهة إلى بيت رجل أصبح زوجها ديمون ريفيل… حفيد صديق جدها.
لا أحد يعرف ماذا يريد بالضبط ولا هي تهتم، ما يهمها كان بسيطا:
سلطة، مال وفرصة لتتخلص من حياة الستة أشخاص في بيت واحد وفقر يمتد مثل العفن.
عبرت السيارة بوابة كبيرة من الحديد الأسود،
توقفت السيارة ببطء أمام بوابة آل فيريل، والعتمة كانت تغطي السماء والمطر يهطل بلا رحمة كأنه يبارك هذا اليوم بالطريقة الخطأ.
انفتح الباب الأمامي لسيارة أولا ونزل السائق بخطوات سريعة نحو جانبها، حنى رأسه لها قليلا وهو يمد يده إلى المقبض.
ظهرت كلوديا بفستان الزفاف الأبيض، رفعت طرفه قليلا قبل أن تضع قدمها على الأرض ومع ذلك تسرب الماء فورا إلى القماش،
الطبقة السفلية بدأت تبتل بسرعة تتحول إلى لون رمادي داكن مع كل خطوة.
انفتح الباب من الداخل،
ووقفت الخادمة هناك بثوب أسود ومئزر أبيض وخصلات شعرها البنية مرفوعة بعناية.
انحنت قليلا باحترام وقالت:
” أهلا بك سيدة فيريل”.
ذلك الاسم كان جديدا على أذنها لكنه أعجبها فقد ظهرت ابتسامة عريضة على وجهها.
«مساء الخير مارثا».
تقدمت مباشرة إلى الداخل، رفعت ذيل فستانها المبلل قليلا وابتعدت عنهما.
مارثا أغلقت الباب خلفها والتفتت نحو السائق الذي كان يحمل الحقائب، وسارت باتجاهه ببطء بينما نظرت إلى الدرج الذي صعدته كلوديا وقالت بصوت منخفض، لكنه واضح ومسموع:
«أين السيد ديمون؟».
توقف السائق للحظة قبل أن يجيب دون رفع رأسه:
«السيد غادر البلاد لمقابلة عمل بعد انتهاء مراسم الزفاف مباشرة».
وقفت مارثا عند المدخل، عيناها تلمعان بالدهشة:
«يا للهول هل ترك زوجته مباشرة بعد الزفاف وذهب للخارج؟».
أدجار الذي كان يقف أمامها نكزها برفق على كتفها ليجعلها تستدير، إلتفتت مارثا ببطء وسكتت فورا.
سيدة كبيرة في السن تقف عند نهاية الردهة،
شعرها الرمادي مرفوع بعناية واعتلى جسدها ثوبا داكنا بسيطا.
تقدمت بخطوات ثابتة نحو مارثا وأدجار،
وقالت بصوت منخفض لكن حازم:
«أين السيدة كلوديا؟»
أجابت مارثا باحترام تخفض عينيها قليلا:
«صعدت إلى الطابق العلوي مربية إلين».
دخلت كلوديا إلى غرفة ديمون بهدوء وخيوط الماء تبلل الارضية.
الغرفة واسعة مزينة بألوان داكنة ودرجات خشبية من الالوان الثقيلة.
ستائر تكتسح النوافذ، وأثاث كلاسيكي، وسجادة كبيرة تغطي معظم الأرض.
كل شيء هنا كان يبدو مخصصا لرجل مثله.
جلست على السرير ببطء وتطلعت إلى النافذة المقابلة لسرير، قطع صفوها عندما سمعت طرقا خفيفا على الباب الذي لايزال مفتوحا.
«السيدة كلوديا هذه ليست غرفتك».
لم تحرك كلوديا ساكنا فقط نظرت إليها كأنها تقيم الموقف قبل أن تختار الرد.
«أعلم ذلك».
أنا لم أكن أعلم بذلك…
ماذا يعني هذا؟ هل هذه حقا لعنة؟ لقد سافر بعد زفافنا ولدي غرفة منفصلة؟
ابتسمت لنفسها بخفة ثم ضحكت قليلا،
ووقفت من على السرير.
«حسنا…إذن أين غرفتي؟».
ابتسمت إلين قليلا،
«الغرفة التي كنت تبحثين عنها معدة لك سأدلك إليها».
نهضت كلوديا عن السرير
وتبعت إلين التي بدأت تسير أمامها بخطوات ثابتة في الممر.
حسنا لنرى الغرفة التي اختارها لي ديمون…
إلين توقفت عند باب الغرفة الذي بجوار غرفة ديمون في الممر.
«ها هي غرفتك السيدة كلوديا»
الغرفة كانت مضاءة بشكل خافت والأثاث مرتب وعملي ولا شيء مبالغ فيه لكنه كان من الذوق الذي ستفضله.
«هل ستتناولين العشاء بالأسفل سيدتي؟»
أجابت كلوديا بابتسامة صغيرة، مباشرة:
«نعم، بالطبع…»
وقالت وهي ترفع يدها وتشير بإصبعها إلى حجم قطعة لحم تتخيلها.
«أريد قطعة لحم كبيرة بهذا الحجم، هل لديكم؟»
ارتفعت حواجب إلين قليلا من الدهشة، وأخذت تتفحص تعبير وجهها كأنها تحاول فهم ما إذا كانت جادة أم انها تطلق مزحة مفاجئة.
ربتت كلوديا على كتف لأخرى بخفة، وقالت مبتسمة:
«أمزح فقط… بهذا الحجم سيكون كافيا».
ابتسمت إلين أخيرا مخفية دهشتها،
ثم أومأت برأسها وأغلقت الباب خلفها تاركة كلوديا وحيدة في غرفتها.
وقفت أمام المرآة، وبدأت بنزع فستان الزفاف المبتل ترفع طبقات القماش الواحدة تلو الأخرى. حتى أصبحت أخيرا خارج طبقات الفستان ووضعته بعناية على الكرسي.
جلست أمام طاولة الزينة مرتدية فستانها الداخلي الأبيض فقط.
نزعت الأقراط ووضعتها برفق في علبة الإكسسورات على الطاولة.
ثم نظرت إلى الخاتم الألمسي الذي يزين إصبعها،
ثم دارت به بين أصبعها للحظة تتأمل لمعانه، قبل أن تخرجه ببطء وتضعه أيضا في علبة الإكسسورات بجانب الأقراط.
12 تشرين الاول
منزل آل فيريل
بعد 3 سنوات.
جلست على الأرض أمام طاولة القهوة، ساقاها مطويتان تحتها وزجاجة خمر أحمر مفتوحة بجانبها.
لم تعرف حتى اسم الخمرالمهم أنه كان يحرق الحلق، وكان هذا كافيا الليلة.
ملأت الكأس مرة أخرى ورمت رأسها للخلف وهي تشرب نصفه دفعة واحدة.
تنفست من فمها بقوة عندما شعرت بالحرارة تصعد إلى وجهها، نظرت إلى الكأس قليلا ثم قالت:
“ثلاث سنوات… ثلاث سنوات كاملة يا ديمون!”
“أتعلم؟ في السنة الأولى كنت أحاول… كنت أحاول أن أكون زوجة على الأقل، في الثانية… كنت أنتظر أن تقول شيئا أي شيء حتى كلمة صباح الخير…”
“كل هذا بدأ لأني أردت حياة جميلة، بيتا كبيرا، خدماا، حفلات، سفر. أردت كل هذا وكان لديه المال… وبدون حب كل شيء ممتاز!”
رفعت الكأس لشفتيها ثم توقفت قبل أن تشرب:
“لكن المشكلة أنا أحبه!”
مرة أخرى شربت ومسحت فمها بظاهر يدها.
وثبت نظرها على شيء آخر، صورة زفافها الكبيرة على الجدار.
وقفت ببطء وهي تتأرجح قليلا، اقتربت من الصورة حتى صارت أمامها مباشرة ورأسها يميل يمينا ويسارا.
رفعت يدها ولمست الزجاج فوق وجهها في الصورة:
“انظري إليك يا كلوديا…”
ابتسمت ابتسامة نصف باهتة وقالت:
“تبدين سعيدة جدا… لماذا؟ لأنك تزوجت الرجل الذي يعجبك، الرجل الذي كنت تظنين أنه سيبادلك الشعور”
تنفست بعمق وقالت بسخرية خفيفة:
“جميل… جميل جدا، تحبينه وهو لا يفعل شيئا سوى النظر إليك وكأنك قطعة أثاث من طراز راق”
ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة وأضافت:
“وأسوأ شيء؟”
” كنت أظن أن أصعب شيء هو أن لا يحبك الرجل الذي تزوجته… لكن الأسوأ أن لا يحاول حتى أن يكرهك؛ كان فقط موجودا وأنا كنت الغبية”
“هو قد لعنني لأنني كنت دودة أمواله”
أغلقت عينيها لثانية ثم فتحتها ونظرت إلى ديمون في الصورة.
رفعت كأس الخمر أمام وجهه على اللوحة وكأنها تشرب على شرفه:
“إلى السيد فيريل، الرجل الذي يستطيع أن يحطم امرأة دون أن يلمسها ولا حتى يرفع صوته”
“تريد طلاقا؟ إذا خذه!”
تراجعت بضع خطوات ونظرت للكأس في يدها… ثم للصورة.
“وداعا يا كلوديا الغبية”
رمت الكأس بقوة على الصورة،
انكسر الزجاج بصوت حاد وتناثر النبيذ الأحمر على الصورة والحيطان كأنه دم.
وقفت في مكانها تنظر إلى الصورة التي تحولت إلى لوحة مشوهة.
التعليقات لهذا الفصل " 1"