“معك حق. هل رأيتِ يدي الآنسة؟”
تنهدت إحدى النبيلات بخفة قبل أن تواصل كلامها.
“إنهما مليئتان بالبقع والآثار. تقول أنه بسبب الأعشاب التي تتعامل معها، لكن أي رجل قد يعجبه ذلك؟”
“بسببها لا بد أن الفيكونت موريوس يعيش في قلق شديد أيضًا.”
إلى هذه اللحظة، كنت فقط أحاول أن أتحمل، رغم أنني لم أرغب حقًا في سماع هذا الهراء.
فقد دعاني دوق ديـاز بنفسه، ولم أرد أن أسبب له المتاعب بلا داعٍ.
لكن عندها—
“لم أرَ في حياتي سيدة تتأخر في الزواج هكذا ولم تندم في النهاية.”
…هاه؟
عقدت حاجبي قليلًا.
يبدو أن سهام هجومهن قد انتقلت من “الليدي موريوس” إلى موضوع آخر تمامًا.
“كل الرجال الجيدين أخذوا بالفعل، فلا جدوى من الندم الآن.”
“هناك سبب يجعل الناس يتزوجون مبكرًا.”
“تخسرين الكثير إن لم تصغي لنصيحة الأكبر منك سنًا.”
حينها—
رفعت رأسي بهدوء والتقت عيناي بعيني إحدى النبيلات.
كانت تنظر إليّ بطرف عينها، وابتسامة غير مكتملة تتسع على شفتيها.
واو… حقًا؟
في تلك اللحظة، شعرت بموجة من الانزعاج تغلي في داخلي.
ذكرني ذلك بالترهات التي كانت الإمبراطورة ترددها قبل أن أنضم إلى فرسان “الفجر اللازوردي”.
“لماذا لا تفكرين في الزواج؟”
“أنا أمك، في النهاية.”
“أقول لك هذا فقط لأنني أهتم بك.”
حتى وأنا في صورة “الشريرة”، لم أستطع الهروب من تلك التذمرات البغيضة.
وكأن العزوبية عيب قاتل في حياة المرأة…
تبا، لم أعد أطيق سماع هذا.
طَرق.
وضعت شوكتي على الطاولة بصوت مسموع.
فالتفتت النبيلات نحوي بدهشة، وأعينهن متسعة كأرانب مذعورة.
ضيقت عيني برفق وأنا أواجه نظراتهن.
ثم—
“اعذرنني، سيداتي النبيلات—”
بدأت نبرتي ممزوجة بالسخرية.
“هل تعتقدن فعلًا أن الغاية القصوى من حياة أي سيدة هي مجرد الزواج من عائلة جيدة؟”
“ج-جلالتك؟”
“لو سمعكن أحد، لظن أن قوانين الإمبراطورية تُلزم النساء بالزواج.”
أمعنت النظر وضغطت بأسئلتي بلا مواربة:
“وحسب كلامكن، فأنا معيبة لأنني اخترت الفروسية على الزواج، أليس كذلك؟”
“ماذا؟ لا، لم نقصد ذلك…!”
ارتبكت النبيلات وأخذن يحاولن التبرير.
لكنني واصلت بنبرة لاذعة:
“آه، لم تقصدن؟ لكنني ظننتكن تتكلمن بهذا الشكل تلميحا لي.”
“ل-لا يمكن!”
“كيف نقول شيئًا فظًا كهذا لجلالتك؟”
صرخت النبيلات دفعة واحدة.
نظرت إليهن مباشرة، ثم رفعت زوايا شفتي بابتسامة غليظة.
“فهمت. لكن لأكون صريحة، لقد شعرت بالإهانة الشديدة.”
فتشنجت أكتاف النبيلات.
تابعت بهدوء:
“لكنني سعيدة أنه لم يكن سوى سوء فهم من جانبي.”
“ب-بالطبع. مجرد سوء فهم.”
“لم نقصد الأمر هكذا أبدًا…”
تلعثمت النبيلات الشاحبات، يواصلن أعذارهن المرتبكة.
فتمتمت في داخلي باستهزاء:
حقًا… أي طريقة لقتل الأجواء أكثر من هذه؟
كان المشهد مثالًا حيًا على المثل القائل: “سكب الماء البارد.”
قد يظن أحدهم أنني هددتهن بالقتل للتو.
عندها—
“عمَّ كنّ تتحدثن بكل هذه الحماسة؟”
رن صوت هادئ بيننا.
“آه، الدوقة!”
“كنا ننتظركِ!”
استقبلت النبيلات الدوقة كما لو كن قد وجدن المنقذ.
وبصراحة، شعرت بالارتياح أنا أيضًا.
فلم أكن أعرف كيف أعيد دفء الأجواء بعد هذا التوتر المثلج.
لكن عندها—
هاه؟
لقد استغرقت وقتًا أطول مما توقعت لمجرد ذهابها إلى دورة المياه.
وإلى جانبها كان يقف رجل أنيق المظهر، حسن الهندام.
لكن وجهه… بدا مألوفًا على نحو غريب.
“لقد زار دوقيتنا ضيف مميز، فجلبته معي ليلقي عليكم التحية.”
قالت الدوقة بابتسامة مشرقة.
“هذا هو السير هاينمان من مقر القيادة المركزية.”
وفي اللحظة نفسها، انفتح فمي من الدهشة.
فقد تذكرت للتو من هو، من خلال ذكريات كاسيا.
…انتظر، ما الذي يفعله هنا بحق الجحيم؟!
تيرينس هاينمان.
شعر فضي مصفف إلى الخلف، وعينان بنفسجيتان أرستقراطيتان.
من رأسه حتى أخمص قدميه، بدا وكأنه لوحة حيّة تصرخ: أنا نبيل من الدم الخالص.
إنه الابن الثاني لأسرة الماركيز هاينمان العريقة، وضابط رفيع في مقر القيادة المركزية.
مبارز بارع قادر على مجاراة فرسان الـهالة بالسيف وحده—أحد القلة النادرة من النخبة في الإمبراطورية.
وبمجرد تعداد مؤهلاته، يتضح الأمر—كان تيرينس واحدًا من أكثر العزاب طلبًا في الإمبراطورية.
وهذا يعني—
…ألم يكن هناك خطبة سابقة بينه وبين كاسيا الأصلية؟
لكن تلك الخطبة انهارت بسرعة، واللوم كله وقع على كاسيا الأصلية.
لماذا؟
لأنها وقعت في غرام غيسكارد من النظرة الأولى، وطاردته بجنون.
بعد ذلك، أطلق تيرينس حكمًا باردًا وقاسيًا عليها:
“هل أحزنني فسخ الخطبة مع جلالتها؟ أبدًا.”
“لو انتهى بنا الأمر متزوجين، ألم نكن سنعيش تعساء معًا؟”
ورغم أنه حافظ على حدود اللباقة، فإن النبلاء عادةً لا يتحدثون بهذه الصراحة.
لذلك، فأن ينطق “نبيل بين النبلاء” مثل تيرينس بمثل هذا الكلام…
لا بد أنه اعتقد أن كاسيا مثيرة للشفقة تمامًا.
ومن خلال ذكريات كاسيا، كان آخر لقاء لها بتيرينس على الأرجح—
قبل ثلاث سنوات، في حفل ميلاد جلالة الإمبراطور؟
حينها، كانت كاسيا تتشبث بذراع غيسكارد، متجاهلة تمامًا خطيبها تيرينس.
“سير رومانوف، عمّ كنتَ تتحدث مع تلك المرأة؟”
“كيف تبتسم لها—لها—وأنا بجانبك؟”
“هل لأن شعرها أحمر؟ هل يجب أن أصبغ شعري مثله لأرضيك؟ هل هذا ما يجعلك سعيدًا؟!”
كانت كلماتها أشبه بثرثرة مهووسة تخرج من فم مطاردة مضطربة…
يا إلهي.
أغمضت عيني بإحكام.
كاسيا، إلى متى ستستمرين في اختباري بهذه الفضائح؟!
وبينما أدفع شعور الخزي داخليًا بالقوة—
رفعت جفوني ببطء، لأرى تيرينس وقد جلس بطبيعته على الطاولة.
أوووف!
صرخت داخليًا، ودفنت وجهي في طبق الحلوى أمامي.
ومن بين جميع المقاعد، جلس قبالتي مباشرة! ولو لم أحذر، لالتقت أعيننا.
في تلك الأثناء، كانت النبيلات يتفحصنه بنظرات حادة، كنسور تنقض على فريسة.
ثم، بملامح راضية، انهالت الأسئلة دفعة واحدة:
“ما الذي جاء بك إلى الشمال، يا سير؟”
“كم تنوي البقاء هنا في الشمال؟”
“هل هناك سيدة لفتت انتباهك، أم أنك ما زلت بلا رفيقة؟”
انهمرت الأسئلة بلا توقف!
فالعديد من النبيلات كنّ أمهات لفتيات في سن الزواج، ولم يكنّ ليفرطن بمرشح بهذا اللمعان.
وعلى الأرجح، وجدن الاستمرار في الحديث معي غير مريح أيضًا.
أما تيرينس، فقد أجاب بهدوء وانسيابية:
“آه، لدي بعض الأعمال في مقر القيادة الشمالية، ولحسن الحظ تفضل الدوق بدعوتي.”
“أما مدة بقائي في الشمال… فأظن أنها ستعتمد على موعد انتهاء عملي.”
“ولحينها، أود فقط أن أواصل تكريس نفسي من أجل وطني.”
كانت إجاباته كلها مصقولة وراقية، مما جعل عيون النبيلات تتلألأ أكثر فأكثر.
وبينما كان الجميع يضحك ويتحدث بحيوية—
كنت وحدي أشعر وكأنني جالسة على سرير من المسامير…
أوووف، سأموت من الضيق.
شعرت وكأن عسر هضم يطرق معدتي، وغرست شوكتي في قطعة تارت اليقطين أمامي.
آه، صحيح.
تذكرت فجأة أن هناك سؤالًا كنت أود أن أطرحه على الدوقة.
رفعت رأسي على الفور.
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
التعليقات لهذا الفصل " 53"