“لا داعي لذلك، الأمر على ما يرام.”
لكن كاسيا اكتفت بهزّ رأسها بخفّة.
“لقد جئتُ اليوم بصفتي عضوًا في فرسان الفجر اللازوردي.”
قالت ذلك مبتسمة ابتسامة آسرة وهي تفتح باب الحديث.
“يقولون أن الأهم هو طريقة ارتداء المرء لثيابه، أليس كذلك؟”
“عفوًا؟”
“ألا أبدو أنيقة بما يكفي حتى وأنا أرتدي السراويل؟”
“هاها، بلى، تبدين رائعة حقًا.”
عند دعابتها الواثقة، انفجرت الدوقة ضاحكة دون أن تتمالك نفسها.
وفي الوقت ذاته، تفتّحت في قلبها مشاعر غريبة من الترقّب.
‘هل يُعقل أن تكون سموّها… قد نضجت فعلًا؟’
كاسيا… وهي ترفض ارتداء فستان؟ تلك كاسيا نفسها؟
لم تستطع الدوقة إلا أن تتساءل: ما التعبير الذي سيرتسم على وجه زوجها حين يسمع بهذا؟
***
سرتُ خلف الدوقة متّجهتين إلى حديقة القصر الدوقي.
وربما كان ذلك بفضل جهدي الحثيث، الممزوج بالدموع أحيانًا، في محاولة التقرب منها قدر المستطاع.
فعلى الأقل، مقارنةً بلقائنا الأول، كان الجو الآن أكثر لطفًا بكثير.
‘هاه، يا لراحة البال.’
زفرت في سري أنفاس ارتياح، وأنا أتأمل الحديقة من حولي.
وفي اللحظة نفسها، اتّسعت عيناي قليلًا.
“واو، الحديقة فاتنة الجمال.”
“أترين ذلك؟ يسعدني أنك أحببتها.”
عند إطرائي الصادق، ابتسمت الدوقة برقة، وكانت عيناها تبتسمان معها.
هبّت نسمة عليلة عليّ برفق.
وانهمر ضوء الشمس الدافئ بهدوء مبهج.
أما مشهد الحديقة المرتّبة بعناية، المتلألئة بجمالها، فقد كان انعكاسًا صافيًا لذوق سيّدتها الرفيع.
ركن مهيّأ لوقت الشاي، مفروش بمفرش أبيض ناصع لا تشوبه شائبة، تحيط به حلويات ملوّنة فاخرة وشاي عطر.
لقد كان مشهدًا متكاملًا لا غبار عليه.
“أما عن الفستان الجديد من متجر بيللو هذه المرة…”
“أتعلمين، مجموعة التجار التي استثمر زوجي فيها مؤخرًا…”
كانت أصوات تتجاذب أحاديث خفيفة تتردّد من مكان غير بعيد.
إنهنّ الضيفات اللواتي وصلن مبكرًا لحضور مجلس الشاي.
نظرت إليهن بعيني صقر.
‘جميعهنّ أكبر مني سنًا مني.’
إذ لم يكن بينهن تقريبًا أي شابات، بل كانت الغالبية من سيدات النبلاء في منتصف العمر أو أكبر.
فهذا بطبيعته مجلس شاي اجتماعي، يجمع أبرز شخصيات الشمال لمجرد تبادل الأحاديث وربط العلاقات.
ومن الطبيعي أن يكون متوسط الأعمار أكبر مني سنًا.
عندها، تنحنحت الدوقة بخفّة لتعلن عن حضورها، ثم قالت بنبرة رقيقة:
“أتستمتعن بوقتكنّ، سيداتي؟”
“يا إلهي، الدوقة دياز!”
“لقد وصلتِ أخيرًا!”
التفتت السيدات النبيلات إلينا بوجوه مشرقة.
ثم—
“آه.”
في اللحظة التي وقعت أعينهنّ عليّ، تجمّدت ملامحهنّ كليًا.
“……”
“……”
ساد صمت ثقيل محرج.
وظلّ ممتدًا… لبرهة طويلة…
“أ-أميرة؟!”
وبعد لحظة، انتفضت السيدات النبيلات واقفات في ذهول.
ثم أسرعن إلى أداء تحياتهنّ الرسمية.
“إنه لشرف أن نلتقي بسموّكِ.”
“نحيّي الأميرة.”
هممم…
لقد أربكني ردّ فعلهنّ المبالغ فيه قليلًا، لكنني سرعان ما أدركت السبب.
“حسنًا… بالنظر إلى السمعة السيئة التي خلّفتها كاسيا الأصلية…”
فمجرد ما أعلمه عن الأفعال المروّعة التي ارتكبتها كاسيا حتى الآن يكفي…
أنها أمسكت بشعر إحدى السيدات فقط لأنها تبادلت بضع كلمات مع جيسكار.
سكبت كأس نبيذ في وجه أخرى لمجرد أنها رأت فيها قلة احترام.
أحدثت ضجة لأنها لم تعجبها زاوية انحناءة أحد السادة في تحيته لها.
ولطمت سيدة فقط لأنها ارتدت فستانًا مصنوعًا من نفس القماش الذي ترتديه، متهمةً إياها بالسخرية منها…
… فلنكتفِ بهذا.
“إنه لبهجة عظيمة أن أُستقبل بترحاب حار منكن جميعًا.”
أجبت بأقصى ما أستطيع من دفء، عارضةً أفضل ما عندي من لباقة اجتماعية.
لقد كان جهدي الخاص في محاولة إذابة الجليد الذي جمّد الأجواء.
“اليوم، لم آتِ بصفتي أميرة، بل كعضو في فرسان الفجر اللازوردي، لذا أرجو أن تعاملنني على سجيّتكن.”
ولم أنسَ أن أبتسم ابتسامة مهذبة.
لكن التوتر المرسوم على وجوه السيدات لم يظهر عليه أي علامة ارتخاء.
“آه، ما أوجع هذا الشعور.”
غمرتني فجأة كآبة شديدة.
فالأصل أنّ كاسيا هي من تسبّبت في كل تلك الفوضى—فلماذا أُرغمت أنا على تنظيف آثارها؟
إنه لظلم فادح!
***
ما أن خرجت الدوقة من الحديقة حتى التفتت إلى الخلف بنظرة يملؤها الشك.
وفي البعيد، كانت ترى كاسيا تبتسم بوجه مشرق.
هل سيكون الأمر بخير؟
فبعد أن قدّمت كاسيا إلى السيدات النبيلات،
تذرعت بأنها ستذهب إلى دورة المياه لبعض الوقت.
وبذلك، تُركت كاسيا وحدها على طاولة الشاي بصحبة النبيلات.
…مع ذلك، يبدو أن سمو الأميرة قد نضجت قليلًا.
فصحيح أنّ كاسيا كانت دومًا متغطرسة ومتعجرفة،
لكن كاسيا اليوم بدت مختلفة بعض الشيء.
لقد تصرفت بأدب، واستطاعت أن تراعي مشاعر الطرف الآخر.
إذن—
على الأقل، ربما لن تثير جلبة مفاجئة كما كانت تفعل سابقًا.
أومأت الدوقة لنفسها وهي تسرع بخطاها عبر الممر.
*
…لكن الأمور لم تكن بخير أبدًا.
ففي الوقت القصير الذي غابت فيه الدوقة،
اندلعت حرب كلامية حادة على طاولة الشاي.
في البداية، تصلبت ملامح النبيلات أمامي كفئران تواجه مفترسًا.
لكن حين جلست بهدوء أرتشف الشاي فحسب، عدن تدريجيًا ليتفتحن بالثرثرة.
“سمعت أن زينة الدانتيل الموشاة بالورود رائجة هذه الأيام في العاصمة.”
“آه، نعم، منذ أن ارتدتها الليدي غلين وهي في ازدياد شعبية… أوبس.”
توقفت السيدة النبيلة التي كانت تتحدث في منتصف الجملة غريزيًا، ثم رمقتني بنظرة سريعة.
فالكل يعرف أن كاسيا، في القصة الأصلية، لم تكن تطيق أن تنال أي امرأة أخرى الاهتمام غيرها.
لذا استطعت أن أفهم سبب ارتباكها.
هذا مزعج قليلًا.
وكأنني مرض مُعدٍ!
ابتسمتُ ابتسامة مشرقة، مطمئنة.
“آه، إذن الليدي غلين هي من بدأت موضة الدانتيل الموشى بالورود؟”
أظهرت أنني أشارك في الحديث،
“أرى… هذا جميل.”
أجبت بخفة، ثم توقفت.
لأن النبيلات كن يحدّقن بي في ذهول.
هاه؟ هل قلت شيئًا خاطئًا؟
لا أظن. لقد تعاملت مع الأمر بسلاسة، أليس كذلك؟
وبينما أدرت عيني بتفكير، أضفت:
“الليدي غلين جميلة جدًا، وأظن أن الدانتيل الموشى بالورود يليق بها كثيرًا.”
“……”
“……”
ها هي النظرة مجددًا.
نظرة صدمة وخوف وغرابة—كأنهن يشهدن لغزًا كونيًا عصيًا على الفهم.
عقدت حاجبي قليلًا.
أوف، لا بأس.
فلست ممن يراقب ردود فعل الناس طوال الوقت.
لذا قررت أن أتوقف عن الاهتمام بما تفكر فيه النبيلات.
بمعنى آخر، تناولت بعض الحلويات بهدوء.
فمهما فعلت، سيُعتبر مجرد سلوك آخر من سلوكيات الأميرة الجامحة على أي حال.
واو، هذا لذيذ.
قضمت قطعة مادلين واتسعت عيناي.
كانت رائحتها قوية بالبرتقال—لعلهم أضافوا قشوره؟
الفرسان سيحبون هذا لو خبزته لهم.
ربما علي أن أمرّ بالمطبخ في طريقي للعودة وأسألهم عن وصفتها.
وبينما كنت غارقة في نكهات الحلوى—
كانت النبيلات قد استرخين من جديد واستأنفن أحاديثهن.
ثم—
“بالمناسبة، هل سمعتن الأخبار عن الليدي موريوس؟”
“آه، تلك السيدة الغريبة الأطوار؟”
غريبة الأطوار؟
أنا، التي كنت مشغولة بتذوق تنوع الحلويات، أصغيت باهتمام.
الليدي موريوس… أليست ابنة أسرة الفيكونت موريوس؟
تلك الأسرة التي خدمت لسنوات طويلة كأطباء مقيمين لدى دوقية ديـاز.
فلماذا ينعتونها بالغريبة؟
وسرعان ما جاء الجواب.
“بصراحة، الليدي موريوس تبالغ في أشياء كثيرة.”
“حقًا، هل تصدقن أن سيدة تخرجت من كلية الطب؟”
“أنا ممتنة جدًا أن ابنتي تتلقى دروسها بهدوء لتصبح عروسًا صالحة.”
ومن هنا بدأ التمزيق.
فقد انطلقت النبيلات يمزقن سمعة الليدي موريوس إربًا إربًا بألسنتهن، وكأنهن يمضغنها بمذاق مستساغ.
“يقال إنها حتى افتتحت عيادة خاصة بها.”
“آه، سمعت ذلك أيضًا. لم تحضر حفلة الشاي هذه لأنها مشغولة بإدارة عيادتها.”
خفضت النبيلات أصواتهن إلى همسات.
“لكنني سمعت أنها لا تملك مريضًا واحدًا.”
“ومن أصلًا سيرغب في أن يُعالج عند طبيبة مبتدئة؟”
وتحت ستار القلق والاهتمام، كان التحقير يتسرب بين كلماتهن.
المراوح المفتوحة على مصراعيها، والابتسامات الساخرة المخبأة أسفلها.
“الليدي موريوس بلغت سن الزواج، ومع ذلك لا تفكر مطلقًا في إيجاد زوج مناسب… هذا حقًا ما يقلقني. ألا توافقنني؟”
*طبعا حسب خبرتي المتواضعة غالبا هذي الطبيبة بتوظفها البطلة عندهم، عشانها قالت ان ما عندهم طبيب بفرقة الفرسان*
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
التعليقات لهذا الفصل " 52"