بينما كانت العربة تجتاز البوابة الضخمة للقلعة، بدا أمام الأعين مشهد مدينة نابضة بالحياة.
عاصمة الشمال، دوقية دياز.
ورغم ما يعدّ عائقًا لكون البوابة البُعدية تقع في الشمال، فإن دوقية دياز كانت تتمتّع بدرجة من التطوّر تضاهي العاصمة نفسها.
كان المارّة في الشوارع يرتدون أزياء أنيقة، والشوارع نظيفة ومصونة بعناية.
ومن بين كل ذلك، كان أبهر ما يلفت النظر هو…
“لابد أن تلك هي قلعة دياز.”
قالت كاسيا وهي تشير من النافذة.
هنالك، على مرتفع يطلّ على الدوقية المترامية الأطراف، قامت قلعة هائلة شامخة.
لم تكن قصراً مترفًا فخم الزينة كقصور العاصمة المعتادة، بل حصناً عمليًا صُمِّم ليتحمل الحصار والشدائد.
وقد أخذت القلعة تكبر شيئًا فشيئًا عبر التوسعات المتكررة عبر الزمن، حتى غدت كتلة عظيمة شاهقة تتجاوز العربة المارة تحت ظلها.
وبعد وقت قصير—
“مرحبًا بكما، كلاكما.”
“إن الدوق والدوقة في انتظاركما.”
بإرشاد مؤدب من أحد الخدم، خطت كاسيا وجيسكار داخل القصر الدوقي.
كان الدوق والدوقة قد انتظراهما في قاعة الاستقبال، فاستقبلاهما بوجوه باسمة.
‘إذن فهذان هما.’
راحت كاسيا تراقب الزوجين بعيني صقر.
حاكم الشمال، الدوق دياز.
رغم أنه في منتصف العمر، فإن ملامحه الوسيمة، الموروثة عن عائلة نبيلة عريقة، لم تخبُ بمرور الزمن.
بل بدا وكأنه من ذلك الصنف من الرجال الذين أذرفوا دموع كثير من النساء في شبابهم.
وعلى النقيض منه، بدت الدوقة للوهلة الأولى بسيطة المظهر.
غير أنّ شموخ جلستها، مقرونًا بالوقار الذي اكتسبته عبر أعوام طويلة بصفتها سيدة هذا البيت، منحها حضورًا لا يُستهان به.
“لقد مر وقت طويل، يا قائد الفرسان رومانوف.”
كان الدوق أول من خاطب جيسكار معترفًا به.
“لا شك أن رحلتك الطويلة كانت شاقّة.”
أضافت الدوقة بكلمات دافئة.
في الوقت نفسه، ألقى الدوق نظرة سريعة على كاسيا.
“إذن قدِمتِ، أيها المسؤولة الإدارية أستريد؟”
كان اللقب الذي استخدمه لمخاطبتها هو، كما توقعت، ‘المسؤولة الإدارية أستريد’.
‘همم…’
ضيّقت كاسيا عينيها.
فمع أنّه كان يبتسم ابتسامة تبدو مريحة، فإن حدّة بصره المتفحّص لملامحها فضحته.
كان واضحًا أنه يحاول استشفاف ردّ فعلها.
لو كانت هذه كاسيا القديمة…
‘لما ترددت في الصراخ: كيف يجرؤون على إهانة أميرة مثلي!’
بل بالأحرى، لكانت قد ثارت غضبًا منذ لحظة تلقّيها دعوة كهذه، واقتحمت قصر دياز عنوة.
فقد كانت كاسيا القديمة أسيرة شعور متضخم بالاستحقاق.
لكن كاسيا الحالية كانت مختلفة.
“إنه لشرف لي أن ألتقي بكما، يا دوق ويا دوقة.”
وضعت يدها على صدرها وانحنت أمامهما بانحناءة مهذبة دون أي تردد.
كانت تلك تحية رسمية لفرسان المملكة.
سمعت في المكان صوت نفسٍ مكتوم يُسحب بدهشة.
فبالطبع، كاسيا أميرة، ومن حيث المبدأ كان على الدوق والدوقة أن يبادرا أولًا بالتحية الرسمية.
غير أنّها الآن حضرت لا بصفتها أميرة، بل بصفتها عضوًا في فرسان الفجر اللازوردي، وعلى الصعيد الشخصي، فهما أيضًا خالها وخالتها.
لذلك كانت كاسيا هي من انحنت أولًا.
وعند ذلك المنظر، مرّت لمحة دهشة في عيني الدوق والدوقة.
‘إنها لا تثور كالمهرة الجامحة التي عهدناها.’
بدا على ملامح الدوق أثر رضا خفيف.
‘يا للدهشة… إنها المرة الأولى التي أرى فيها سموها تتصرف بهذا الاتزان.’
أما الدوقة، ورغم دهشتها، فقد أخفتها سريعًا بمهارة متقنة.
وبعد لحظات، تكلّم الدوق بنبرة هادئة بعض الشيء:
“هل أستطيع أن ألتمس من المسؤولة الإدارية أستريد تفهّمها للحظة؟”
“وما الأمر؟”
“أرى أنه من الضروري أن أعقد حديثًا خاصًا وجيزًا مع القائد رومانوف.”
ثم التفت نحو الدوقة، وكانت النظرة التي رنا بها إلى زوجته مفعمة بالودّ الاستثنائي.
“وفي هذه الأثناء، ما رأيكِ أن تنتقلي إلى مجلس الشاي مع زوجتي؟”
“بالطبع، لا بأس بذلك.”
أومأت كاسيا بخفة.
وعند تلك الإجابة، بدا على الدوق أثر دهشة خفيفة مرة أخرى، لكنه لم يقل شيئًا، بل التفت إلى جيسكار.
“هل نذهب إذن؟”
“نعم، لنفعل.”
***
وهكذا خرج الدوق وجيسكار من القاعة.
حينها التفتت الدوقة إلى كاسيا بابتسامة دافئة:
“فلنذهب نحن أيضًا إلى مجلس الشاي، يا صاحبة السمو.”
الآن وقد خلت القاعة إلا منهما، عادت صيغة المخاطبة إلى ‘يا صاحبة السمو’.
إذ بدا أن الدوقة، وقد اعتادت أن كاسيا القديمة لم تكن لتكبح جماح غضبها، قد قصدت أن تراعي مشاعرها.
“أواه، يا خالتي، لا داعي لمثل هذه الرسمية.”
قالت كاسيا بخفة، تضفي على الجو لمسة مرحة.
وبتلك الكلمات، لم تستطع الدوقة إخفاء ذهولها.
‘هل قالت لتوها: يا خالتي؟’
لبرهة، ساورتها الشكوك إن كانت الفتاة التي أمامها هي حقًا كاسيا نفسها.
ولم يكن ذلك بغريب.
لقد كانت كاسيا المتغطرسة المتعجرفة تسير دومًا مختالة، مطالبةً حتى من خالها وخالتها أن يظهرا لها الاحترام الكامل لمجرّد كونها أميرة.
غير أنّ كاسيا هذه المرّة اكتفت بابتسامة محرجة، متجنّبةً نظرات الدوقة المليئة بالشك.
“نعم، أعلم… إنه أمر غريب، أليس كذلك؟”
لكن لكاسيا أسبابها الخاصّة.
فقد كان الدوق والدوقة من أشهر الأزواج في المجتمع النبيل، معروفَين بأنهما ثنائي متحاب لا ينفصم.
وفوق ذلك، كانت كاسيا الآن في موضعٍ تضطر فيه إلى تقديم طلب متواضع إلى دوق دياز—طلب أن يصلها بالمعهد الإمبراطوري لأبحاث القدرات الخارقة.
إذن، ألن يكون من الأفضل، إن أمكن، أن تكسب ودّ الدوقة؟
“رجاءً، ناديني كاسيا فقط حين نكون على انفراد. حسنا؟”
عندها، حدّقت الدوقة في كاسيا صامتةً، بنظرة عصيّة على الفهم.
وقد وجدتها كاسيا نظرة مألوفة بشكل غريب.
إنها النظرة نفسها التي كان جيسكار يوجّهها إليها أحيانًا…
كيف تصفها؟ كانت أشبه بنظرة حائرة، كما لو أنّ الناظر يواجه لغزًا كونيًا لا سبيل إلى حله.
لكن الدوقة، بما تملكه بالفطرة من لباقة اجتماعية رفيعة، تماسكت سريعًا.
“حسنًا إذن، أشكركِ على لطفكِ.”
ابتسمت الدوقة ابتسامة رقيقة، تزيّنها عينان منحنية بدفء.
“على العكس يا خالتي، لا شكر على واجب.”
بادلتها كاسيا ابتسامة مشرقة.
***
سارت المرأتان في الممرّ الطويل، تتبادلان أطراف الحديث.
“أليست الحياة في سلك الفرسان شاقّة؟”
“همم… سيكون كذبًا إن قلت أنها ليست صعبة أبدًا… لكنها، بالرغم من ذلك، مُجزية.”
“مجزية؟”
اتّسعت عينا الدوقة دهشةً.
فسارعت كاسيا لتقدّم جوابًا بدا وكأنه مُعدّ مسبقًا بعناية:
“فرسان الفجر اللازوردي هم الخط الأمامي الذي يحمي لا الشمال وحده، بل الإمبراطورية بأسرها من وحوش الظلام، أليس كذلك؟”
ارتسمت على شفتي كاسيا ابتسامة تعلوها مسحة من الاعتزاز.
“أنا سعيدة لأني أستطيع أن أكرّس نفسي في خدمة أبطال الإمبراطورية.”
ظلّت الدوقة تنظر إلى كاسيا في صمت.
فكاسيا لم تكن من النوع الذي يُحسن إخفاء مشاعره عادةً.
إذ اعتادت أن تعيش حياتها كما يحلو لها، دون أن ترى يومًا داعيًا لإخفاء ما يختلج في قلبها.
غير أن كاسيا هذه، في هذه اللحظة…
“إنها تبدو سعيدة.”
كان واضحًا أنه لا يوجد في ملامحها أدنى أثر لضجر من فرسان الفجر اللازوردي.
بل على العكس تمامًا، بدا أنها تكنّ محبة حقيقية لذلك السلك الفروسي.
“همم…”
انتشر الفضول على صفحة وجه الدوقة بأسره.
فالحق أنها لم تكن تعقد أي آمال على كاسيا على الإطلاق.
صحيح أن الشائعات تقول إن حال فرسان الفجر اللازوردي قد تحسّن كثيرًا منذ انضمام كاسيا إليهم…
لكن، أليست هذه هي تلك كاسيا نفسها؟
الفتاة التي عاشت حياتها بأسرها كمشاغبة متهوّرة؟
هل يمكن لمجرّد تصرّف حسن واحد أن يقلب صورتها رأسًا على عقب؟
لم يساورها الشك لحظة أن تلك الأقاويل ليست سوى شائعات أخرى لا تختلف عن سابقتها.
حتى في هذه المرة، كانت تتوقّع تلقائيًا أن تظهر كاسيا مرتدية إحدى فساتينها الفاخرة المعتادة، تسير متبخترة مزهوّة بنفسها وكأنها الأفضل.
“وعلى ذكر ذلك، هذه هي المرة الأولى التي أراكِ فيها ترتدين بنطال الزي الرسمي بدلًا من فستان في لقاء اجتماعي، يا كاسيا.”
قالت الدوقة ذلك بنبرة عابرة، كأنها تلقي اختبارًا خفيًا.
“إن احتجتِ يومًا، يمكنني أن أهديكِ فستانًا أو اثنين.”
••••◇•••••••☆•♤•☆•••••••◇••••
ترجمة : 𝑁𝑜𝑣𝑎
تابعونا على قناة التلغرام : MelaniNovels
التعليقات لهذا الفصل " 51"