توقفت قليلًا أراجع حياتي بجدية، بينما وضعت الخادمات الخجولات أيديهن عليّ.
[الأميرة الأولى المتغطرسة أربيلّا، الأكثر تعاليًا بين أفراد العائلة الملكية، لم تعامل جوديث، المولودة من العبودية، كإنسانة منذ البداية.]
وفجأة، عاد محتوى ذلك الحلم إلى ذهني.
ذلك الكتاب… ما حقيقته بالضبط؟ لا تخبروني أنني رأيت حلمًا نبوئيًا بالفعل؟
لم يكتفِ الكتاب بالتنبؤ بمستقبل جوديث، بل احتوى أيضًا على معلومات شخصية عنها لم أكن أعرفها إطلاقًا.
ولا أستطيع وصف مقدار الصدمة التي شعرت بها بعد تطابق الأحداث خلال الأيام العشرة الماضية.
«إنه يبعث على القشعريرة فعلًا…»
«هل تشعرين بالبرد، صاحبة السمو؟»
أخذت الخادمات من حولي كلماتي العابرة على محمل الجد.
«لا، كنت أفكر فقط.»
في الحقيقة، وصف «الأميرة المتغطرسة» الملتصق بي قد لا يكون خاطئًا تمامًا.
لكنني كنت أستحقه.
فأنا، مهما نظرتِ، الأميرة الإمبراطورية الأولى لإمبراطورية كاموليتا، ومن سلالة الألماس.
لم أكن فقط ابنة الإمبراطورة، بل أنحدر من أنقى وأصفى دمٍ إمبراطوري، إذ كانت والدتي من دوقية دلفينيوم، إحدى العائلات الثلاث العظمى ذات الفضل التأسيسي منذ قيام الدولة وحتى اليوم.
وفوق ذلك، أمتلك قوة سحرية هائلة، لدرجة أن أعظم السحرة لا يستطيعون قياس مقدارها.
وإضافةً إلى ذلك، أتمتع بمظهرٍ فاتن يُعجب به الجميع، وذكاءٍ يُشهد له، لذلك لم يكن من المبالغة القول إنني مرشحة لخلافة الإمبراطورة.
منذ لحظة بكائي الأولى¹، امتلكت كل ما يحسدني عليه الآخرون، ولم يكن هناك شيء لا أستطيع الحصول عليه إن أردته.
كان الجميع يمدحني حتى وأنا أتنفّس أو أمشي، وكل ما أريده يصبح لي فورًا دون أي تردّد.
‘أنا الأعظم.’
‘أنا مميّزة.’
‘أنا الأفضل!’
كانت هذه أفكار الطفلة السليمة، الجريئة التي كنتها يومًا ما.
كنت فخورة جدًا بنسبي، وكنت أميل إلى النظر بازدراء إلى إخوتي غير الأشقاء المولودين من السراري.
لكنني لم أقم يومًا بتصرفٍ أحمق يُظهر تلك المشاعر علنًا.
كنت المختارة، المتفوّقة، المختلفة عن الآخرين، ولذلك كنت أعلم أن عليّ أن أحتوي من يفتقرون لما أملكه.
وبالفعل، عشت حياتي كأميرةٍ متسامحة كريمة.
لكن في ذلك الكتاب المزعج، صُوّرتُ على أنني متعصّبة للنسب، أميرة متغطرسة متحجرة بالغرور، ولم يكن أمامي إلا أن أغضب.
«لم أرَ أمي منذ فترة، يجب أن أذهب لرؤيتها.»
«نعم، سأُعدّ الأمر.»
بعد الانتهاء من الاستحمام، قررت الخروج بدافعٍ مفاجئ.
وقبل أن أغادر الغرفة، نظرتُ إلى المرآة أمامي.
كان شعري الذهبي الناعم منسدلًا أسفل كتفيّ كسماءٍ مرصعة بالنجوم الحلوة، وعيناي الطويلتان الحادتان بلون الزبرجد الأزرق.
ملامحي واضحة، ووجهي جميل يمكن تمييزه في أي مكان. كما أن ذوقي كان ميّالًا إلى البذخ، فكانت ملابسي وحُليّي لامعة دائمًا.
لكن، لسببٍ ما، شعرت اليوم بعدم ارتياحٍ تجاه مظهري.
غادرت الغرفة، وبقي شعورٌ خفيف بالغرابة عالقًا في ذهني.
ما إن غادرت القصر الإمبراطوري الأول، حتى غمر بصري ضوءٌ ساطع.
منذ متى لم أتعرّض لأشعة الشمس؟
لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة رأيت فيها الشمس، بسبب اضطراري للاستلقاء كثيرًا نتيجة مرضي المزمن.
كانت مارينا تهتم بكل شيء جيدًا، لكن بعض الجداول أُلغيت هذه المرة بشكلٍ غير متوقّع، ففكرت أنني سأحتاج لمراجعتها مساءً.
الناس الذين لا يعرفون شيئًا عني كانوا يظنون أن طبيعتي المتقلبة هي سبب تغيّبي المفاجئ عن المواعيد.
ولم أحاول تصحيح هذا الظن.
بل كان ذلك مقصودًا إلى حدٍّ ما.
كنت أفضّل أن أُعرف كأميرة متغطرسة على أن يعرف العالم الخارجي عن مرضي، ذلك الضعف الذي لا أريد كشفه.
«جلالتها في الحديقة الخلفية.»
«إذًا لنتوجّه إلى الحديقة الخلفية.»
بعد وقتٍ قصير، وصلنا إلى قصر الإمبراطورة، ثم قادونا إلى الحديقة الخلفية.
كان من النادر أن أرى أمي على هذا النحو. بدا وكأن شهرًا كاملًا قد مرّ منذ آخر مرة التقيت بها.
لم يكن من السهل رؤية وجه أمي إلا إذا ذهبتُ للقائها شخصيًا أو صادفتها في مناسبة رسمية.
حتى هذه المرة، لم تأتِ لتتفقدني حين كنت مريضة.
حين كنت صغيرة، كنت أحب أمي بشدة وأقضي معظم وقتي في قصر الإمبراطورة، لذلك كان كل منظر أراه الآن مألوفًا لي.
لكن في يومٍ ما، توقفتُ عن البحث عنها دون وعي.
‘أظن أن ذلك كان قبل نحو عامين، عندما توقفتُ عن المجيء إلى قصر الإمبراطورة.’
كما أن أمي توقفت منذ زمن عن زيارة قصري.
في الأصل، لم تكن علاقتنا وثيقة جدًا.
كنت ابنتها الوحيدة، وغمرتني بالحب منذ لحظة ولادتي… لكن منذ ذلك الحين، بدأت أمي تتغيّر.
«أمّي!»
في تلك اللحظة، أوقفني صوتٌ طفولي مشرق.
دخلت رائحة الزهور الخفيفة إلى أنفي وأنا أقترب من مدخل الحديقة الخلفية.
«ميريام، أميرنا. الركض بهذه السرعة خطير. ماذا ستفعل إن أصبتَ؟»
تبع صوت الطفل الزاهي صوتُ امرأة مليء بالحنان الشديد.
وسرعان ما ظهرت أمامي الشخصيتان خلف النباتات الخضراء الكثيفة.
امرأة جميلة بشعرٍ أشقر وعيونٍ حمراء، تجلس إلى طاولة شاي في الحديقة.
وصبيّ صغير يركض فوق العشب، يتطاير شعره الذهبي مثل شعرها.
فتحت المرأة ذراعيها واحتضنت الطفل الذي اندفع نحوها، ثم ابتسم لها بعينيه الحمراوين المنحنيتين فرحًا.
«أمّي، هذه هدية! صنعتها بنفسي!»
«يا إلهي، ما أجمل إكليل الزهور هذا.»
«سأضعه على رأسك!»
ضحكت المرأة وهي تنظر إلى الإكليل غير المتقن، الذي لا بد أنه صُنع بعناية بأيدٍ صغيرة.
«شكرًا لك، يا صغيري.»
لم أقترب منهما، بل ابتعدت قليلًا أراقب المشهد.
«كانت مع ميريام.»
«نعم، الأمير زارها فجأة…»
كان الاثنان هما أمي، الإمبراطورة شيريل، والأمير الثالث، ميريام.
كنت الابنة الوحيدة للإمبراطورة في كاموليتا قبل ولادة ميريام.
ميريام، الذي يبلغ الآن خمس سنوات، هو شقيقي الوحيد الذي يشترك معي في الأم والأب.
شعرت بوخزةٍ في قلبي وأنا أنظر إلى المشهد الحميم بينهما، وكأنني أصبحت ضيفة غير مرغوب فيها، رغم أنني من أتيت أولًا بعد إبلاغٍ مسبق.
كنت أريد أن أقول شيئًا لأمي بعد طول غياب.
أمّي، لقد رأيت حلمًا غريبًا.
رأيت كتابًا مجنونًا يقول إنني سأموت قبل أن أعيش حياتي.
أنا التي وُلدت أملك كل شيء، وأُحببت، لكنني في المستقبل سأزحف على الأرض كدودة، رثة، وأموت وحيدة بلا شفقة.
لكن الأمر غريب… فكل ما في ذلك الكتاب يتحقق.
ولهذا…
لهذا أنا خائفة يا أمي…
«أشعر بدوار لا أستطيع تحمّله. سأعود إلى القصر.»
لكن في النهاية، لم أستطع قول كلمة واحدة، وابتلعت كل ما أردت قوله.
«أخبري والدتي.»
«هل تودّين التحدث مباشرة إلى الإمبراطورة؟»
«يكفي اليوم.»
مشهد أمي مع ميريام جعل قلبي يثقل بالمرارة.
وقبل أن أستدير، شعرت للحظة وكأن نظراتنا التقت.
لكنها لم تمنعني.
استدرت وسرت في الطريق الذي جئت منه.
«لم ترَ الأميرة جلالتها منذ مدة، لما لا تتناولين بعض المرطبات وتتحدثين معها؟»
التعليقات لهذا الفصل " 3"