لأن المسافة إلى القصر الإمبراطوري لم تكن بعيدة، وصلنا أسرع مما توقعت.
وبما أنّ الأمر بطبيعة الحال يدخل ضمن مسار الزواج (العقدي)، لم أشعر بشيء خاص أثناء التحضير، لكن ما إن ظهر القصر الإمبراطوري أمام عيني حتى شعرت وكأن قلبي ينكمش.
ولأهدّئ نفسي، أخذت نفسًا عميقًا، وأدخلت القصر الإمبراطوري الذي يُرى من النافذة إلى ناظري بهدوء.
لم يكن فخمًا مثل معبد ماياريا، لكن بدلًا من ذلك كان يلفّ القصر جوّ من الوحدة والوحشة.
وعندما فكرت بأن هذا هو المكان الذي صمد فيه أوست الإمبراطور، والذي تحمّل فيه إلياس ليبقى على قيد الحياة، شعرت بثقل يخنق صدري.
لكن لم يكن هذا وقت الانغماس في التأمل.
‘اعتبارًا من اليوم، سأكون الشخص الذي خدع الإمبراطورية بأكملها خداعًا كاملًا.’
حتى عندما تقمّصت هذا الجسد لأول مرة، لم أتخيل أن يأتي يوم أخدع فيه حتى جلالة الإمبراطور.
من أدنى مكان إلى أعلى مقام، خدعت الجميع بلا تمييز، وكأنني حققت توحيدًا شاملًا للإمبراطورية.
‘يا جلالة الإمبراطور، سأكون حتمًا قوةً للأمير إلياس، وسأجعله قادرًا على فعل كل ما يريد. لذا، تفهّم من فضلك كنّتك (العقدية).’
لم يعد هناك وقت للتردد.
‘ما دمت سأفعلها، فلأفعلها بإتقان. بخداعٍ تام، دون أن يشعر أحد. هكذا فقط لن يُجرَح أحد.’
في النهاية، الحياة كلها ميدان معركة، وأنا دائمًا قوية في المواجهة الحقيقية. هتفت في داخلي “فايتنغ”، ثم نهضت.
طَق طَق.
ما إن طرقت باب العربة حتى فُتح، وكان إلياس، الذي نما وأصبح رائعًا، يقف أمامي.
كان مظهر الأمير إلياس داخل القصر الإمبراطوري أشبه بلوحة فنية. سيد القصر الإمبراطوري، مرتديًا ثيابًا تلائمه تمامًا. بل إن القصر الإمبراطوري المهيب نفسه تحوّل فورًا إلى مجرد خلفية تُبرز كماله…
كان من الواضح أن إلياس وُلد ليصبح إمبراطورًا.
كيف له أن يجرؤ على طرد شخص يستحق عقوبة مؤبدة على الأقل من القصر؟ لم أستطع السماح بذلك.
عندما أمسكت بيده ونزلنا من العربة، قبّل إلياس ظهر يدي برقة.
“مرحبًا بك في القصر الإمبراطوري، لين.”
“شكرًا على دعوتك… آه… سيدي الأمير.”
اليوم كان يومًا يُركز على الاحترام أكثر من التفاخر، لذا أسرعت بتصحيح طريقة مناداته لي.
كان إلياس رجلًا سريع الملاحظة، ويبدو أنه فهم قصدي دون أن أضطر للشرح.
“جلالة الإمبراطور ينتظرنا. لننتقل مباشرة.”
“نعم، سيدي الأمير.”
بعد تبادل التحية، بدأنا المشي نحو القصر الإمبراطوري. الطريق من البوابة إلى القصر كان مصفوفًا بعناية، وجماله أخّاذ.
“مكان رائع حقًا.”
“لطالما اعتقدت ذلك، لكن اليوم تغير رأيي. أمام لين، حتى حدائق القصر تبدو بسيطة.”
توقفت للحظة من الدهشة.
‘واو! هل هذا يُعد تمثيلًا منه؟ لا بد أن أعترف بذكاء الأمير وسرعة بديهته.’
أدركت لماذا خانت الإمبراطورة سييرا لعقود حياته المزدوجة دون أن تشك.
تمثيل دور العاشق الوهمي مع شريك متعاون بهذا الإتقان، فكيف كانت أدوار الأمير المنفردة؟ لم أكن بحاجة لرؤيته لأعرف.
‘لو أصبح ممثلًا حقيقيًا، لكان حصد جائزة أفضل ممثل رئيسي. هل وُلد في الزمن الخطأ؟ أم ربما وُلد في الزمن المناسب لأنه أمير بالفعل؟’
بينما كنت محتارة بين أمير محظوظ وممثل مشهور، مترددة بين الثراء والشهرة، جاءني صوت رقيق ودافئ.
“هذا هو القصر الإمبراطوري، لين.”
“نعم، سيدي الأمير.”
كان القصر الإمبراطوري يتباهى بعظمته، كأنه يظهر ازدهار الإمبراطورية في الماضي. شعرت بشيء من الانكماش أمام هذا المكان.
وعندما فكرت بأنني سألتقي هنا بأعلى رتبة في الإمبراطورية، الإمبراطور نفسه، شعرت بقلبٍ يرفرف بلا سبب.
بالطبع، حاولت تحليل شخصية الإمبراطور استنادًا إلى أحداث الرواية الأصلية. لكن التحليل العقلي لا يمكن أن يمنع المشاعر من إثارة شيء آخر بداخلي.
‘كيف سيكون الإمبراطور؟’
من الطبيعي أن أشعر بالتوتر، خصوصًا أنني لم أعش من قبل على قمة الهرم، بل حتى بعد أن تجسدت في شخصية سيئة من عامة الشعب، شعرت بالخوف.
‘لا، لا بأس. في النهاية هو نفس الشخص، ونحن مرتبطان بعقد، وأنا أيضًا حبيبة الأمير. صحيح أن رتبة الأمير ليست أعلى مني، لكن…’
وعندما وجهت نظري إليه بدافع الحنان، التقيت بعيني إلياس، حيث كانت زاوية عينيه تتدلّى قليلاً بشكل لطيف.
إلياس الآن، كان الأمير الغارق في الحب، بلا أي أثر للتعاسة التي كنت أتوقعها.
رؤية إلياس يبذل أقصى جهده في الوضع الحالي جعلتني أشعر أن عليّ أنا أيضًا أن أبذل جهدي كاملاً كطرف في هذا العقد.
“هل سندخل الآن؟”
“نعم، سيدي الأمير.”
كان جو القصر الإمبراطوري الداخلي مختلفًا تمامًا عن ما كان يبدو من الخارج.
لو أردت وصفه بطريقة لطيفة، يمكن القول إنه متواضع وبسيط، ولو أردت التعبير بقسوة، لقلت إنه متواضع إلى حد البساطة المفرطة، بل وحتى…
فجأة، تذكرت المعابد، تلك التي كانت داخلها وخارجها كلها فخامة وبهرجة.
‘إنه مظهر مباشر لقوة العائلة الإمبراطورية وقوة الطائفة.’
في الرواية تم وصف القصر الإمبراطوري بأنه متواضع، لكن عند مشاهدته على أرض الواقع، شعرت أن هذا الوصف كان أقل من الحقيقة.
‘طائفة ماياريا تكاد تدمر الدولة، وتريد قتلي أيضًا. على أي حال، لم أرَ قط شخصًا شريرًا يفعل شرًا واحدًا فقط. كل شرير يوزع أذيته على الجميع.’
كلما عرفت أكثر عن الإمبراطورية، ازداد غضبي تجاه الطائفة.
وكان التهديد المتعجرف بعد اختبار القوة الإلهية يرهقني ويجعلني متوترة. لم أفهم أبدًا سبب إصرارهم على متابعة الأمور بهذه الطريقة.
‘عَدُو عدوك صديقك، صحيح؟ سأفعل كل ما بوسعي لأضع إلياس على عرش الإمبراطورية.’
“لين… لين؟ لين؟”
صوت مفاجئ أوقف تفكيري، فالتفت إليه.
“لين، يبدو أن لديك الكثير من الأفكار اليوم.”
“آه! عذرًا. أظن أنني مشغولة بالتفكير لأن هذه أول مرة أزور فيها القصر الإمبراطوري. إنه مكان يثير الكثير من الأفكار. من الآن فصاعدًا سأركز ولن أشغل بالي بأي شيء آخر، فلا تقلق.”
أومأ إلياس برأسه، وفتح الخادم الباب أمامنا.
لم يستدعنا الإمبراطور إلى غرفة العمل أو قاعة الاستقبال الرسمية، بل إلى غرفة استقبال خاصة. كان واضحًا أنه يريد مقابلتي ليس كإمبراطور، بل كأب.
كانت غرفة الاستقبال بسيطة، تحتوي على خزانات، وأرائك، وطاولة، لكنها بدت دافئة ومريحة. ولدهشتي، شعرت براحة كبيرة، فتلاشى التوتر بسرعة.
لم تمضِ فترة طويلة بعد وصولنا حتى دخل الإمبراطور أوست غرفة الاستقبال.
لطيف ووسيم، لكن ملامح وجهه توحي بأنه عانى كثيرًا في حياته، ما جعله يبدو أكبر سنًا من عمره الحقيقي.
بدلًا من الخادم، أعد الإمبراطور الشاي بنفسه وسلمه لي.
“يشرفني شرف الاستلام.”
نظر إليّ الإمبراطور بنظرة باردة على عكس تصرفاته الهادئة.
“سمعت أن إلياس يريد الزواج منك.”
نظرت إلى إلياس بنظرة مليئة بالحب وابتسمت إلى الإمبراطور ابتسامة لطيفة.
“وأنا أيضًا أشارك الأمير نفس الرغبة.”
“زواج الأمير من شخص عادي لم يحدث من قبل.”
“يا أبي.”
رفع الإمبراطور يده كإشارة لإلياس ليصمت.
“اليوم أريد التحدث معكِ يا الآنسة سينير. .”
“نعم، حضرة الإمبراطور.”
“اليوم أراكِ ليس كإمبراطور، بل كأب إلياس.”
“نعم.”
“سمعت الكثير عن ذكائك ودفء قلبك.”
“أنت تكثر من المدح، حضرة الإمبراطور.”
“أعلم أن الآنسة سينير شخص جيد، لكن لا أستطيع السماح بالزواج.”
كان هذا متوقعًا، لذا لم تتأثر مشاعري بأي هزة.
تمكنت من رؤية الإمبراطور أوست بوضوح. بدا وجهه متألمًا أكثر مني التي لم تُمنح الإذن بالزواج لتوي.
كان شعور الإمبراطور العاجز واهتمام الأب بابنه ينعكس بالكامل.
“يمكنكِ أن تقوليني أناني .لكن قلبي يريد أن يتزوج إلياس من شخص نبيل. ليس كإمبراطور، بل كأب، أرغب في أن يعيش إلياس حياة عادية وسعيدة.”
مع ذلك، وبما أن هذه رغبة الإمبراطور، ترددت قليلًا قبل أن أجيب، ووضعت استراحة قصيرة كما لو كنت أفكر مليًا. ثم فتحت شفتي بحذر.
“حضرة الإمبراطور، الأمير إلياس لم يعيش حياة عادية حتى الآن، ولن يستطيع أن يعيش حياة عادية في المستقبل أيضًا. وأعتقد أنكم تعرفون هذا جيدًا. إذا تزوج الأمير من شخص نبيل، ألن يتعرض للمزيد من المراقبة والمقارنات؟”
“يكفي أن يجد من يقف بجانبه ويكون قوته.”
“حينها قد يحفظ حياته، لكن هل سيكون سعيدًا حقًا؟”
في تلك اللحظة، لاحظت ارتعاش بؤبؤي الإمبراطور أوست، ولم أفوّت ذلك.
منذ البداية كنت أعرف نقطة ضعفه، لذا لم يكن الأمر صعبًا.
“حضرة الإمبراطور، ما أريده فقط هو إلياس دريوفيا. لست أطمع في منصب زوجة الأمير أو منصب الإمبراطورة. قبل قليل، قلتَ إن زواج شخص عادي من الأمير أمر غير مسبوق. وأنا أيضًا أرى أن زواج شخص عادي ليصبح إمبراطورة ليس منطقيًا.”
بالطبع، كنت سأطلقه لاحقًا، فيمكن للأمير إلياس أن يتزوج لاحقًا من نبيلة مناسبة.
ولذلك كان بإمكاني التحدث براحة، إذ لم يكن من المتوقع أن أصعد إلى منصب الإمبراطورة.
وبالتأكيد، بين الخدم والخادمات في الغرفة، سيكون هناك من يراقب ويرصد ما أقوله لصالح الإمبراطورة سييرا. بل، ربما كل هؤلاء كانوا أعين وأذان للإمبراطورة سييرا.
قد يكونوا مجرد بشر.
لذلك كان علينا، أنا وإلياس، أن نتصرف كما لو أننا بلا طموحات أو رغبات كبيرة.
أمسك إلياس بيدي ونظر إلى الإمبراطور أوست.
“أبي، أريد أن أعيش مع هذه الشخصة كإلياس، لا كأمير. الإمبراطورية موجودة حتى بدوني، فإيدن موجود، لكن بالنسبة لأديلين، لا يوجد سوى أنا. مجرد أن أجعل أديلين سعيدة يعد أمراً صعباً بالنسبة لي. آسف لأنني ولدت كابن البكر ولم أستطع أداء دوري كما ينبغي وأخلفت توقعاتكم.”
لم يتمكن الإمبراطور أوست من إخفاء شعوره بالإحباط، فقد بدا أن قلقه وانكساره واضحان بشكل شفاف.
أي والد يرى ابنه الذي لم يعرف السعادة أبدًا وهو يصر على أن يريد أن يكون سعيدًا، كيف يمكنه أن يبقى صامدًا؟
بل وأكثر من ذلك، كان هو نفسه أبًا ضعيفًا لم يقدم شيئًا لابنه، سوى أن ورث له كرسي الأمير
الذي قد ينتهي في أي لحظة.
كان مثقلاً بالذنب والعجز لأنه لم يستطع حماية زوجته ولا ابنه.
بعد فترة طويلة من الصمت، نظر الإمبراطور أوست إلينا بوجهٍ مثقل بالهموم.
التعليقات لهذا الفصل " 50"