أخيرًا حلّ اليوم الذي سيختبرون فيه قُدرتي المقدسة، اليوم الذي يتلاعب فيه الآخرون بمصيري دون إرادتي أو رغباتي.
ارتديتُ فستانًا أزرق داكن اللون، وسرّحت شعري الأملس بعناية، وثبّتُّ دبوس الشعر الذي يحمل القلادة التي صنعها لي بولايان. ولأبدو بسيطة وهادئة، لم أرتدِ أي حليّ أخرى؛ خشيتُ أن يطلبوا مني نزعها جميعًا لو أكثرتُ منها.
وحين انتهيتُ من الاستعداد وخرجتُ إلى الخارج، فوجئتُ حقًا بإلياس ينتظر هناك. لقاءٌ غير مُرتّب أربكني.
“سيدي الأمير!”
ابتسم إلياس بابتسامة ساحرة ومدّ يده نحوي، ثم أومأ برأسه قليلًا. رأيتُ بعيدًا عددًا من مصوّري الباباراتزي يحاولون التقاط صور لنا.
كانت ليلي وجايك قد قالا إنهما سيرسلان بعض المختصين ليلزمونا في المواعيد… ويبدو أنهم هؤلاء. وقالا إنهم يريدون صورًا طبيعية لنا في كل موعد.
“ما الذي جاء بكم إلى هنا؟”
“أتيتُ لأكون درعً لين.”
ضحكتُ بخجل عندما قال ذلك.
كليك! كليك!
تعالى صوت الكاميرات وهي تلتقط صورًا بحماس.
قبلتُ مرافقة إلياس وصعدتُ العربة.
أمام الناس كنّا أحنّ عاشقَين، أمّا داخل العربة فمجرّد أن جلسنا حتى أدرنا رأسينا إلى الجهتين المتقابلتين في الوقت نفسه.
هذه أول مرة نكون فيها وحدنا في مكان مغلق منذ أن أصبحنا “عاشقين بعقد”، وكان الجو… غريبًا حقًا. التمثيل أمام الآخرين كان سهلًا، لكن عندما أصبحنا وحدنا، أصبح الموقف أكثر حرجًا من السابق.
كانت المسافة الحقيقية بين أميرٍ ومواطِنة واضحة جدًا.
صار الجوّ ثقيلًا ومحرجًا إلى درجة أنني شعرتُ بأنفاسي…
كان الجو خانقًا لدرجة أنني شعرتُ بأن عليّ قول شيء ما، فبادرت بالسؤال:
“سيدي الأمير… كيف جئت دون موعد مسبق؟”
“أليس هذا هو السبب الأكبر الذي رغبتِ من أجله بوجودي؟ لتحميكِ من المعبد. وفي يوم كهذا لا يمكنني ترككِ وحدك. بما أننا عقدنا اتفاقًا… فهذا أقل ما يمكنني فعله.”
“شكرًا لك.”
شعرتُ وكأنني حصلتُ على حليف قوي لم أتوقعه على الإطلاق.
لكن ما إن انتهى الحديث، عاد الصمت الثقيل ليخنق الهواء بيننا من جديد.
هل أنا الوحيدة التي تشعر بالحرج؟
وبينما كنت أغوص في هذا التفكير، قطع صوتُ إلياس الجوّ المتوتر:
“هل لي أن أسأل… ما نوع التعاون الذي يجري بينكِ وبين برج السحر؟”
“الأمر ليس كبيرًا. مجرد خطة لتخفيف بعض الاهتمام المسلّط على الاختبار.”
لم أستطع قول الحقيقة، فحاولتُ الإجابة بأكثر طريقة مبهمة ممكنة.
“يبدو أنكِ مقرّبة جدًّا من بولايان لينت.”
“إنه صديق جيّد.”
“صديق جيّد…؟”
كرّر إلياس عبارتي وهو يحدّق بي مطولًا. وعندما وقعت عيناه الذهبية اللامعة عليّ دون أن يشيح عنهما، خفق قلبي بشكل غريب. لكن ما أثار استغرابي هو أن ذلك البريق الذهبي بدا… حزينًا بطريقة ما.
“لقد استعددتِ لكل شيء تمامًا.”
“نعم. كما تعلم… الأمر يخص حياتي، ولا مجال للخطأ.”
كنت فخورة بنفسي لأنني هيأتُ خطتي بشكل مزدوج.
في تلك اللحظة، توقفت العربة. شعرتُ وكأننا وصلنا إلى ساحة معركة، لا إلى المعبد.
أغمضتُ عينيّ وأخذتُ نفسًا عميقًا. ورغم كل الاستعدادات، لم أستطع منع الارتجاف الذي أصابني. وعندما فتحتُ عينيّ… وجدتُ نفسي في مواجهة النظرات الذهبية المتلألئة.
“هل أنتِ مستعدة؟”
“نعم.”
طَرق… طَرق.
عندما أعطى إلياس الإشارة، فُتِح باب العربة.
وما إن نزلتُ، حتى رأيتُ شيون وعددًا من فرسان إلياس. ويبدو أنه بما أننا دخلنا نطاق المعبد، فقد شدّوا من حذرهم ولم يخفّفوا يقظتهم لحظة واحدة.
أمام المعبد كانت تنتظر بعض الخادمات. وما إن رأين الأمير إلياس يترجل من العربة حتى أصابهن الارتباك، فلم يعرفن كيف يتصرفن.
كان واضحًا أن إرسال خادمات بدلاً من كاهن لاستقبالنا كان مقصودًا.
لقد أرادوا أن يثبتوا موقفهم منذ لحظة وصولي:
نحن نحتقركِ… نحن لا نراكِ شيئًا.
تصرفٌ طفولي لدرجة جعلني أشعر بالخجل نيابةً عنهم.
البابا، والكاردينال، والكبير الروحي… جميعهم على صلة بهذه المسألة ورغم ذلك يتصرفون بهذا الصغر؟
اقتربت إحدى الخادمات منا بتردد شديد وقالت:
“سأرشدكم. تفضّلوا باتباعي.”
حتى لو لم يكن يملك سلطة سياسية مباشرة عليهم، يبقى الأمير أميرًا، والتصرّف هكذا أمامه لم يكن إلا وقاحة مكشوفة.
كان من المفترض—بمجرد وصول الأمير—أن تدخل الخادمات لإحضار كبير الكهنة لتولي الاستقبال شخصيًا.
تجهم وجه إلياس، وتحدث بنبرة أشبه بالزمجرة:
“أحضِروا كبير الكهنة فورًا.”
ترددت الخادمات وتبادلن النظرات، ثم أجابت إحداهن على مضض. فمهما كانت تبعيتهن للمعبد، فإن عصيان أمر الأمير قد يودي بهن إلى القتل في الحال.
“ح… حاضر. سنحضره.”
انتظرنا طويلاً في مكاننا. من الواضح أنهم يتعمّدون التأخر.
وبدأتُ أشعر بالذنب… لأن إلياس يتعرض للفظاظة بسببي.
بدأت أشعر بالأسف تجاهه، فالتفتُّ لأنظر إليه.
لكنّه كان يحدّق في مكان بعيد بعينين خاليتين من أي تعبير.
كانت نظراته تبدو بلا مشاعر… ومع ذلك كان فيها ثِقلٌ كبير، لدرجة جعلت صدري ينقبض.
كنت أعلم، لأنني قرأت القصة الأصلية، كم الإهانات التي تعرّض لها… وكم الإهانات التي ما زالت تنتظره لاحقًا.
لم أستطع تقبّل فكرة أن شخصًا كل ما يريده هو بناء دولة جيدة… مضطر ليمرّ بكل هذا الألم.
ما الذي سيجنيه من كل هذا الذل؟
على المستوى الشخصي، لم يكن هناك أيّ سعادة تنتظر إلياس.
رجلٌ تخلى عن سعادته كإنسان… كنتُ أريد من أعماقي منحه العرش.
كنت أريد أن أعيش في عالمٍ يكون هو فيه الإمبراطور.
ومن بعيد، ظهر كبير الكهنة يقترب بخطوات بطيئة.
“يا صاحب السمو الأمير، إنه لشرفٌ كبير أن تتفضّلوا بزيارتكم المعبد اليوم. ما سبب حضوركم؟”
“أتيت بصفتي حاميًا لأديلين. وسأرافقها في اختبار اليوم.”
نظر كبير الكهنة إليّ بنظرة محرجة.
لم يكن هناك ما يمنع أحد أفراد العائلة الإمبراطورية من حضور اختبار القوة الإلهية، لذا لم يستطع الاعتراض.
“إلى متى ستجعلوننا نقف هنا؟”
عندها فقط بدا وكأنه استيقظ من شروده، وأخذنا إلى مكتبه.
كان واضحًا أن كل الاستعدادات قد انتهت منذ وقت طويل… لكنهم كانوا يتعمّدون جعلنا ننتظر.
طريقة مهذّبة لإظهار انزعاجهم… أو بالأحرى، محاولة لإخضاعنا.
وخلال كل الوقت الذي قضيناه في المكتب، لم يقدّم كبير الكهنة حتى كوبًا من الشاي.
لقد عاملنا المعبد بوقاحة صارخة.
أن يعاملوا أحد أفراد العائلة الإمبراطورية هكذا… الأمير نفسه!
فكرتُ بمرارة:
لو كنتُ وحدي في مواجهة هؤلاء… كيف كان سيبدو الأمر؟
كان مجرّد تخيّل ذلك يجعلني أرتجف من الفزع.
طَق طَق.
“ادخل.”
“تمّ الانتهاء من التجهيزات.”
ركبتُ أنا وإلياس وكبير الكهنة العربة برفقة الكاهن الذي جاء لاصطحابنا، وتوجّهنا نحو المعبد المقدّس حيث يُجرى اختبار القوة الإلهية.
كان المعبد المخصّص للاختبار يقع على قمّة جبل غير بعيد عن المعبد المركزي.
معبد شاهق من الرخام، بُني على القمة، فخمٌ إلى درجة تكشف ثروة الطائفة بلا حدود.
ما إن نزلنا من العربة حتى جاء كاهنان رفيعا الرتبة لاستقبالنا. انحَنيا بتحية ثم قال أحدهما بنبرة هادئة:
“تفضّلوا بالدخول.”
نظرتُ إلى إلياس بتوتر خفيف، فبادلني بابتسامة دافئة وأمسك بيدي.
لكن الغريب أنّ حرارته كانت تبعث في داخلي شعورًا غريبًا بالاطمئنان، كأنه يقول لي: “أنا هنا”.
أمرٌ لم أفهمه.
سرنا في ممرّ واسع فارغ يتردّد فيه صدى خطواتنا فقط، حتى وصلنا إلى باب مرتفع على شكل قوس.
وحين اقتربنا، أمسك الكاهنان الواقفون على الجانبين بمقابض الباب وفتحاه أمامنا.
دخلنا، فإذا بجدار المعبد الرئيسي يتوسّطه نحت بارز ، محاطًا بزخارف مرصّعة بأنواع من الجواهر.
وفي المنتصف، كان يقف مذبح رخامي ضخم.
من الواضح… أن هذا هو المكان الذي سأستلقي عليه.
كان حول المذبح يقف البابا وتسعة من الكرادلة مصطفّين بجلال.
وحين تأكدت من حضور البابا شخصيًا، أدركت أن الأمر كبير فعلًا… فازداد ارتجافي.
في تلك اللحظة، صدح صوت أحد الكرادلة بنبرة حادّة:
“هذا المكان مقدّس، ولا يُسمح لأيّ كان بدخوله كما يشاء.”
فردّ إلياس بوجه خالٍ من أي تعبير:
“أودّ أن أسأل… من بين الحاضرين هنا هو الـ‘أيّ كان’ الذي تتحدث عنه؟ أنت؟”
قلتُ بهدوء ثابت:
“سموّ الأمير جاء بصفته وصيّي وحاميي. وبحسب علمي، يُسمح بحضور الوصي أو أحد أفراد العائلة الإمبراطورية في الاختبار إذا رغب المختبَر بذلك. الأمر مذكور في القسم 39، الفقرة 8 من كتاب القوانين. يمكنكم الرجوع إليه إن أردتم.”
شحب وجه الكرادلة، وتبادلوا النظرات المضطربة.
أما ذلك الكاردينال الذي هاجمنا قبل قليل، فصار وجهه أحمر كالجمرة.
في الحقيقة، رغم أنّ الجميع كان يحلم بامتلاك هذه القدرة المقدسة، لم يسبق لأحد تقريبًا أن استدعى هذه المادة من القانون، فبقيت مهملة لسنوات.
لكنني، التي قرأتُ كل القوانين والكتب بسبب إجراءات الاستقالة، كنت أعرف كل شيء.
«من كان يظن أنّ ما حفظته حينها سينقذني اليوم…؟
حقًا، معرفة العدو والنفس تفوز في كل المعارك.»
اشتدّ التوتر في المكان، فاضطرّ البابا نفسه إلى التدخل لكسره.
كنت قد رأيته من قبل، لكن لم أقف أمامه بهذه القرب قط.
شَعره كان أبيض بالكامل، وتجاعيد وجهه كثيفة، وصوته باهت كأن الحياة تغادره شيئًا فشيئًا.
لم أشعر بأي طاقة حقيقية صادرة عنه.
«إذًا ما يُقال عن قرب تبدّل البابا… يبدو صحيحًا.»
قال البابا بصوت ضعيف:
“ها….. اليوم اجتمعنا لمعرفة القوة المقدسة، وليس لنرفع أصواتنا، لذا لنكف عن ذلك جميعًا. أديلين سينير، تعالي إلى هذا الجانب. أما المندوب فليصحب الأمير إلياس إلى مقعد المراقبة.”
اقترب كبير الكهنة، لكن إيلياس لم يُبالِ، بل نظر إليّ وتحدّث بلطف:
“سأكون أراقبك، فلا تقلقي يا لين.”
“نعم، آس.”
تبادلنا نظرة تحية قصيرة، ثم توجه كلٌّ منا إلى مكانه.
ذهب إيلياس إلى مقصورة المتابعة، بينما ذهبتُ أنا إلى المذبح.
****
في قاعة الصلاة في هذا الطابق، حيث يمكن رؤية المذبح بوضوح، كان كريستيان جالسًا.
لقد جاء مبكرًا إلى المعبد لينتظر فحص قوى المقدسة الخاصة بأديلين.
كان هناك عشرة من الكرادلة، لكن أقواهم طاقةً مقدسة كان كريستيان.
ولذلك، كانت نتائج الفحص أدق عندما يقوم هو بها.
وبسبب الظاهرة غير المسبوقة التي حدثت سابقًا، طلب البابا من كريستيان أن يُجري الفحص بنفسه، لكنه رفض فورًا.
فكريستيان لم يستطع مواجهة أديلين وجهًا لوجه… ليس بعد.
كان ينوي أن يعترف لها بكل شيء عندما تعود إلى الطائفة ولا تستطيع الهرب مجددًا.
وخلال الفترة الماضية، بذل كريستيان جهدًا كبيرًا ليمحو نفورها من الطائفة ويجعلها تشعر بالراحة… حتى أنه تظاهر بأنه كاهن مبتدئ، رغم أن ذلك لا يناسب شخصيته إطلاقًا.
لكنه فعل ذلك فقط ليُبقي أديلين إلى جانبه بالطريقة التي تريدها هي.
وعندما بدأ يشعر أن اللحظة التي سيبقى فيها معها قد اقتربت… ظهرت شائعة عن علاقة غرامية.
ولم يستطع كريستيان إخماد الغضب والغيرة التي اجتاحته عندما قرأ تلك الشائعة.
في تلك اللحظة، أراد أن يذهب فورًا ويقتل الأمير إيلياس ــ الذي لم يكن سوى قشرة فارغة في نظره ــ ثم يأخذ أديلين إلى المعبد بالقوة.
لقد أراد ذلك بشدة.
لذلك
أخفاه جيدًا ولم يرد أن يراه أحد.
كانت أديلين بالنسبة له الشخص الذي سيبقى معه إلى الأبد.
وفقًا للقواعد الأخلاقية لطائفة ماياريا، لا يمكن للبابا أو الكرادلة الزواج.
ولهذا، كان كريستيان قد وضع خطة لتغيير تلك القواعد الأخلاقية بمجرد أن يصل إلى منصب البابا.
التعليقات لهذا الفصل " 38"