كان هذا أول مرة أرى فيها منه مثل هذا الهدوء… كان أشبه بحَمَل وديع، مما جعلني أشعر ببعض الغرابة. لكن هذا الوجه منه لم يكن سيئًا أبدًا. فالتغيير السريع في المواقف مهارة مهمة في فن التعامل مع الناس.
أحضرتُ مجموعة إعداد الشاي وبدأتُ بتحضيره أمام عينيه. تخلّصتُ من الماء الأول، ثم سكبتُ الماء الثاني فوق الأوراق. وحتى تلك اللحظة، لم يتحدث أيٌّ منا بكلمة واحدة.
لم يبدو أنه جاء ليعطيني إجابة سلبية، وهذا جعلني أستقبله بحالة أكثر استقرارًا من المرة السابقة.
إلياس شرب الشاي الذي قدمته له فورًا. كان بإمكانه الشكّ إن أراد، لكنه أراد أن يُظهر لي أنه لا يشكّ. كان ذلك بلا شك إشارة جيدة.
وحين فرغ نصف الكوب، قال بنبرة متأنية:
“أود أن أسمع خطتك.”
كان صوته المتزن يشبه أغنية… أغنية تحمل حياتي بداخلها.
لم أُخفِ تأثري، بل أظهرته بكل وضوح. ويبدو أن رد فعلي الصريح هذا أربكه قليلًا، فاهتزت عيناه للحظة.
لكن ارتباكه لم يكن أهم من فرحتي.
بدأت أشرح بهدوء خطتي الكاملة: الضجة العاطفية… الزواج بعقد… ثم الطلاق.
لكن بينما كان وجهي مشرقًا ومتحمسًا، ظل وجه إلياس ثقيلاً ومعتمًا طوال حديثي.
بدأ القلق يتسلل إليّ—هل غيّر رأيه في هذه الأثناء؟
كنت أرتجف توترًا حتى شعرت بقدمي تحت الفستان تدقان الأرض دون وعي. عندها فقط وصلني صوته المنخفض يهمس قرب أذني:
“أنتِ تعلمين أن حياة المطلقة في الإمبراطورية ليست سهلة، صحيح؟”
كانت ملامحه جادة ومتأنية.
“بالطبع. لقد استعددت لكل ذلك بالفعل.”
“ليست مجرد أيّ علاقة… بل طلاق مع العائلة الإمبراطورية نفسها.”
نظرتُ في عينيه بجدية وهدوء مماثلين. وفي عينيه الذهبيتين كان يظهر أثر واضح للذنب.
“لقد كان اختياري، ومن الطبيعي أن أتحمل نتائجه. ثم إنني لا أنوي العيش في العاصمة إلى الأبد على أي حال. عندما ينتهي كل شيء، سأذهب إلى مكان هادئ وأعيش بسلام. هدفي أن أعيش سعيدًا، أفعل ما أحب. وربما—حينها—ألتقي بعلاقة حقيقية، لا مجرد عقد. لذلك… لا داعي لأن تقلق بشأن حياتي بعد الطلاق.”
ازدادت ثقلًا ملامح إلياس—ربما لأنه لم يتقبل بسهولة فكرة أنه سيجعل شخصًا سليمًا يتحول إلى “مطلّقة”.
ورغم مظهره البارد، إلا أن إلياس كان شخصًا يشعر بألم الضعفاء ويستطيع التعاطف معهم. ولهذا السبب بالتحديد كان يقاتل معارك يعتبرها الجميع خاسرة منذ البداية.
من أجل إنقاذ الإمبراطورية.
فهو حقًا رجل يحب شعبه ويعتز بهم… الرجل الذي يجب أن يرتقي للعرش بحق.
ورغم أن اقتراحي بزواجٍ عقدي كان فيه سعيي للبقاء… إلا أن جزءًا منه كان أيضًا رغبةً في مساعدته.
“سيدي الأمير، هذا لأجل مصلحتي أولًا. وبالنسبة لك أيضًا، هو لأجل مصلحتك. بمعنى آخر… الأمر مفيد لكلينا. ثم إنك حين تصبح إمبراطورًا، ستتمكن من خلق عالم لا يعاني فيه المطلقون أصلًا، أليس كذلك؟”
ابتسمت له بهدوء، فارتكزت عيناه الذهبيتان اللامعتان عليّ.
كان من الواضح أنه—في داخله—اتخذ للتو قرارًا ببناء عالم لا يكون فيه الطلاق وصمة أو عبئًا على أحد.
“حسنًا يا سمو الأمير، هل نبدأ بوضع شروط العقد بالتفصيل؟”
“فلنفعل ذلك.”
اقترب إلياس من الطاولة، ومع حركة جسده وصلني ذلك العبق المنعش الذي كان يحيط به دائمًا.
‘هل لأنه شخص مستقيم القلب؟ حتى رائحته تبدو صادقة ومستقيمة مثله.’
فكرتُ بذلك، وارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي لأن حتى عطـره يشبهه بطريقة طريفة.
ثم لملمتُ أفكاري عنه وتركتها جانبًا لأركّز على العقد.
“ما رأيك أن نخوض علاقة غرامية لمدة مئة يوم تقريبًا، ثم نتزوج بعدها؟”
“أوافق.”
“في البداية قد لا يناسبك هذا تمامًا، لكن عليك أن تصبح نموذج الرجل المثالي للجميع. شيء يشبه ‘عشيق الأمة’ أو ‘زوج الأمة’.”
“عشيق الأمة؟ زوج الأمة؟”
“أي أن كل نساء الإمبراطورية يرغبن بك عشيقًا لهن.”
بدت عليه مباشرةً ملامح حيرة وانزعاج وكأنه سمع كلامًا لا يُصدَّق.
ولكي أُخفف من رفضه، شرحت الفكرة ببساطة:
“اعتبره نوعًا من صورة بطل قومي، لكن بدل حرب السيوف فهذه حرب… في الحب. تصبح بطلًا، ولكن بمعنى مختلف. سأشرح التفاصيل لاحقًا، لكن أولًا يجب أن نجعل الجميع يحبّك.”
“هاه….”
أطلق تنهيدة عميقة وثقيلة وكأنها أثقل شيء في العالم.
“أوافق.”
ورغم أن تعابيره كانت كمن يُساق إلى المذبح، إلا أن إصراره بدا ظريفًا جدًا.
“والأهم من كل شيء: لقاؤنا الأول المصيري. سنجعله بالطبع… أنك وقعتَ في حبي من النظرة الأولى. ما رأيك؟”
“أوافق… لا، لا أوافق على هذا الجزء.”
حدّقتُ به بذهول وسألته:
“ماذا؟ لماذا؟”
لم أفهم كيف كان يوافق بسهولة على أمور أهم بكثير… ثم يتوقف فجأة عند هذا الجزء بالتحديد.
لم أتمالك نفسي وخرج كلامي بنبرة هجومية دون قصد.
“أليس من المنطقي أكثر أن تكون أنت من يقع في حبي؟ يجب أن تكون الخطة مقنعة للناس كي لا يشك أحد بنا، أليس كذلك؟”
يا إلهي! ما هذا؟ هل يقول الآن إن مظهري أقل من مظهره؟
منذ أن جئتُ إلى هذا العالم، لم يخطر ببالي ولو مرة أن جمالي قد يُهزَم أمام أحد. حتى أمام الأمير الوسيم لم أشعر يومًا بالنقص.
لكن الرجل الذي أناقش معه أمر زواجنا الآن… يلمّح بأن مظهري أقل من مظهره؟!
شعور غريب بالهزيمة والإحباط أحاط بي من كل جانب.
ورغم أن اللحظة كانت قصيرة، إلا أن الصمت الذي تبعها جعل الهواء ثقيلًا ومثلجًا بيننا.
ثم قطع إلياس الصمت بصوته الهادئ:
“كما تعلمين، لم أحضر أي حفلة أو وليمة ومعي شريكة من قبل. حتى طلبات الرقص رفضتها جميعًا. لذلك تنتشر شائعات غير رسمية بأني صاحب ‘أعلى معايير اختيار’ في الإمبراطورية. فلو كنتُ أنا من يقع في الحب أولًا… ألن يبدو الأمر غريبًا؟ قد يثير ذلك شكوك جانب الإمبراطورة سييرا.”
“إذن أنت تعبّر بطريقة راقية عن أنني… لا أرتقي لذوقك؟”
“هُممم… ليس هذا مقصدي. أنا أتحدث عما يقوله الناس وحسب. علينا بناء خطة محكمة، أليس كذلك؟ خطة لا تثير شكًا عند أي أحد. كل ما أعنيه هو حساب نسبة نجاح الخطة.”
قال كلامه كاملًا رغم أنه بدا محرجًا وهو يسعل خفيفة ليغطي ارتباكه.
وبالطبع… لم أكن غبية لدرجة ألا أفهم منطقه.
فهو رجل مستقيم، وحريص، وربما مفرط في الالتزام بالمبادئ. لذلك فكّر بالأمر بطريقة حسابية بحتة.
وفي النهاية… ما الفرق؟ من يقع في حب من أولًا، ما الذي يغيّر ذلك؟
راودتني أفكار مختلفة، لكن عنادًا غريبًا اشتعل داخلي.
سيطر عليّ إحساس قوي يقول إن الخطة يجب أن تُبنى على أن إلياس هو من يقع في حبي أولًا… بلا نقاش.
“هذه الخطة يجب ألا تحتوي على أي ثغرة.”
“سمو الأمير.”
“……”
“لم تجرب الحب من قبل… صحيح؟”
تطلّع إلياس إليّ بنظرة مستغربة.
“الحب يا سمو الأمير… هو أن تغوص في مشاعرك أنت، لا في المعايير التي يضعها الآخرون. إنه شعور يتخطى الفقر والغنى، والمكانة، والجنسية، بل وحتى الاختلافات بين الأجناس. ونحن الآن سنقع في هذا النوع من العلاقات.”
وبدا أن عيني إلياس تتلألآن أكثر من قبل.
“لكي يصدق الناس علاقتنا، يجب أن تقع أنت في حبي أولًا وتلاحقني بإخلاص. لو كنتُ أنا من يقع في حبك أولًا، فلن تكون بيننا فرصة للقاء أصلًا. ولسنا من النوع الذي يتقرب صدفة ثم ينجذب تدريجيًا.”
“هذا… صحيح.”
“وفوق كل ذلك، فكرة أن الأمير الذي لم تهزّه أي امرأة من قبل يقع فجأة في الحب—هذه معجزة بحد ذاتها! ستكون قصة رومانسية يتحدث عنها الجميع. أما محاولتك كسر ترددي بسبب فرق الطبقة بيننا… فهذه وحدها دراما كاملة!”
“أنت محقّة. في الأمور العاطفية… من الأفضل أن أتبع حكمك.”
أسند إلياس مرفقيه على الطاولة، شبك أصابعه، وسند ذقنه عليها.
نظر إليّ بثبات، نظرة طويلة وهادئة…
ثم قال بصوت منخفض:
“لقد وقعتُ في حبك يا لين.”
كانت مجرد جملة تدريبية… مجرد قراءة لسطور.
لكن قلبي؟
سقط مباشرة إلى الأرض وبدأ يتدحرج كما لو فقد وزنه كله.
وجهه الكامل الملامح، وعيناه الذهبيتان الغريبتان الجمال، وصوته العميق الدافئ وهو يقولها هكذا…
كان من الطبيعي تمامًا أن يرتجف قلبي.
كنت أحاول بكل جهدي كبح قلبي الذي كان يخفق بلا أي ذوق…
وفي تلك اللحظة قال:
“هل تقصدين… شيئًا كهذا؟”
وبمجرد أن عاد صوته إلى نبرته الجافة والعملية، عاد قلبي الهارب إلى مكانه بسرعة.
‘أجل… هذا هو المعتاد.’
شعرت كأن كل الحماسة تبخرت فجأة، فسارعت إلى تغيير الموضوع.
“نعم. أحسنت جدًا. إذًا… أنا ماذا عليّ أن أناديك؟”
“ناديني… آس.”
“آس؟”
“إنه الاسم الذي كانت تناديني به والدتي.”
“أه…!”
كان للاسم ثِقَل واضح…
فهو مناسب لتقليل الشكوك حول علاقتنا، لكني لم أعرف ماذا يعني له أن يسمح لي باستخدام اسم كانت أمه هي الوحيدة التي تناديه به.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا تمامًا:
هو… يائس بما يكفي ليمنحني هذا القدر من القرب.
بعد أن ضبطنا عدة أمور أخرى، اتفقنا على أن نلتقي مجددًا في أول موعد لنا.
“سأرتّب التفاصيل وأكتب العقد بنفسي.”
“إذن… نلتقي غدًا، يا لين.”
عندما ناداني لين… شعرت بخجل شديد جعلني غير قادرة على النظر في عينيه.
“ن… نعم، سمو الأمير.”
اقترب إلياس ورفع ذقني بخفة شديدة بطرف أصابعه.
“العشّاق يجب أن ينظروا إلى بعضهم… يا لين.”
كانت لحظة قصيرة جدًا…
لكن تلامس بشرتنا، ولقاء أعيننا، وكل ما اختلط بيننا في تلك الثانية…
كان حارًا لدرجة لا تطاق.
“في المرة القادمة… فلنقترب أكثر، يا لين.”
“سمو الأمير، لماذا تتحدث بهذه الرسمية…؟”
“ناديني آس.”
“آس… لماذا تتحدث بالرسمية؟”
“ألم نصبح الآن في علاقة عاطفية؟ فالعشاق يجب أن يكونوا متساوين… ويجب أن يحترم كلٌّ الآخر.”
بعد أن اختفى إيلياس، جلست منهارة في مكاني.
“ما هذا؟ شخص لم يمر حتى بعلاقة واحدة من قبل، كيف تكون لديه رؤية عن الحب صحيحة ومثالية بهذا الشكل؟”
وضعتُ يدي على وجهي الذي احمرّ بالكامل، محاوِلة تهدئة دقات قلبي.
***
كانت علاقتنا العاطفية سريعة الإيقاع، فليس لدينا الكثير من الوقت، ولذلك كان جدولنا مزدحمًا.
كان مكان موعدنا الرسمي الأول في حديقة تقع بضواحي العاصمة. ارتديت أنا و«أس» قبعات منخفضة تغطي معظم وجوهنا.
كان الهدف أن نكون حذرين كي لا نتعرّض للانكشاف، لكننا رغم ذلك تزيّنا بأناقة لافتة تخطف الأنظار.
استمتعنا بنزهة في الحديقة، بينما تولّى شيون وعدد من الفرسان حراسة المكان من حولنا.
لم يكن هناك جهاز تصوير فوتوغرافي في الإمبراطورية، لكن كانت توجد أداة سحرية قادرة على حفظ اللحظات. استخدم تايلر تلك الأداة السحرية لالتقاط صور لنا.
وكان هذا الجزء في غاية الأهمية. لم يكن عليه أن يلتقط الصور أمامنا مباشرة، بل أن يُظهر وكأن الصور اُلتُقطت خلسةً من خلفنا.
التعليقات لهذا الفصل " 35"