راودني شعور بأنني كنت على وشك الوقوع في كارثة حقيقية.
لو انكشف أمر ذلك العقد أثناء اختبار القوة المقدسة في المعبد، لاتّهموني فورًا بالسحر الأسود ولأُحرقت بتهمة الشعوذة.
«وفي النهاية… موت مرة أخرى؟»
ازدادت قشعريرتي حين خطرت لي هذه الفكرة.
“ليدي أديلين، هل يمكنني أن أمسك بيدك؟”
مددت يدي بلا أي تردد.
في الحقيقة، كنت أنا أيضًا أتساءل عن مقدار قوتي المقدسة. فبما أنه الساحر الاعظم، فلا بد أنه يستطيع تقييمها.
وما إن لامست يده يدي حتى انفجر الضوء من حولنا.
نظر إليّ بملامح مذهولة يكسوها الإجلال.
“ليدي أديلين… ما الذي تكونينه بالضبط…؟”
لم يكمل كلامه، لكن نظراته المبهورة قالت كل شيء.
لقد حصلت على الجواب من تعابير وجهه قبل أن ينطق به.
“هل ما زال يوجد في هذا العصر قوة مقدسة نقية بهذا المستوى؟”
كنت أعلم أن لدي قوة مقدسة، لكنني لم أكن أعلم أن نقاءها عالٍ إلى هذا الحد.
صحيح أنني درست الكثير عن القوة المقدسة، لكن كل ذلك كان نظريًا فقط.
“هل لديك معرفة واسعة بالقوة المقدسة؟”
“عندما يدرس المرء السحر، عليه أن يدرس هذا الجانب أيضًا. فآلية عمل القوتين متشابهة. إنها قوى عظيمة منحها الخالق للبشر.”
إذا كان الأمر كذلك، فبولايون يملك كل المؤهلات ليكون حليفًا مهمًّا لي.
كان عليّ التمسك به مهما حدث.
“أنت تعرف ظروفي، صحيح؟”
“أعرف.”
كان لا يزال ينظر إليّ بانبهار شديد من أثر القوة المقدسة.
“في الآونة الأخيرة… لم أعد أستطيع التحكم في قوتي باستخدام ذلك العقد، ولهذا أحتاج إلى شيء يمكنه إخفاء قوتي…جئت إليك لأطلب منك أن تصنع واحدًا لي.”
قال وهو يتنهّد قليلًا:
“سيكون ذلك أمرًا غير سهل على ما يبدو.”
“قد يكون أصعب بكثير مما تتوقع يا سيد فولايون.”
نظر إليّ باستغرابٍ واضح.
“الأسبوع القادم يجب أن أذهب إلى المعبد. لقد وصلتني رسالة تقول إنهم يريدون فحص القوة التي أمتلكها. لم يبقَ وقت… في الحقيقة الأمر طارئ جدًا.”
كان ذلك تبليغًا أحاديًّا من الطائفة، لكنني—بوصفي مجرّد فتاة من عامة الناس—لم يكن بإمكاني رفضه.
“سيد بولايون… هل يمكنك مساعدتي؟”
“بالطبع. بالتأكيد. قد يكون الأمر صعبًا، مستحيلًا تقريبًا بالنسبة للناس العاديين، لكنه بالنسبة لي مجرّد أمر غير سهل. لا تقلقي. فأنا… أريد أن أكون صديقًا للآنسة أديلين أكثر من رغبتي في التعاون مع الطائفة. ولا أريد أن أفقد صديقة قبل أن أصبح واحدًا بالفعل.”
ابتسمت له، فابتسم هو أوسع.
“إذن… هل أصبحنا صديقين الآن؟”
“بالطبع يا بولايون.”
“ناديني بول فقط.”
أخرج فولايون قرطًا صغيرًا وقدّمه لي.
“ارتديه في الوقت الحالي. إنه يكبح القوة… سيساعدك كثيرًا.”
“شكرًا لك.”
قال وهو ينظر إليّ بجدية:
“أديلين، إن لم تستطيعي التحكم في قوتك بالكامل بعد، فأنا أستطيع مساعدتك في ذلك.”
“حقًا؟”
“نعم. ورغم أن التفاصيل الدقيقة تختلف، إلا أن المبدأ الأساسي متشابه.”
“هل يمكنك مساعدتي بدءًا من الغد… إن كان لديك وقت؟”
“بالطبع.”
قلت وأنا أتنبه لظروفي الحالية:
“حاليًا يجب ألا ألفت الأنظار… هذا أفضل لك أيضًا يا بول.”
“لا، لا. لِنلتقَ في برج السحر بكل فخر. لانناسنعلن أن الآنسة أديلين وبرج السحر يخططان لبدء تعاونٍ مشترك.”
تعاون مع برج السحر؟!
كان ذلك أمرًا عظيمًا بالفعل. قال بولايون الأمر وكأنه شيء عادي… لكنه كان بعيدًا كل البعد عن العادي.
“إن أعلنتم ذلك الآن… هل سيقف المعبد مكتوف الأيدي؟”
فأجاب بثقة:
“المعبد قد يجرؤ على دوس العائلة الإمبراطورية… لكنه لا يستطيع لمس برج السحر. برج السحر يعتبر نوعًا من المنطقة الخارجة عن سلطة الدول، وهو متصل بالقارة كلها. لا أي دولة ولا أي قوة تجرؤ على العبث مع السحرة. من الذي قد يرغب في محاربة السحرة أصلًا؟
لذلك، أديلين… لا داعي للقلق.”
وهكذا، تم حل مشكلة إخفاء قوتي المقدسة، بل إنه سيعلمني أيضًا كيفية التحكم بها. شعرت وكأن الهواء عاد إلى صدري من جديد.
للمرة الأولى… بدا وكأن عمري قد يطول فعلًا.
ولما زال القلق الأكبر، أصبحت مشاعري أخف بكثير.
“إذن… نلتقي قريبًا يا بولايون.”
“سأصنع لك شيئًا جميلًا، فاستعدي يا أديلين.”
***
يبدو أن كوديلّيا توقعت أن أكون مكتئبة، فدعتني إلى منزلها.
قالت إن متجري مغلق على أي حال، والبقاء في المنزل لن يفيد، لذا يجب أن آتي بلا نقاش.
كان ذلك لطيفًا للغاية، فذهبت سعيدة إلى منزلها.
وجدت السيدة هياسينث هناك أيضًا.
عانقتاني الاثنتان وأمسكتا بيديّ بحنان، وعلى وجهيهما علامات التعاطف.
قلت ممازحة:
“إذا رآكم المعبد معي الآن فلن يعجبهم الأمر… هل أنتما بلا خوف هكذا؟”
لكنّ كوديلّيا نظرت إليّ بجدية وقالت:
“قلتُ هذا ألف مرة… لا شيء يمكنه أن يعيق صداقتنا.”
“أديلين، نحن نعرفك أكثر من أي أحد. لا أفهم لماذا تتصرفين وكأنك أقل الناس خيرًا. لا أحد يساعد الآخرين بقدر ما تفعلين. أنا أعترف بالحاكم … لكن المعبد؟ لا أثق به إطلاقًا.”
كان كلام السيدة هياسينث—الذي يفصل بين الإيمان بالحكام وبين الثقة بالمعبد—متناقضًا لدرجة جعلتني أنا وكوديلّيا ننفجر ضاحكتين.
وفجأة اجتاحني شعور عميق بالامتنان.
صحيح أنني اقتربت منهما منذ البداية وفي بالي بعض الحسابات… لكن السبب الأكبر لاختياري لهما كان «طيبة قلبيهما».
لم أرد أن أرى أناسًا طيبين يسقطون في محنة.
جلسنا حول الطاولة نشرب الشاي.
وحاولتا قدر الإمكان تغيير مزاجي عبر مشاركتي آخر الشائعات التي تنتشر في مجتمع النبلاء.
لكن مهما بدأنا بموضوع آخر… كنا ننتهي دومًا بالحديث عن المعبد.
قالت السيدة هياسينث بامتعاض:
“لو كنت أعلم أن الأمور ستصل لهذا الحد… لربما كان عليكِ الزواج فور خروجك من المعبد.”
“زواج؟! من أين خرج هذا الكلام الآن؟”
“فكري فيها! الكاهنات لا يتزوجن إلا بعد انتهاء مدة خدمتهن، وداخل المعبد لا يوجد أحد متزوج أصلاً. ؟”
“حقًا؟ هل هناك شرط كهذا؟ لو كانوا متزوجين فعلًا… ربما لم يكونوا ليهتموا بأديلين بهذه الطريقة المجنونة.”
كان الاثنان من النبلاء المحايدين، لا يؤمنان بماياياريا ولا يطيقان سلوك المعبد، ولهذا لم يكونا يعرفان تعاليمهم كاملة.
أما أنا… فقد قرأتُ كتاب القوانين كاملًا.
وفجأة تذكرت بندًا واضحًا:
تحريم الزواج تمامًا على رجال ونساء المعبد.
لماذا لم يخطر ببالي هذا من قبل؟
على الأقل… لو استطعت إثبات أن قوتي ليست قوة فاسدة، بل مجرد قوة إلهية ضعيفة جدًا—فقد تكون لدي فرصة للنجاة…
وبعد ذلك، خطر ببالي: ربما إذا تزوجتُ، أستطيع الابتعاد عن اهتمام المعبد المبالغ فيه ووسواسهم؟
بدت لي بارقة أمل. بعد انتهاء وقت الشاي، عدتُ مسرعة إلى منزلي.
****
ولأكون متأكدة، فتحتُ كتاب القوانين مرة أخرى، فوجدت أن هناك بندًا يمنع الزواج ليس فقط على القديسة، بل أيضًا على الكاهنات المساعدات لها.
كان السبب أن المرء يجب أن يكرّس كل شيء للآلهة خلال خدمته.
(هذا هو!)
بدأتُ أبحث عن رجل يمكنني الزواج منه.
كتبت أسماء الرجال العازبين الذين أعرفهم وأعددت قائمة، سواء كانوا من النبلاء أو من عامة الناس.
بالطبع، حالات الزواج بين النبلاء والعامة نادرة جدًا. ليس من المستحيل أن يقع حب يتجاوز الطبقات، لكنه نادر للغاية.
حتى لو كنتُ مشهورة جدًا، أو قديسة الشعب، لن يتزوجني نبلاء يهتمون بالشرف والمكانة.
“لنبدأ بالنبلاء!”
في إمبراطورية كينستيريا، أغلب الشباب في أواخر سن المراهقة وحتى أوائل العشرينات متزوجون بالفعل، لذا كان من الصعب العثور على عزّاب في عمري من النبلاء.
أما عامة الناس في مثل سني، فحتى إن كانوا مناسبين قليلًا، فمعظمهم متزوجون بالفعل.
والأهم، أن عامة الناس لا يملكون القوة لحمايتي.
كنت بحاجة إلى زوج قوي. لكن من المنطقي ألا يتزوج رجل قوي مجردة من عامة الناس امرأة عادية مثلي.
مهما فكرت، كنت أعود دائمًا إلى نقطة البداية…
وبذلك، وجدت نفسي عالقة في مأزق البحث عن زوج.
كان لا بد لي من إيجاد رجل قوي يحتاج إليّ، رجل يمكن أن يكون مفيدًا لي ولخطتي.
“أليس من الممكن أن يكون الزواج مجرد زواج عقدي؟ أن نجد لبعضنا البعض ما نحتاجه؟”
المشكلة كانت: مع من سأبرم هذا الزواج؟ وهل سيقبل شخص ما في الإمبراطورية المحافظة نظام الزواج العقدي؟… كان سؤالًا يبدو تافهًا للبعض، لكنه في الحقيقة الأكثر أهمية.
على أي حال، إذا أردتُ الزواج العقدي، كان يجب أن أكون ضرورية للطرف الآخر أيضًا.
بدأت أحصي كل الرجال الأقوياء الذين أعرفهم، وسجلت أسمائهم، وحاولت معرفة مدى إمكانية عقد اتفاق معهم بالنظر إلى أوضاعهم الحالية وخططهم المستقبلية.
بعد أن قضيت الليلة متقلبة بين الأفكار، وحين مزقت الكثير من الأسماء، تبقى اسم واحد فقط.
“إلياس دريوفيا.”
ولي العهد الأول لإمبراطورية كينستيريا.
رغم أن الأمر يبدو مجرد اسم وشهرة، لكن بالنسبة لي كان الانتماء إلى العائلة الإمبراطورية ضرورة حقيقية.
أما إلياس، فربما يكون وجودي إلى جانبه — أنا أديلين، التي أمتلك شعبية بين رعايا الإمبراطورية، ولدي صورة طيبة لدى النبلاء، والأهم أنني أقف في مواجهة المعبد — بطاقة ليست سيئة بالنسبة له.
بالطبع هذا مجرد تخميني.
قررت أن ألتقي بإلياس.
بالطبع كنت قلقة من أن أؤثر على مجرى القصة الأصلية، لكن فكرت: «إذا لم يكن إلياس هو البطل، فلِمَ لا؟»
وأقنعت نفسي بتبرير: (حتى لو لم يواجه الثنائي الرئيسي المصاعب والعقبات، فلن ينتهي بهم الأمر بالسعادة بسرعة أكبر؟)
وهكذا اقتنعتُ وأخذت قراري.
على أي حال، توجهتُ إلى الحانة التي اعتاد إلياس زيارتها هربًا من أعين الإمبراطورة سيييرا.
كانت تلك الحانة راقية يرتادها النبلاء، تُقام فيها المقامرات، ويُسمح بالدخول إليها بعد ارتداء الأقنعة حفاظًا على سرية الهوية.
ارتديت رداءً فوق فستاني الفاخر، واستقلت عربة عامة حتى وصلتُ قرب الحانة، ثم ترجلتُ بحذر.
سلمتُ الرداء لسيييرا، ثم وضعتُ القناع وتوجهتُ نحو المدخل.
لم أكن أعلم بدقة أي يوم سيأتي فيه، لذلك كنت أرتاد المكان لليوم الثالث على التوالي.
وفجأة، رأيت ثلاثة رجال يدخلون. كان مظهرهم كمظهر النبلاء، لكنهم بالتأكيد لم يكونوا نبلاء.
شعرتُ بشيء سيئ.
كان لأحدهم ندبة عميقة على الجانب الأيمن من فكّه — وقد تذكرتُ أنني قرأتُ وصفًا مطابقًا في الرواية.
آه! هؤلاء هم القتلة الذين أرسلتهم الإمبراطورة سيييرا. والشخص الذي يرتدي الرداء خلفهم هو ساحر الظلام. يبدو أنهم بدأوا التحرك مجددًا.
كانت سيييرا ترغب بالتخلص من إلياس قبل عيد ميلاد إيدن الوشيك.
ولو مات إلياس الآن، فلن يحزن عليه أحد تقريبًا؛ فهو الأمير المهمَّش الذي خسر حق الخلافة، ولا أحد تقريبًا ينتبه لوجوده.
ليته لا يأتي اليوم…
كنت أهمّ بالخروج من المكان، حين دخل شخص بعينين ذهبيتين لامعتين.
ورغم أنه كان يرتدي قناعًا، إلا أن الهالة ال
منبعثة منه وكاريزماه القوية لم يكن بإمكان أي قناع إخفاءها.
يا للمصيبة… أتى اليوم بالذات. حقًا، حظّه العاثر لا يفارقه. لا… ربما عرفوا جدول خروجه وأرسلوهم على هذا الأساس. فحاشية الأمير…
التعليقات لهذا الفصل " 32"