“هل تعتقدون أن التهديد العادي سينجح مع السيدة أديلين؟ إنها مَن كانت تُهدّد الآخرين كما لو كانت تتناول الخبز… هل سنستطيع حقًا هزيمتها؟”
“على أي حال، يجب أن نحاول. هل كان هناك يوم عجز فيه معبدنا عن الحصول على ما يريد؟”
“هيا نزورها جميعًا، سواء بالإقناع أو بالتهديد.”
وفي النهاية، خرج اجتماع الكهنة بقرار يناسب مصلحتهم وحدهم.
يبتلعون الحلو، ويبصقون المرّ.
تصرف لائق تمامًا بمعبد مايآريا.
***
“أهلًا بكم. شكرًا لزيارتكم بيت العرّافة مرة أخرى اليوم.”
رفعت سيرا ظهرها بعدما انحنت لتحية الزبائن، ثم رأت الطابور الطويل الممتد خارج الباب.
“هاا؟!”
خرج الصوت منها دون وعي، فسارعت لتغطية فمها بيدها.
‘مـ… ما الذي يحدث؟ هل جئت للمكان الخطأ؟ هل رأيت خطأ؟’
نظرت حولها متسائلة إن كانت أمام معبد مايآريا وليس بيت العرّافة، ثم قرصت خدها بقوة.
“آي!”
كان الألم حقيقيًا. وهذا المكان لم يكن معبدًا… إنه مكان عملها بالفعل، بيت العرّافة.
‘لماذا يقف كل هؤلاء الكهنة هنا في طابور؟’
كان عدد الكهنة الواقفين في الصف يصل إلى العشرات لا شك.
والأسوأ… أنهم لم يكونوا أولئك الكهنة المبتدئين الذين كانوا يزورونها سرًا من حين لآخر، بل كلهم كهنة رفيعو الرتبة.
مشهد لا يُصدَّق.
ابتسمت سيرا بتوتر، وانحنت تحية لهم قبل أن تدخل إلى الداخل.
“السيدة أديلين! السيدة أديلين!”
“لستُ سأهرب إلى أي مكان، لكنك على وشك أن يختفي نفسك من شدة اللهفة.”
“ا- الأمر… في الخارج الآن…”
***
لا بد أنهم يريدون التحقق من قوتي المقدسة، أليس كذلك؟
امتدت يدي تلقائيًا نحو القلادة. فمنذ ذلك اليوم الذي استخدمت فيه القوة المقدسة، وأنا أشعر أن قوتي تتزايد شيئًا فشيئًا.
كنت أعلم أن القلادة لم تعد تكفي لإخفائها، وكنت أبحث عن طريقة أخرى… لكنني لم أتوقع أن يتحرك الكهنة بهذه السرعة.
وإذا كان كهنة بهذا المستوى العالي يريدون الفحص؟
فمن الممكن أن ينكشف أمري فورًا. لذلك يجب أن أتجنب الاحتكاك المباشر بهم في الوقت الحالي.
صحيح أنهم لن يكتشفوا كل شيء بلمسة واحدة، لكن… الحذر لا يضر.
تماسكت، واستعددت لشن حرب دينية صغيرة لحماية حياتي.
“سيرا، استقبلي الضيف.”
“نعم، آنستي.”
دخل الكاهن الرفيع الذي سبق أن رفض استقالتي ببرود… لكنه جاء اليوم بوجه لطيف ولين.
“أهلًا بك، أيها الزبون.”
“لقد مرّ وقت طويل، السيدة أديلين.”
جلس الكاهن ونظر حوله قليلًا.
“إن أجواء محلكم… حقًا غامضة وساحرة.”
“شكرًا لكم. ما الأمر الذي جئتم تسألون عنه يا سيد كاهن؟”
“جئت لأنني فضولي… بشأن طريقة استعادة شخصٍ من المعبد، شخص غادره عن طريق الخطأ.”
يبدو أنه يتحدث عني… لكن لو أظهرت رد فعل قويًا، ثم ادعوا أنه يقصد شخصًا آخر، فسأبدو في غاية الإحراج.
“هاهاها…”
ضحكتُ بارتباك، ثم تحدثت بنبرة ساذجة وبريئة تمامًا:
“هذا المكان ليس موضعًا قادرًا على تغيير قلوب الناس. كل ما نفعله هنا هو تقديم طرق أفضل لا أكثر. إن كانت هناك شخص مهم بالنسبة لك، فلا داعي للقدوم إلى هنا؛ الأفضل أن تذهب إليه مباشرة وتقنعه بنفسك.”
“في هذه الحالة، يبدو أنني جئت إلى المكان الصحيح… فالشخص الذي أعنيه هو أنتِ يا ليدي أَديلين.”
‘ما هذا… لماذا يهاجم مباشرة هكذا؟ هؤلاء عادةً يلفّون ويدورون ويتظاهرون بالوقار أولًا.’
“ن-نعم؟ أنا؟ هاهاها!”
ضحكت طويلًا بمرح مصطنع، حتى مسحت دموعًا وهمية من عيني، ثم عدتُ لأحدّق فيه بجدية.
“لقد غادرتُ المعبد بقراري أنا، لا بخطأ أو سوء فهم. أنا الآن مجرد إنسانة عادية.ولست كما كنت مرشحة للقديسة”
“لكن قُدرتك الإلهية يجب أن تُستخدم باسم المعبد آريا فقط. ليس من حقك استخدامها كما تشائين.”
“لقد كان ذلك اندفاعًا لحظيًا… قوة خرجت دون أن أشعر.”
“قوة لحظية تنقذ عدة أشخاص؟ لم أسمع بذلك من قبل.”
“إذن أنا أول حالة. فهناك دائمًا أول مرة لكل شيء، أليس كذلك؟ ربما لم يرد الحكام ان يتأذى طفل… ومن نحن حتى نفهم قلب الحكام؟ محاولة فهمه بالكامل هي غرور.”
“منحتك الحاككة تلك القوة لأنها رسالة لكِ: عليكِ العودة وخدمة القديسة.”
“لو كانت القديسة موجودة وقت الحادث لذهبت القوة إليها. لا تُعطِ الحادث معنى أكبر مما يستحق.”
بذلتُ جهدي لأبدو مادية قدر الإمكان. فبالنظر إلى الإرهاق النفسي الذي سببتموه لي، كان يجب أن أحصل على عدة قطع ذهبية على الأقل.
لكن ذلك الكاهن البخيل أخرج قطعًا فضية فقط، وفي تلك اللحظة كانت ردة فعلي صادقة تمامًا، لا تمثيل فيها.
“إييه….”
استدار الكاهن بسرعة وحدّق بي شزرًا.
وأنا اكتفيت برفع كتفيّ بلا مبالاة.
الضيف التالي كان أيضًا كاهنًا عالي المرتبة. جلس أمامي بتعالٍ واضح، عاقدًا ساقًا فوق الأخرى.
راقبت تصرفاته بصمت.
“أهذا مكان عديم الذوق لا يقدّم حتى كوب شاي لزبائنه؟”
“إن أردت الشاي، فاذهب إلى مقهى. هذا بيت العرّافة. والباب هناك إن رغبت بالمغادرة.”
“هَه! ما زلتِ لئيمة كما أنتِ. ظننتُ أنك تغيرت قليلًا بما أنك قمتِ بعمل نبيل مؤخرًا.”
“وأنت أيضًا على حالك. لا، بل يبدو أنك تطوّرت… للأسوأ. تأتي لشخص لا يفعل شيئًا وتفتعل معه مشكلة؟ الناس فعلًا يتغيرون… ولكن نحو الاتجاه الخاطئ.”
رمقني بنظرة حادة.
“بما أن الجميع يبحث عنك هذه الأيام، يبدو أنك لم تعودي ترين أحدًا أمامك. لقد أصبحتِ أكثر غرورًا.”
“لم أكن لطيفة يومًا. ثم إنني لم أطلب منك تقييمًا، يا سيادة الكاهن.”
اقترب أكثر وانحنى فوق الطاولة قليلًا، وقال بصوت منخفض يحمل تهديدًا واضحًا:
“برأيك إلى متى سيستمر هذا؟ إن حاولنا منعك من استخدام قوة الإلهية لأغراض شخصية، فماذا تظنين سيحدث؟”
“وبأي طريقة ستوقفونني، وهي ليست قوة الإلهة أصلًا؟”
“نحن من يقرّر إن كانت قوة الإلهة أم لا. هل تستخفين بالهيكل؟”
“أنا فقط قلت إن ما تقولونه غير صحيح. لا تنسبوا رأيكم الشخصي إلى رأي الهيكل كله. الحكام ستغضب لو لوّثتم اسمها بادعاءاتكم.”
احمرّ وجه الكاهن الجالس أمامي غضبًا.
وهكذا ظلّ الكهنة طوال اليوم يأتون إليّ، يمزجون بين الإقناع والتهديد بالتناوب.
كان عليّ حضور فعالية خيرية مساءً، لكن الإرهاق النفسي كان شديدًا لدرجة أنني لم أعد قادرة على الاستشارات، فأغلقت المتجر مبكرًا.
“بهذا الشكل يُعتبرون يعوقون عملي.”
طوال اليوم كانوا يتناوبون بين العصا والجزرة، الشرطي الجيد والشرطي السيئ، الشد والجذب… لدرجة أصابت عقلي بالدوار.
من الواضح أنهم جاؤوا مستعدين تمامًا.
كيف يمكنني أن أعود إلى الهيكل الذي خرجتُ منه؟ وفوق ذلك… إلى مكان ينتظرني فيه الموت؟
قررت أن أضع خطة جديدة للتخلص من هذا الهيكل المقيت مرة واحدة وللأبد.
ظننت أن الأمر انتهى، ولم أتوقع أبدًا أن يتورطوا بي مجددًا.
ثم خطر ببالي فجأة:
عندما تنتهي فترة خدمة القديسة ـ ومدتها خمس سنوات فقط ـ ماذا يحدث لبقية المرشحات اللواتي كن يخدمن بجانبها؟ هل يخرجن معها أيضًا؟
فترة خدمة القديسة كانت قصيرة أكثر مما كنت أتوقع.
فالذين يولدون بقوة مقدسة نادرون أصلًا، ومع الاستخدام المستمر لتلك القوة، تتعرض أجسادهم لضغط كبير.
كمية القوة نفسها تنقص مع الوقت أيضًا.
في الماضي، عندما كان المنصب مؤبّدًا، كانت القديسات يمتن مبكرًا واحدة تلو الأخرى، فقام الهيكل بتغيير النظام.
ومنذ ذلك الحين، حين تتقاعد القديسة، تتزوج عادةً من شخص من عائلة نبيلة وتحيا حياة سعيدة.
اشتدَّ صداع الشقيقة عندي بينما كنتُ أفرك صدغَيّ، ثم توجهتُ إلى الصالون للاستعداد. كنت بحاجة ماسّة إلى جلسة تدليك اليوم.
بعد حصولي على التدليك وتجديد تسريحي ومكياجي، ارتديتُ الفستان الذي أعدّته “سيرا”.
كان الفستان الأزرق المرصّع بجواهر لامعة تشبه اللؤلؤ جميلًا كأعماق البحر.
وبعد أن أنهيتُ كل الاستعدادات ونظرتُ إلى نفسي في المرآة، تحسّن مزاجي كثيرًا.
كالعادة… الجمال هو أفضل دواء.
****
كانت الجريدة تُقيم مرة كل عام فعالية خيرية عبر التبرعات بالمواد المختلفة.
وكانت الأرباح تُرسل كلها إلى سكان الأحياء الفقيرة على شكل وقود للتدفئة أو أغطية أو أطعمة قابلة للتخزين تساعدهم على تجاوز الشتاء.
كان مالك الجريدة وزوجته من عامة الشعب، وقد بنيا نفسيهما بأنفسهما حتى وصلا إلى ما هما عليه.
وعلى عكس النبلاء، كان على النساء من الطبقة العامة أو الفقيرة أن يعملن كثيرًا أيضًا… فذلك كان ضروريًا للعيش.
وكان الزوجان من القلائل الذين يُعدّون مثالًا لنجاح شريكين في العمل داخل الإمبراطورية. كما أن الجريدة كانت تحتكر مجال الإعلام، ما منحها تأثيرًا واسعًا.
وبما أن الزوجين كانا من زبائني المميزين، فقد كانت بيننا علاقة ودية، ونخرج أحيانًا لتناول الطعام معًا.
ربما لهذا السبب كانا يكتبان مقالاتي بحماس أكبر… رغم أن طلب ماركيز وودي قد لعب دورًا أيضًا.
“أديلين، شكرًا لقدومك.”
قالت الزوجة وهي تمسك يدي مرحّبة.
أجبتُها بلُطف:
“بل أنا من يجب أن يشكركم على دعوتي إلى مناسبة ذات معنى كبير كهذه يا سيدتي.”
ابتسمتْ بحماس وقالت:
“لقد كنتِ رائعة جدًا هذه المرة. أنا فخورة جدًا بأن أديلين هي صديقتي.”
ابتسمتُ بخفة قائلة:
“أي شخص في ذلك الموقف كان سيفعل الشيء نفسه. ثم إن تلك القوة كانت مؤقتة فقط.إن أكثرتم من المدح فسأصبح محرجة حقًا. لذا… أرجوكم، كفّوا عن كتابة المقالات عني.”
وبينما كانت سيدة الجريدة تُحاول الرد، بدأ ضيوف جدد يتوافدون مما وضعها في موقف محرج.
التعليقات لهذا الفصل " 26"