نزلتُ من العربة بسرعة وأنا أشعر بقلقٍ شديد يعتصر قلبي.
كان الليل مظلمًا يلفّه الضباب، وعند مفترق الطريق وقع حادثٌ كبير: أربع عربات اندفعت من اتجاهات مختلفة واصطدمت ببعضها.
كان الخارج أشبه بساحة خراب. صرخات الألم والبكاء الموجع تتردد من كل مكان.
الخيول التي كانت تجر عربتين تحطّمَتا بالكامل كانت مطروحة أرضًا، يبدو أنها أُصيبت، أما الحصان المربوط بعربتنا فقد انطلق هاربًا في الظلام بعدما انقطع لجامه.
كان المكان كلّه يغلي فوضى.
أسرعت إلى السائق أولًا لأتفقد حاله. كان فاقدًا للوعي، والدم يسيل من رأسه.
نظرت حولي بحثًا عمّن يساعد، لكن العربات الثلاث الأخرى كانت متضررة أكثر منا بكثير، ولا يبدو أن فيهم من يستطيع تقديم يد العون.
بعدها تفقدتُ رأس تومي. شعرت بمرارة شديدة، لأنني ظننت أن الحادث وقع بسبب خروجي المتأخر ودفعه لقيادة العربة في هذا الوقت.
“تومي… تومي، أرجوك استيقظ.”
لم يستعد وعيه، وبدأ الخوف يتصاعد بداخلي.
“ليكن بخير… أرجوك، ليكن بخير… لا يحدث له شيء…”
كررت الدعاء في داخلي مرارًا.
وفي تلك اللحظة، اندفعت من جسدي فجأة ضوءٌ ساطع كأنه انفجار.
وقفت مصدومة لا أفهم ما حدث، وعندها فتح تومي عينيه.
“تومي!”
“آنسة…؟”
استعاد تومي وعيه ونهض فجأة، فارتعبت وأسرعت بمنعه.
“تومي! لا تنهض هكذا. استلقِ بسرعة. لقد حدث حادث وأنت مصاب بشدّة. رأسك ينزف، لا يجب أن تتحرك هكذا. هذا خطير!”
“ماذا؟ لكن… جسدي خفيف جدًا، لا أشعر بأي ألم… هل تقولين إنني كنت مصابًا؟”
رفع تومي يديه بتعبير حائر، يتحسس رأسه وجسده.
“أنا… بخير تمامًا؟”
“ماذا؟ هذا غير ممكن…”
مددتُ يدي أزيح شعره لأُريه مكان الإصابة، لكن لم يكن هناك أي جرح.
“ها؟ ما الذي يحدث؟”
كنت قبل قليل في حالة شبه ذعر، فلم أفكر كثيرًا في مسألة الضوء… ضوء؟
“هل يُعقل… أنها قوة قدسية؟”
مددت يدي إلى عنقي أتحسس العقد. ربما انقطع… لكن لا، العقد كان لا يزال في مكانه حول عنقي.
“غريب… طالما أنني أرتديه، فالقوة القدسية يجب أن تكون محكومة…”
وبينما أنا متحيّرة، نزل رجل من أكثر العربات تضررًا زاحفًا نحونا.
“أرجوكم… أرجوكم ساعدوني.”
“نعم؟”
“لقد رأيتُ… رأيتُ هذه السيدة تُشفى. يا ليدي!”
“ماذا؟ أ-لا… ما حدث كان مجرد…”
“أرجوكم. زوجتي… وزوجتي وطفلي سيموتان!”
عند سماع كلمة طفل، أسرعتُ نحوه، وتبعنا تومي وهو يساعد الرجل على الوقوف.
كان المنظر داخل العربة مفجعًا.
كانت الأم فاقدةً للوعي وهي تضم طفلها بشدة، والطفل يبكي بحرقة.
ويبدو أنها أصيبت بشدة بينما كانت تحمي صغيرها… وإذا تُركت هكذا، فستفقد حياتها بالفعل.
القوة التي شفتُ بها تومي كانت بلا شك قوة قدسية.
(هل يمكنها أن تنقذ حياة…؟ هل يمكنني السماح بانكشافها؟)
بصراحة… مجرد تخيل أن قوتي القدسية قد تُكشف يجعلني أرتجف خوفًا.
‘لكن… لا يمكنني تجاهل هذا. كيف يمكنني أن أدير ظهري… طالما الجو مظلم… ربما لن يلاحظ أحد. لقد نجوتُ بالكاد من المعبد… هل سيكون الأمر بخير حقًا؟’
في لحظة قصيرة، تدفقت في قلبي أفكار لا تنتهي.
لكن لم يكن بإمكاني الوقوف مكتوفة اليدين. لم تكن هناك عربة إسعاف، ولا طبيب يستطيع إجراء عملية طارئة.
ولو تراجعتُ الآن، فالأم والطفل سيخسران حياتهما حتمًا.
دون تردد، أمسكتُ سلسلة العقد وشددت عليها حتى انقطعت. لم أكن أستطيع استخدام قوتي القدسية وهي محجوزة.
ثم أمسكت بيد الطفل ويد الأم، وضخختُ القوة القدسية داخلهما.
متمنية من أعماق قلبي أن يعيشا.
“أرجوكم… أنقذاهما.”
وفي تلك اللحظة، انفجر من جسدي ضوء أبيض مثل قنبلة.
بعد ذلك شعرت بأن قواي تتلاشى، فانهرت على الأرض كأنني سقطت. كان رأسي يدور بشدة فأغمضت عيني.
وبينما كنت ألتقط أنفاسي قليلًا، بدأت الضوضاء حولي تتضح شيئًا فشيئًا. ربما بسبب الصدمة لم أنتبه لها سابقًا، لكنها الآن أصبحت أعلى وأقرب.
فتحت عيني، ونظرت حولي… فأفزعتني الرؤية. المكان كان مكتظًا بالناس من كل جانب.
رغم تأخر الوقت، إلا أن حجم الحادث كان كبيرًا لدرجة أن سكان المنطقة خرجوا جميعًا.
حشد من الناس تجمّع حول موقع الحادث، بعضهم يساعد في رفع الحطام، وبعضهم يركض للبحث عن طبيب. المكان كله يتحرك بلا توقف.
شعرت أنني يجب أن أرحل فورًا، فلو بقيت سيزداد الوضع خطرًا. أشرت لتومي أن يقترب.
“علينا الذهاب الآن. أما تعويضات الحادث فسأتولى أمرها بنفسي عندما أقابل السيدة هياسينث. أخبر الجميع أنني سأزورها بنفسي.”
“ماذا؟ يا آنسة، هل أنتِ بخير؟ سأتولى الأمر.”
“لا، لا داعي. أنا بخير.”
“آنسة… شكرًا لإنقاذكم لي.”
“أعتذر، لكن أرجو أن تبقى وتتكفل بمتابعة إجراءات الحادث.”
“نعم، سأهتم بكل شيء على أفضل وجه.”
غادرتُ موقع الحادث مسرعة قبل أن يلتفت أحد لما حدث حقًا.
وبالكاد وصلت إلى المنزل. لم أستطع حتى غسل وجهي؛ سقطت على السرير وأغمي عليّ من شدة الإرهاق.
***
“آديلين! آنسة آديلين!”
سمعت صوت سيرا تصرخ بحماس وهي تفتح الباب بعنف.
كنت أشعر بأن جسدي كلّه كأنه ضُرب ضربًا مبرحًا، وكل عضلة كانت تؤلمني.
سحبت اللحاف فوق رأسي حتى غطّى شعري بالكامل وتمتمت:
“دعيني أنام قليلًا فقط… قولي لهم إننا سنفتح من بعد الظهر اليوم. أما الاستشارات الصباحية فامنحي أصحابها قسائم وجبات…”
“آنسة آديلين، ليس هذا وقت النوم!”
سحبت سيرا اللحاف بقوة حتى اختفى عني تمامًا، فاشتع غضبي.
“إذا كنتُ ناعسة فسأنام! منذ متى كان للنوم وقت محدد؟ أعيدي لي اللحاف.”
“آنسة آديلين… هل استخدمتم قواكم القدسية البارحة؟”
“…ها؟”
في تلك اللحظة انتفضت من مكاني كما لو أن زنبركًا دفعني.
فتحت عيني بالكامل، والصدمة أيقظتني فورًا.
“ماذا قلتي؟ ما معنى هذا الكلام؟ وكيف تعرفين أنتِ بالأصل؟”
“كيف أعرف؟ الخبر منتشر في كل مكان! الكل يتحدث عن أنكِ أنقذتِ أمًّا وطفلًا كانوا على وشك الموت!”
كنت قد توقعت أن الأمر قد ينكشف… لكن لم أتوقع أن ينتشر بهذه السرعة المرعبة.
“سيرا…”
“نعم؟”
“هل يعرف الكثير من الناس؟”
“بالطبع! الخبر منتشر في كل السوق. حتى أنا سمعتُه عندما خرجت لشراء الخبز!
لكن… آنسة آديلين، هل تمتلكين فعلًا قوة قدسية قادرة على إنقاذ شخص يحتضر؟”
نظرت إليّ سيرا بعينين تلمعان بالإعجاب والانبهار.
أما أنا فوضعت يدي على صدغي؛ فقد بدأ رأسي ينبض بألم مزعج.
ما الذي سأفعله الآن…؟
مع ذلك، لم أشعر للحظة أن ما فعلته كان خطأ.
ولو تكررت نفس الظروف، لكنتُ سأمد يدي مرة أخرى لإنقاذ تلك الأسرة دون تردد.
قررت التفكير بهدوء: أراقب الوضع أولًا، وأتصرف حسب تطوره.
سرعان ما ارتديت ملابسي وتهيأت للذهاب إلى المتجر.
لكن ما إن خرجت إلى الطريق حتى أدركت أن الأمور لن تهدأ بسهولة.
طوال الطريق إلى المتجر، كانت النظرات الدافئة والممتنة تتجه إليّ من كل جانب.
الأشخاص الذين أعرفهم أعطوني زهورًا، أو قطع إكسسوار، أو طعامًا.
وحتى الذين لا أعرفهم لم يتركوني أمرّ دون هتافات تشجيع وكلمات مديح.
لم أكن أريد أن يحدث هذا كله…
كانت مشاعر الناس طيبة حقًا، وهذا أسعدني…
لكن حجم انتشار الخبر كان مقلقًا. كنت أشعر بأن الأمر أصبح أكبر مما يجب.
لقد تركتُ الطائفة، وتم تعيين قديسة جديدة بالفعل… كل شيء انتهى، لذا يجب أن يكون الأمر بخير…
كنت أضغط على خوفي بكل ما أوتيت من قوة بينما أدخل المتجر.
لنركّز على العمل الآن… إذا جاءت العواقب لاحقًا فسأفكر عندها بما يجب فعله.
“سيرا، أدخلي الزبون الأول.”
“حاضر، آنسة آديلين.”
وما إن جلس أول زبون أمامي… حتى بدأ القلق يتسلل إليّ من جديد.
“ليدي آديلين، صباح الخير.”
قال بولايان ذلك وهو يبتسم ابتسامة متألقة أشد من ورود الصيف. حدّق بي بنظرة يعرف تمامًا كيف يزن بها خصمه.
“سمعتُ أنكِ حققتِ أمرًا مذهلًا ليلة أمس.”
“إن كان لديك سؤال، فاسأل.”
“قوة قدسية قادرة على إنقاذ الأرواح… لا بد أن المعبد سيموت قهرًا.
مجرد التفكير في معاناتهم يجعلني في غاية السعادة.”
“هل هذا ما يثير فضولك؟ رد فعل المعبد؟”
“أن تملكِ هذا القدر من القوة… والمعبد لا تعرف؟ هذا لا يمكن تفسيره إلا بشيء واحد.”
ابتسم بولايان لي بنظرة ذات مغزى، فصححت كلامي ببرود وأنا أشيح بوجهي.
“وكما قلت، تلك القضية لا علاقة لي بها إطلاقًا. فقط سألت لأنك قلت إنك تحتاج مساعدتي.”
“هناك مشاكل كبيرة تتعلق بملكية السحر. مشكلة مزمنة استمرت لسنين طويلة… علة عالقة.”
بدأ بولايان يشرح الوضع بنبرة جدية.
ومع الحديث، بدأت أفهم أن عالم السحر أيضًا يولي أهمية هائلة لـ السحر التوقيعي — السحر الذي يبتكره الساحر بعد سنوات طويلة من البحث والتجربة.
يصنع الساحر تعويذته الخاصة بعد جهد مرير، ويعرضها في مؤتمر أو ندوة ويشرح مبدأها. حينها يقوم آخرون بنسخها بسهولة، أو بيع معرفتها إلى ورش صناعة الأدوات السحرية، مما يلحق الضرر بالساحر الأصلي.
ومثل هذا—تضييع سنوات من العمل في لحظة—يتكرر كثيرًا، حتى إن عدد السحرة الذين يبتكرون تعاويذ جديدة ويبحثون فيها في انخفاض مستمر.
ولهذا السبب، عقد رؤساء أبراج السحر الأربعة — الشرقي والغربي والجنوبي والشمالي — اجتماعًا عاجلًا مؤخرًا، معتبرين الأمر مشكلة خطيرة. وقد جاؤوا يطلبون مساعدتي بشأنها.
وبينما أستمع إليه، شعرت بشيء مألوف جدًا.
أهذا ليس نفس ما يحدث في صناعة المحتوى…؟
أجل، هذا تمامًا مشكل حقوق الملكية الفكرية.
“ماذا لو وضعَ اتحاد أبراج السحر لائحة لحقوق الملكية؟”
“حقوق الملكية؟ وما تكون هذه؟”
“فكر فيها كحق حصري يُمنح لصاحب السحر الذي ابتكره.”
قال بولايان بحاجبين معقودين:
“لكن السحر من الصعب أن يُستخدم بشكل حصري.”
“أعلم ذلك جيدًا. الفكرة أن تُمنح نسبة من الأرباح الناتجة عن استخدام هذا السحر لصاحبه الأصلي. فإذا كان الساحر يكسب مالًا بمجرد مواصلة البحث، فلن يكون هناك سبب يدعوه للتوقف عن تطوير السحر، أليس كذلك؟ وكلما كان السحر واسع الاستخدام، ازدادت الأرباح.”
تابعت قائلة:
“وإذا كان هناك سحرة لا يدفعون رسوم الملكية، فبرج السحر يمكنه فرض العقوبات عليهم. ويمكنكم إنشاء قسم خاص بحقوق الملكية داخل الأبراج ليتولى إدارة الأمر بشفافية.”
رسم بولايان ابتسامة حالمة، وقد لمعت عيناه إعجابًا.
“أشكر رأيك العميق، ليدي آديلين.”
“أرجو أن لا تكتفي بالشكر، بل أن تُظهر امتنانك فعلًا.”
أشرت نحو صندوق الأجرة بابتسامة بريئة، فضحك بولايان وهو ينهض.
“
هاهاها! أنتِ أكثر حكمة وحزمًا مما توقعت.”
ثم وضع كيسًا كاملًا من العملات الذهبية داخل الصندوق—ليس مجرد قطع معدودة، بل كيسًا كاملًا—ثم غادر. وجعلني ذلك أتساءل: ما مقدار الذهب الموجود في ذلك الكيس يا ترى؟
ربما… هو أكثر جرأة مما ظننت. وربما شخصٌ لا بأس به أيضًا.
التعليقات لهذا الفصل " 24"