منذ الصباح الباكر، اقتحمت روز مكتبي بحجة اجتماعٍ ما.
بل وأحضرت معها خادمتها وجهّزت “حفلة شاي بسيطة لكنها أنيقة”.
كانت هناك فناجين الشاي وإبريق الشاي المزينان برسوماتٍ زاهية، وحامل حلويات ذو طابقين، وعلى الأطباق الفضية تنوعت الحلويات الصغيرة والجميلة: كعكة إسفنجية، تارت، فطيرة التفاح، كعكة المادلين، فواكه مسكرة، وغيرها.
قلت في نفسي وهي تقيم حفلة شاي بهذا الكبر منذ الصباح: “هذا حقاً أسلوب روز”.
وانشغلت بالتقاط الحلويات واحدة تلو الأخرى بالملقط الفضي.
“أجل، هكذا قدّر الله لي.”
اتسع بؤبؤ عينا روز شيئاً فشيئاً.
“من أعطاك الدعوة؟ لا يحضر الحفل الراقص الملكي إلا من يرشحهم كبار النبلاء. من هو إذاً؟ هل أعطاك إياها سمو ولي العهد بنفسه؟”
“في الحقيقة، لقد أعطتني إياها الكونتيسة ديميتير.”
شعرت روز بالانبهار وشبكت يديها بقوة.
“يا إلهي، إيريكا، أنتِ رائعة حقاً! لقد حصلتِ على رعاية أكثر سيدة نفوذاً في أوساط العاصمة الاجتماعية!”
ذهبت إلى مكتبي وأحضرت دعوة القصر الملكي وأعطيتها لروز.
“لقد تكرمت وأعطتني دعوات لكِ ولطالبات نادي الكتاب أيضاً. فقد قالت إن جلالة الملكة تود رؤية الآنسات عن قرب بنفسها.”
“إيريكا… أنا حقاً… لا أعرف ماذا أقول.”
لمعت عينا روز، ثم عانقتني بشدة من رقبتي.
“يييه! أنا أحبكِ! إن عائلة روز ماديسون وعشيرة ماديسون سيدعمون إيريكا دييل بشكل كامل من الآن فصاعداً!”
“لا… لا أستطيع التنفس… سأموت اختناقاً بعد أن نلتُ حبّكِ مرتين.”
“آه، آسفة. لقد فرحت كثيراً.”
بعد أن هدأت ثورتها، عادت روز إلى هيئة الفتاة المهذبة الهادئة وبدأت تشرب الشاي بأناقة.
منظرها كان ظريفاً، فكتمت ضحكتي في داخلي.
“بفضل مساعدة أمينة المكتبة الرئيسية القديرة، حصلتُ على شرف حضور الحفل الراقص الملكي، لكن ظهرت مشكلة كبيرة.”
اختفت البهجة من وجه روز وحل محلها الجدية والصراحة.
بل وشعرتُ وكأنني أرى التوتر نفسه الذي ينتابها عندما تتخذ قرارات تجارية مهمة في متجر ماديسون توترتُ أنا أيضاً قليلاً.
“ما هي المشكلة؟”
“المتبقي على الحفل الراقص الملكي أسبوعان فقط. الوقت المتبقي للتحضير لانطلاقتنا في الحفل ضيق جداً! الوقت لا يكفي أبداً لتفصيل الفساتين، وتدريب الرقص، وتعلم آداب الأوساط الاجتماعية، وحتى معرفة قائمة النبلاء المشاركين! يا إلهي، ماذا نفعل؟”
أمسكت برأسها متألمة.
كنت أشرب الشاي بهدوء وأواسيها.
“حضور الحفل الراقص ليس بالأمر السهل. تشجعي، روز. أنتِ ستتمكنين.”
“ما الذي تقولينه، إيريكا؟ كل هذه الأشياء أنتِ من يجب أن تقومي بها.”
“هاه؟ ماذا قلتِ؟”
كدت أن أفلت فنجان الشاي.
ذلك الفنجان الثمين ذو المقبض المذهب المرصع بالجواهر، الذي يساوي ثمنه راتبي لسنة كاملة.
“اسمعي، روز. لقد قدمت بالفعل حفل تقديمي للمجتمع منذ زمن، وأنا فقط سأشارك في هذا الحفل. ليس عليّ التحضير بتلك الطريقة.”
نهضت روز فجأة من مكانها وقاطعت كلامي بحزم. وضعت يديها على خصرها وصرخت بكل فخر وشموخ.
“كلامك هذا إهانة لجميع الفتيات النبيلات اللواتي يحلمن بدخول الأوساط الاجتماعية!”
متى فعلت أنا مثل هذا الشيء السيء؟
رفعت رأسي إلى روز وأنا أرمش بعيني فقط من الدهشة.
هي الأخرى، وبوجهٍ يشبه أحلام اليقظة، قالت وكأنها تغني:
“بالنسبة للفتاة النبيلة، الأوساط الاجتماعية هي مكان الأحلام. الحفلات الراقصة، حفلات العشاء، الفساتين الجميلة، الرقص مع الشبان النبلاء الوسيمين اللقاءات القدرية والحب! تذكري جيداً أن الفتيات النبيلات يكرسن كل اهتمامهن وشغفهن للانطلاق في الأوساط الاجتماعية منتظرات مستقبلهن اللامع.”
“آه، هكذا إذاً، الجميع مجتهدون الأوساط الاجتماعية أيضاً ليست مكاناً هيناً.”
أومأت برأسي وأنا أردد معها بفتور.
نظرت إليّ روز بعينيها كالمعلمة الصارمة.
“إيريكا، أنتِ ستشاركين في الحفل برعاية الكونتيسة ديميتير يجب أن تستعدي بشكل كامل حتى لا تلطخي سمعتها.”
“لهذا أطلب منكِ أنتِ المساعدة. أنا لا أعرف جيداً، لذلك أريد استشارتك أنتِ.”
ابتسمت ابتسامة عريضة.
أليس المثل يقول: “الوجه المبتسم لا يبصق عليه”؟
“لا تضحكي. سأعتاد على ذلك.”
كما توقعت، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي روز. رفعت ذقنها بوجه متغطرس.
“على أي حال، اتركي كل شيء لهذه الأخت. الأوساط الاجتماعية هي مجال تخصصي.”
ذهبت إلى مكتبي وأحضرت ورقة وريشة.
ثم بدأت تكتب البنود بسرعة.
“أولاً، كم فستاناً عندك؟”
“لا يوجد. أرتدي زي أمينة المكتبة فقط، ولا توجد مناسبة لأرتدي غيره.”
ذهلت ونظرت إليّ باستغراب شديد.
“هذا أكثر كلام مريع سمعته في حياتي. كيف لفتاة نبيلة ألا تملك فستاناً واحداً؟”
“لأنني جئت على عجل من بلدة الفيكونت، ولم أستطع إحضار أشيائي.”
تنهدت روز بتنهد عميق وكأن الأرض ستنشق، ثم شرعت تكتب شيئاً بالريشة.
“لدخول الأوساط الاجتماعية، يجب أن تمتلكي أساسياً أكثر من عشرة فساتين وتحتاجين أيضاً حسب المناسبة فساتين ركوب الخيل، وفساتين سهرة آه! والقبعات والأحذية والمجوهرات التي تتناسب مع الفساتين!”
“… بهذا القدر؟”
“همم، لكن بما أنه لا يوجد وقت كافٍ لتحضير كل هذا، فلنبدأ أولاً بتفصيل فستان الحفل. بعد ذلك، سأقوم متجر ميديسون بتجهيز باقي المستلزمات.”
“لا! لا بأس، سأشتري بمالي الخاص. الفساتين أيضاً ستكون غالية، ولا أريد أن أسبب لكِ عبئاً.”
رفضت على الفور وأنا ألوح بيدي.
“إيريكا، أنتِ مخطئة تماماً بشيء ما أنا لا أقدم لكِ الصداقة وحسن النية.”
أطلقت روز ابتسامة غامضة كمن يدبر مكيدة.
“هذا استثمار. ألن يكون من الخسارة ألا أدعمكِ وأنتِ المرشحة الأكبر لتصبحي زوجة ولي العهد أو دوقة؟ علاوة على ذلك، أنتِ تحظين بثقة جلالة الملكة والسيدة ديميتير.”
“يا للهول! بهذا الكلام، أصبحتِ تعتبرينني وكأنني زهرة المجتمع! لكن، ماذا لو بقيتُ أمينة مكتبة؟ ألن تكون تلك الصفقة خاسرة؟”
سألتها على سبيل المزاح، فزمت شفتيها الجميلتين.
“حسناً، في تلك الحالة، سنعتبرها هدية من باب الصداقة وحسن النية المهم، هل تعرفين مشغلاً للخياطة؟”
“آه، لقد رشحت لي الكونتيسة المشغل الذي تتعامل معه. أعتقد أنه بوتيك مدام ميرديل؟”
“مدام ميرديل؟ يا إلهي، إيريكا، هذا أشهر مشغل خياطة في العاصمة! تصاميمها وخياطتها لفساتين هي روائع من وحي السماء. حتى لو كان معك الكثير من المال، لشراء فستان منها يجب الانتظار سنة كاملة! أنا أيضاً لم أستطع شراء فستان منها بعد.”
تألقت عينا روز وتحدثت بصوتٍ متحمس.
“حسناً. تم حلّ مشكلة تفصيل الفستان. الآن يجب أن تتعلمي آداب البلاط الملكي وتتعرفي على النبلاء المشاركين في هذا الحفل. سأعطيكِ قائمة بأسماء النبلاء، ألقابهم، تاريخ عائلاتهم، وأخبارهم الحديثة، فاحفظيها عن ظهر قلب.”
“هل من الضروري معرفة كل هذا؟”
“مهم جداً. في الحفل الراقص الملكي، يحضره أشهر النبلاء وأرفعهم مكانة إذا لم تتعرفي عليهم، فستطاردك السمعة السيئة.”
بوجه جدي للغاية، شرعت تكتب بسرعة بنود التحضير للظهور الأول في الحفل.
حتى أنني خفت من قراءة تلك الورقة. ما كل هذا التعقيد؟
“آداب الأوساط الاجتماعية وقواعد المحادثة، بما أنكِ آنسة فيكونت، فمن المفترض أنكِ تعرفينها والرقص؟ هل تذكرين؟ منذ متى قدمتِ حفل تقديمكِ للمجتمع؟”
“…”.
أدرت عينيَّ أبحث عن إجابة.
من الطبيعي أن إيريكا، بصفتها آنسة فيكونت، قد تعلمت رقص الحفلات بلا شك.
لكن الرقصات التي أعرفها أنا هي الرقصات العشوائية فقط.
ليس لدي ذكريات سوى الرقص في حفلات (النوادي الليلية) وأنا في حالة سُكر، وأرج بشعري بلا وعي وأنا أفقد صوابي.
“هل من الضروري حقاً أن أرقص؟ أعتقد أن المهم هو المشاركة في الحفل فقط أنا قدمت حفل تقديمي للمجتمع من قبل.”
بالطبع، أنا لا أتذكر حفل التقديم ذاك.
لكن، كم رواية فانتازيا رومانسية قرأت؟ شعرت وكأنني قدمت عشرات المرات بالخبرة غير المباشرة فقط.
هزت روز رأسها وهي تضع يدها على جبينها وكأنها تشعر بصداع.
“لا أحتاج لأن أرى حفل تقديمكِ لأعرف كيف كان. في ذلك الوقت، كنتِ مجرد آنسة فيكونت مغمورة من الأقاليم، أما الآن فأنتِ شخصية مشهورة في روبيريا أرجوكِ، تذكري مكانتك الاجتماعية وشرفكِ”
بكلمات روز الحاسمة، أومأت برأسي موافقةً دون وعي مني.
“يجب أن تأخذي دروس رقص أولاً يمكنني إلحاقكِ بمدرسة رقص أعرفها، أو يمكنني تعليمكِ بنفسي. الأعمال كثيرة والوقت قصير، هذه هي المشكلة الكبرى.”
تمتمت وهي جادة، عاقدة ما بين حاجبيها.
سألتها بحذر وأنا أراقب نظراتها:
“ألا يجب أن نبدأ العمل الآن؟ إنه وقت الدوام الرسمي.”
“صحيح! كدت أنسى أهم شيء!”
“هاه؟ وماذا تبقى أيضاً؟”
“مع من سترقصين الرقصة الأولى؟ من المعتاد أن ترقصي مع النبيل الذي رافقكِ إلى قاعة الحفل، لكن لا أحد يعلم من سيكون الترتيب، لهذا الأمر مثير للاهتمام أكثر، هيهي.”
التعليقات لهذا الفصل " 97"