“الزواج ليس مجرد واجب يقع على عاتق رب الأسرة، بل هو أيضاً ميثاق غليظ يُجسّد حب شخص واحد مدى الحياة لو أن رب أسرة راينهارت نوى النطق بميثاق زواج كاذب لامرأة لا يحبها، لكان بذلك قد خان واجبه كرب للأسرة أيضاً. لذا، فلا يحق لأحد أن يُجبر سموّ الدوق على الزواج، حتى يظفر بمن يحب حقاً ويتخذها زوجة له.”
بعد أن أنهيت ردي، رفعتُ نظري نحو كارليكس للحظات.
فإذا بعينيه اللتين كانتا غارقتين في قتامة عميقة تلمعان فجأة بنبض من نور.
نظرت إليّ السيدة ديميتير باستغراب، ثم أطلقت تنهيدة خفيفة.
“بعد الاستماع إليكِ، أجد في كلامكِ بعض الصواب. ولكن، كما ذكرتِ آنفاً أيتها الآنسة دييل، فإن الزواج ليس مجرد ميثاق حب أبدي فلكلٍ منا دوره وواجباته تماماً كما أن للآنسة دييل واجباتها كأمينة مكتبة. ولا سيما بالنسبة لعائلة راينهارت، التي تمتد جذورها لمئات السنين، فإن مسألة الوريث هي الأهم قبل كل شيء. ومع ذلك، لا أرغب في فرض زواج على ابني بالروح.”
كانت نظرة السيدة إلى كارليكس أشبه بنظرة أم حنون على ابنها.
أتراها تشعر بالأسف عليه لأنه اضطر لتحمل عبء رب أسرة الدوقية وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، والآن ها هي قيود الزواج تُضاف إلى ما يحمله؟
“إن تقصيري في تفهّم مشاعر عمّتي نابع من قصوري أنا.”
عند سماع كلمات كارليكس، ارتسمت ابتسامة رقيقة على محيا الكونتيسة.
“كم أنا ممتنة لك لتفهمك مشاعر عمّتك.”
“لكنني لا أفكر في الزواج حالياً.”
تجمدت ملامح الكونتيسة التي كانت تبتسم للتو، وتحولت إلى برود قارس في لحظة.
“لم أطلب منك الزواج فوراً كل ما أريده هو أن تريني استعدادك للزواج.”
أخذت ملامح كارليكس الهادئة تتصلب هي الأخرى مجدداً.
أدارت الكونتيسة رأسها وأشارت إلى إحدى الوصيفات.
وكأنها كانت تنتظر تلك الإشارة، تقدمت الوصيفة حاملةً رسالة مزخرفة برسومات أنيقة.
كان المغلف مختوماً بشمع أحمر، يحمل شعار القصر الملكي في روبيريا.
وضعت السيدة الرسالة على الطاولة.
“هذه دعوة من القصر الملكي سأحرص على حضورك لحفلة الراقصة هذه لقد تغيبت عن الأوساط الاجتماعية بحجة حماية الحدود وإدارة المقاطعة هذه المرة، يجب أن تتعرف على آنسة تعجبك. هذا ليس طلباً، بل أمر مني بصفتي كبيرة هذه العائلة وعرّابتك.”
قرأتُ في ملامح السيدة عزيمة لا تلين، وكأنها تعلن الحرب على عدو ولن تتراجع أبداً.
أعجبتُ بها في نفسي وأطرقتُ لساني.
حقاً، لقد كانت للعمّة خطة مدروسة.
كل ما جرى كان جزءاً من صورة أكبر لتقديم كارليكس إلى المجتمع لأول مرة.
بالطبع، كان كارليكس، هذا الوافد الجديد إلى الأوساط الاجتماعية الذي سيُقدم لأول مرة وهو في الخامسة والعشرين، يبدو عليه الامتعاض الشديد.
“عمتي، ألستِ تعلمين عمري؟ لقد فات أوان تقديمي إلى المجتمع.”
“يُقال إن أسرع وقت لفعل شيء هو عندما تعتقد أن الوقت قد فات.”
قطب حاجبيه باستياء.
بدا لي في تلك اللحظة كمراهق متمرد.
لم أتخيل أبداً أن أرى سمو الدوق، الرجل البارد والمتكامل دوماً، يهتز على هذا النحو بسبب قضية الزواج.
أمسكتُ على فمي بكلتا يديّ كتمًا لضحكتي خوفاً من أن يسمعها.
لكن نظراته الثاقبة سرعان ما التقطت حركتي، فرمقني بنظرة ارتياب.
“آنسة دييل، هل ضحكتِ للتو؟”
“حاشا، بالطبع لا. لقد دخل شيء في حلقي فحسب.”
تظاهرتُ بالبراءة وتناولت كوب الشاي بتصنع.
اتجه نحوي سمع السيدة الحاد والنافذ.
على الرغم من أنني لم أفعل شيئاً خاطئاً، شعرت بجفاف في حلقي وابتلعتُ ريقي بصعوبة.
“الآنسة دييل قد قُدمت إلى المجتمع بالفعل، أليس كذلك؟”
بحثتُ في ذاكرتي بسرعة لأرى إن كانت إيريكا قد قُدمت بالفعل أم لا.
فمع كونها شخصية ثانوية بلا حضور يُذكر في الرواية الأصلية، يصعب معرفة ذلك دون معلومات مسبقة.
تذكرت فجأة شكوى مربيتي عندما كنتُ في منزل الفيكونت بعد أن حللت محل إيريكا.
“لقد مرت سنتان منذ أن قُدمت الآنسة إلى المجتمع، فلماذا لا تتقدم أي عائلة لخطبتها؟ هذا أمر محزن وظالم حقاً لماذا لا يرون كم هي فتاتنا جميلة ورقيقة؟”
إذاً، لقد قُدمت إيريكا إلى المجتمع بصمت.
من ناحيتي، أنا سعيدة لأنني لم أضطر للخوض في تلك المتاعب المزعجة.
“أجل، لقد تم تقديمي قبل عامين.”
بدت على الكونتيسة علامات إلهام، فربتت بمروحتها على كفها.
“إذاً، هل تحضرين حفلة الراقصة أيضاً يا آنسة دييل؟ سأكون مرافقتك وأقدمك بنفسي في الحفل.”
“ماذا؟”
كدتُ أختنق بالشاي.
لماذا تطالني نيران هذا الأمر أنا أيضاً؟
“لماذا تجرين إيريكا إلى هذا، يا عمتي؟”
رد كارليكس بنبرة حادة وملامح متذمرة.
وضعت الكونتيسة يدها على فمها متظاهرة بالدهشة.
“يا إلهي! ألا تشعر بالأسف لأن فتاة جميلة تقضي وقتها في الأعمال الشاقة فقط، أيها الدوق؟”
“لكن يا عمتي…”
حاول كارليكس الاعتراض فوراً، لكنها قاطعته بفتح مروحتها بالكامل.
“كم هذا رائع! بما أن هذه هي أول حفلة راقصة اجتماعية لك يا كارليكس، يمكن للآنسة دييل أن ترافقك.”
أنا أرافق كارليكس؟
رسم مخيلتي صورة لكارليكس وهو يدخل قاعة الرقص ممسكاً بيدي متردداً.
“هاه ها!”
نظر إليّ كارليكس بذهول.
“آنسة دييل.”
“أنا آسفة.”
تنهد باستسلام وتراجع خطوة إلى الوراء.
“هاه… حسناً، سأمتثل لأمر عمتي.”
يا له من ذكاء خارق! لقد استغلت وجودي لإجبار كارليكس على حضور الحفلة.
“لقد أبقيتُ الدوق معي طويلاً. لقد أوصلت قصدي، لذا سأغادر الآن.”
نهضت الكونتيسة برشاقة، ثم التفتت وكأن شيئاً ما خطر ببالها.
“آنسة دييل، هل تتنزهين معي قليلاً؟ لنتأمل ورود حديقة قصر الدوق معاً.”
“بالطبع، مسرورة يا كونتيسة.”
خرجت الكونتيسة من غرفة الاستقبال أولاً، ونهضتُ لأتبعها.
“إيريكا.”
“نعم؟”
التفتُ فإذا بكارليكس واقفاً عاقداً حاجبيه.
كانت عيناه تغمرانني بقلق عميق وحيرة.
“أنا آسف. لا تأبهي بكلام عمتي.”
“ولماذا تعتذر لي يا سمو الدوق؟”
عند سؤالي، غشى نظرات كارليكس ظل كثيف.
“كل ما سمعتِه كان بسببي أنا عمتي كانت دائمة النفاذ إلى بواطن الأمور حتى أنها كانت ترى ما يخفيه قلبي عني أنا لذا، فلا بد أنها لاحظت مشاعري تجاهك.”
تذكرت عيني الكونتيسة اللتين كانتا تراقبانني.
ترى، هل كانت تنظران إلى قلب كارليكس أم إلى قلبي أنا؟ ربما كلاهما.
“لا، ليس كذلك. لقد كنتُ متوترة فقط لأنه لم يسبق لي أن رافقتُ سيدة نبيلة من قبل.”
“كلا. لم تكوني بتلك العصبية عندما قابلتِ جلالة الملكة لقد قلتي ما أردتِ قوله وحصلتِ على ما تريدين.”
عند سماع كلمات كارليكس، عضضتُ على شفتيّ بشدة.
أمام امرأة كأمك
أمام من تفهم آلامك ومعاناتك
أمام من تؤمن بك حتى لو تخلى عنك العالم أجمع
كيف لي أن أستهين بكلمة أو بحركة أمامها؟
ابتلعتُ الكلمات التي دارت في خلدي، كان مذاقها كدواء مرير فجرح قلبي.
ثم رسمتُ ابتسامة هادئة وناعمة.
“لا بأس. حقاً.”
***
عندما خرجتُ إلى الحديقة، رأيت الكونتيسة واقفة أمام شجيرات الورد القرمزي كأنها لوحة فنية، تظلل نفسها بمظلة بيضاء ناصعة.
لقد بدت كسيدة نبيلة خرجت لتوها من إحدى اللوحات الزيتية الشهيرة.
لم أرى أي خادم حولها، ربما لأنها أرادت التحدث معي على انفراد.
“هل نتمشى قليلاً؟”
كانت الحديقة تزخر بأنواع شتى من الورود والزهور الملونة التي تتفتق عنها البراعم.
عندما استنشقتُ عبير الأزهار، شعرت بارتياح طبيعي وتخلصت كتفي من توترها.
توقفت السيدة أمام وردة زهرية اللون، وربت على بتلاتها بأصابع حنون.
“ليس لدي أطفال. لكني أحب كارليكس ومايكل، ابني أخي، كما لو كانا فلذات كبدي.”
أدارت الكونتيسة رأسها لتلتقي عيناي بهدوء.
لقد تغيرت نظرتها التي كانت تومض بحزم بصفتها عرابة العائلة، لتصبح كحلم فتاة صغيرة.
“أنا أؤمن بالحب.”
“ماذا… آه؟”
وكأنها توقعت ردة فعلي هذه، ضحكت وهي تضع يدها على فمها.
“هيهيه، أليس هذا غريباً؟ أنا التي كنت أضغط على الدوق للزواج من امرأة لا يحبها، أقول إني أؤمن بالحب؟”
“لا، لم أقصد ذلك…”
تداركتُ الأمر وأنا أربت بيدي مذعورة.
“طوال سنواتي الطويلة في الأوساط الاجتماعية، رأيتُ العديد من نبيلات المجتمع يؤمنَّ بالحب، ثم يُجرحْنَ، ويُخنَّ، ويتحولَّن في النهاية إلى أدوات تستخدم الحب للظفر بالثروة والسلطة.”
لم تكن نظرتها قاسية كمن يحكم على الآخرين.
بل قرأتُ في ملامح الكونتيسة رقة تتسامح حتى مع عيوب من تقابله.
“ألا تتساءلين لماذا أؤمن بالحب في مجتمع يعتبره زيفاً وادعاءً؟”
ابتلعتُ ريقي بجفاف وفتحتُ شفتيّ بحذر.
“سيادتك… لقد تذوقتِ حباً صادقاً. أعتقد أنكِ عشتِ حباً حقيقياً.”
أشرقت ملامح الكونتيسة كأنها وردة تفتحت للتو.
“صحيح. زوجي الراحل، الكونت الراحل، كان يخلص لي في حبه ويعتز بي ما زال حبه يمنحني القوة لأعيش وأستمر. لهذا…”
استدارت السيدة لتطل على قصر الدوق من عبر حديقة الورود.
“أتمنى من كل قلبي أن يلتقي ابنا أخي بمن يحبون حقاً لا أريد أن أزوجهم زواجاً سياسياً يجمع بين عائلتين من أجل المصلحة. فالثروة والسلطة مجرد أشياء ثانوية، ولا شيء يضاهي مشاركة الحياة مع من تحب.”
فحصتني السيدة بنظرة جادة.
“لقد سمعت الكثير عن الآنسة دييل. سمعت عن بطولاتكِ الشجاعة في الأوساط الاجتماعية. كما أثنى عليكِ العلماء والنبلاء الذين يترددون على المكتبة بسبب حرفيتكِ في العمل.”
شعرت بالخجل حتى احمر وجهي.
واصلت السيدة كلامها.
“لهذا السبب ربما، شعرت وكأني أعرفكِ منذ زمن بعيد عندما رأيتكِ اليوم، رغم أن هذا لقاؤنا الأول. لذلك، كان أول سؤال خطر ببالي عندما رأيتكِ هو…”
ماذا عساها تسأل؟
كانت ملامح الكونتيسة ودودة، لكن عينيها الزمرديتين كانتا تشعان نقاءً يكاد يزيح القناع الذي يلف روحي.
تذكرت فجأة كلمات كارليكس.
لقد كانت تخترقني بنظرتها الآن.
“هل تحبين كارليكس؟”
كان صوتها ناعماً كالزهور، لكن الكلمة عندما اصطدمت بأذني كانت كصاعقة.
سؤال لم يطرحه عليّ أحد من قبل.
سؤال لم أطرحه أنا على نفسي قط.
لم يكن سوى سؤال، لكنه جعل شفتيّ ترتعشان، وأحرق جفنيّ، وغشى بصري ضباب.
شعرت بشيء كنت أضغط عليه في أعماق صدرى يكاد ينفجر، فعضضت على شفتيّ السفلى حتى كدتُ أتجرع دمي.
في تلك اللحظة، لفت يدها الناعمة حول يدي بهدوء.
عندها فقط أدركت أنني كنت أقبض على قبضتي حتى ابيضت مفاصلي.
“لا بأس، لا تجيبي الآن.”
“لكن…؟”
“كارليكس، ربما بسبب طبعه المستقيم، عاش طوال حياته من أجل عائلته والمملكة فقط. لذلك، عندما سمعت أنه سمح للآنسة دييل بالإقامة في قصر الدوق، لم أصدق صحيح أن السبب كان مهام رسمية، لكن طبعه لم يكن ليسمح بذلك أبداً.”
كان كلام السيدة صحيحاً.
عندما قابلت كارليكس لأول مرة، كان حتى أدنى احتكاك يضايقه.
لكن بعدها، تحول بروده فجأة إلى دفء، وتحولت نبرته الباردة إلى تعزية لطيفة، وتحولت نظرته المتجمدة إلى حرارة خانقة أحياناً وإصرار محموم.
كنت أرتعش في كل مرة أواجهه فيها، لكني كنت خائفة أيضاً.
خائفة من أن الأمر سيصعب عليّ.
خائفة من أن يجرفني شغافه النقي المستقيم.
“كنت أريد أن أعرف. أردت أن أتأكد بنفسي مما يشعر به كارليكس تجاه الآنسة.”
تألقت حبات اللؤلؤ المعلقة في المظلة الدانتيلا البيضاء برشاقة تحت أشعة الشمس.
بدت ابتسامة الكونتيسة الرقيقة تحت المظلة كحلم بعيد المنال.
“وقد حصلت اليوم… على إجابتي.”
ربتت السيدة على يدي بلطف.
كان تربيتها كمن يقول: “لا بأس، اهدأي”.
“أنتِ تعرفين تلك الإجابة أيضاً. فقط لم يحن وقتك النفسي بعد. هذا كل ما يمكنني قوله.”
كانت عيناها الزمرديتان دافئتين كسماء يوم ربيعي.
“المهم هو قلبكِ أنتِ. اتبعي قلبكِ. وفوق كل شيء، اعتزي بنفسكِ.”
التعليقات لهذا الفصل " 94"