“أتعلم أين ذهب الدوق الكبير؟”
في فترة ما بعد الظهيرة الهادئة، وجدت نفسي فجأة في لعبة غميضة لم تكن في الحسبان.
لعبة أنا فيها الطرف الوحيد الذي يبحث بكل اتجاه عن كارليكس.
كان لا بدّ أن أواجهه بكلمة ضرورية.
ظننتُ أنه حالما يعود إلى القصر سيتسنى لنا وقت للحديث، لكنّه بقي مشغولاً، بل وصار من العسير حتى رؤية طيفه.
قالوا “من عطش استعجل البئر”، فقررت أن أبحث عنه بنفسي.
لكن في هذا القصر المتسع كالمتاهة، لماذا يصعب العثور عليه كل هذه الصعوبة؟
طفتُ بالغرفة الخاصة، ومكتبه، ومكتبته، وصالة الاستقبال، والمطبخ، وساحة التدريب، والحديقة… لكن كارليكس لم يكن في أي منها.
“أنتَ تعلم أين الدوق، أيها السير جيلبرت؟ أخبرني وأنا أحسن إليك.”
لم أجد بداً من محاصرة جيلبرت في ساحة التدريب ودفعه نحو الجدار لاستجوابه.
الفارس المخلص بدأ يعرق ببرودة وتنهد باستسلام.
“أنا آسف! الدوق الكبير أمرنا ألا نخبر أحداً بمكان راحته. حتى لو كانت الآنسة إيريكا!”
لكمتي كادت أن تمحو خده الأيمن، لولا أنها استقرت في الحائط بجوار رأسه تماماً.
“آه!” صرخ جيلبرت مذعوراً.
أخطأت.
لم أتمالك نفسي عندما سمعت كلمة “سيده” فقد انطلقت يدي بلا وعي.
“أوه، هناك بعوضة هنا.”
نظر جيلبرت، الذي شحب لونه، إلى قبضتي وكأنه رأى شبحاً.
“عذراً… آنستي إيريكا. هل أصيبت يدك؟”
انسحبت من الحائط، تاركة ثقباً صغيراً في جدار ساحة التدريب الحجري يتساقط غباره.
يدي بالطبع لم تُصب بسوء.
يبدو أن الجدران هنا واهية، فالبناء قديم منذ مئات السنين.
“يدي بخير، لكن الجدار ليس بخير القصر قديم بالفعل، أليس كذلك؟”
غمزتُ بعين واحدة طالبةً موافقته، فلم يبخل جيلبرت بهز رأسه بحرارة.
خرجتُ من ساحة التدريب وأنا أتجول في البهو الرئيسي المرصوف بالرخام، منغمسة في تفكيري.
بقي مكان واحد يحتمل أن يكون كارليكس فيه. المشكلة كيف سأجد ذريعة للذهاب إليه؟
وفي تلك اللحظة، مرت خادمة صغيرة تحمل صينية فضية عليها طعام.
كانت تتذمر في لهجة باكية: “ما العمل؟ يجب أن أوصل الطعام إلى سيدي…”.
اقتربتُ منها وسألتُها بلطف: “ما بكِ؟”
“آه، آنستي! في الحقيقة… سيدي لم يتناول فطوره بعد، وعليّ أن أوصل له طعام الغداء. لكنني لا أعلم أين هو.”
“أنا أعرف. سأوصله له بالنيابة عنك.”
ترددت الخادمة وهزت رأسها: “كلا، كلا. لا يمكنني أن أحمّلكِ هذه المهمة، آنستي.”
“لا عليك. أنا ذاهبة إلى هناك على أي حال. أعطيني إياها.”
انتزعتُ الصينية الفضية من يديها بسرعة.
يا للذريعة المثالية التي وقعت في يدي!
فصحة ربّ الأسرة تهمنا جميعاً، أليس كذلك؟
حملتُ الطعام وتوجهتُ بثقة إلى آخر مكان يحتمل وجود كارليكس فيه: الحديقة الزجاجية.
***
ما إن وطئتُ قدماي الحديقة حتى ملأ عبير الورد المكان، ونسمات الهواء الخفيفة تتهادى بين الأشجار.
وفي أعمق نقطة وأكثرها خفاءً في الحديقة، خلف متاهات الأشجار المصفوفة وسياجات الورد الكثيفة، كان الحديقة الزجاجية تلمع كالجوهرة.
هيكلها الحديدي المتقن كالقفص، مغطى بزجاج رقيق مزين برسوم زهرية ملونة.
فتحتُ باب الحديقة ودخلتُ بحذر.
دفء لطيف غمر جسدي، والنباتات والأزهار المتعددة الألوان تتفتح في بهاء.
فراشات قليلة ترفرف فوق الأزهار.
أشعة الشمس تنعكس على الجدران الزجاجية للحديقة فتبعث ضوءً أبيض ساطعاً.
حبيبات الضوء البراقة كانت تتساقط هناك، على أريكة الاستلقاء في وسط الحديقة.
كان كارليكس مستلقياً عليها، نائماً بعمق وسكينة. على الطاولة إلى جانبه، كومة من الأوراق وقلم ريشة ومحبرة متناثرة.
كان يضع ذراع الأريكة تحت رأسه كوسادة، وأوراقه مبعثرة على صدره.
هل كان يطالع الأوراق ثم غلبه التعب وغفا؟
اقتربتُ منه على أطراف أصابعي كي لا يفيق.
جلستُ على الأرض بجانب الأريكة، أتأمل ملامحه الناعسة في هدوء.
تأملتُ حاجبيه الكثيفين المرسومين بدقة، ورموشه الطويلة الكثيفة التي تستقر تحتها.
تخيلتُ عينيه المختبئتين خلف تلك الرموش.
عيناه اللتان كانتا تنظران إليّ، وكأنها تتلون تحت أشعة الشمس بألوان متعددة، فتبدو كالجوهرة الثمينة.
في لقائنا الأول، كانت عيناه باردتين كالثلج، لكن مع الوقت، تحولتا لتحمل نظرة ملتهبة، تكاد تكون متعطشة.
أحياناً كنت أشعر بنظراته حتى وأنا مديرة له بظهري.
كنت أخشى أن تثقب نظراته مؤخرة رأسي!
انتقل نظري بلا وعي إلى شفتيه الواقعتين تحت أنفه المستقيم.
شفتاه بلون وردي غامق.
ما زلت أتذكر ملمسها عندما تبادلنا قبلة في خيمة مبارزة الفروسية تحت تأثير الخمر.
أتساءل، كيف سيكون الإحساس عند لمس تلك الشفاه؟
لم أستوعب ردة فعلي حتى وجدت يدي قد تحركت قبلي.
كنت على وشك لمس شفتيه بخفة،
“أوه…”
لكنه تأوه بألم خفيف.
جبينه كان معقوداً بشدة، وملامحه تعكس ألماً وكأن كابوساً يثقله.
هل يحلم حلماً مزعجاً؟
أمسكتُ بيده بحذر.
أردتُ أن أنقل له دفء وجود أحدهم إلى جانبه، أنه ليس وحده.
أردتُ أن أخبره، وهو تائه في كابوسه، أن يعود إلى هنا.
ألا يبقى تائهاً وحيداً بعد الآن.
“من أنتِ!”
فجأةً، فتح كارليكس عينينه وصاح بحدة.
في نفس اللحظة، جذب يدي بخشونة.
فقدتُ توازني وسقطتُ على صدره.
وفوراً، استل خنجراً حاداً ووضعَه على رقبتي.
بغريزة، ضربتُ معصمه بقوة.
تأثر بهجومي، سقط الخنجر من يده وتدحرج على الأرض.
كارليكس، الذي كان يحدق بي بعيون تطلق شرراً قاتلاً، بدا عليه الذهول عندما تأكد أنه أنا.
“إيريكا؟ لماذا أنتِ هنا؟”
“آه، أتيتُ لأسلمك طعامك. قيل لي إنك لم تأكل شيئاً اليوم.”
ابتسمتُ بارتباك ورفعتُ الصينية الفضية.
مرّ في عيني كارليكس لوم وتذمر.
مرر يده على وجهه وتنهد.
“كدت أرتكب كارثة. كنتُ سأؤذيكِ. هل أنتِ بخير؟”
“نعم. أنا بخير. كما ترى.”
هززتُ كتفيّ بلامبالاة.
نهض ببطء من على الأريكة.
جبينه كان معقوداً بقلق.
التقط الخنجر من الأرض، وملامحه كانت جادة.
“أحقاً، أنتِ من تصدتِ لهجومي؟ كيف استطعتِ فعل ذلك؟”
نظر إليّ كارليكس بتساؤل وريبة.
شعرت بوخز الضمير.
هل بالغتُ في رد الفعل؟
أنا لم أتعلم أي فنون قتالية أو دفاع عن النفس، ومع ذلك تصديت لهجوم سيد السيوف! حتى أنا أجد ردود أفعالي هذه مخيفة.
“أنا أتدرب على الدفاع عن النفس هذه الأيام. ربما هذا هو السبب.”
ألقيتُ الكذبة بكل برود.
نظرات كارليكس ظلت تلاحقني بإصرار، لكنني ابتسمت له ببراءة متعمدة.
“كيف عرفتِ أني هنا؟ هل أخبرك جيلبرت؟”
“لا. أنت تعلم أن السير جيلبرت فارس كتوم. حتى عندما هددته، أو بالأحرى توسلتُ إليه، لم يقل لي. لقد خمّنتُ مكانك بحدسي.”
ارتفع زاوية فم كارليكس باستمتاع.
“إذاً، أنتِ تعلمين جيداً أنه لا يسمح لأحد بدخول الحديقة الزجاجية.”
فجأة، بدأ بفك زري قميصه بيده حتى الرقبة، زران أو ثلاثة.
من خلال قميصه المفتوح، لفت نظري عنقه الغليظ، وتفاحة آدم البارزة، وعظمة الترقوة العميقة، وصدره القوي.
دوت أجراس الإنذار في رأسي.
هذا خطر.
في روايات الرومانسية، عندما يبدأ البطل بفك أزرار قميصه فجأة، فهذه بداية مشهد عاطفي!
سأؤجل ما أريد قوله.
البقاء هنا لفترة أطول سيكون خطراً.
ابتسمت ابتسامة متصنعة وبدأت بالتراجع خطوات خلفية دون أن يشعر.
“لقد نسيتُ أن الدخول إلى هنا ممنوع. حسناً، سأذهب إذاً. تناول طعامك واستمتع بوقتك.”
بمجرد أن أنهيت كلامي، أسرعتُ لفتح باب الحديقة لأهرب،
“قفي. إيريكا.”
صوت كارليكس الناعم الآمر أوقف خطواتي.
كان قد استلقى على الأريكة بارتياح، ومدّ ساقيه الطويلتين.
الابتسامة على فمه اختفت.
“كلامك صحيح. لا يمكن لأحد أن يدخل إلى هنا. إلا…”
واجهتُ عينيه الزرقاوين المتوهجتين بدفء صادق، فشعرت بدوار.
“…شخص واحد فقط.”
تجنبتُ نظراته عمداً.
ماذا يجب أن أقول؟ لم أجد رداً مناسباً.
وقفتُ في مكاني محرجة، فأشار لي بالجلوس بجانبه.
“لا تقفي هكذا، تعالي واجلسي هنا.”
اضطررتُ لرفع ذيل فستاني والجلوس إلى جانبه.
فتح الغطاء الدائري على الصينية الفضية، فظهر شطيرة لحم .
ناولني كارليكس واحدة من الشطائر.
“شاركيني الأكل.”
“هذه وجبتك أنت. شطيرة واحدة لن تكفيك.”
“الأكل وحده ليس لذيذاً وأنا أشعر بالشبع بمجرد رؤيتكِ وأنتِ تأكلين.”
نظرتُ إليه بعينين ضيقتين.
“سأعتبر هذا إطراءً على شهيتي.”
أكلتُ الشطيرة بنهم، وهو يراقبني بارتياح.
ثم أخذ قضمة من شطيرته أيضاً.
لاحظته بطرف عيني.
لماذا أشعر بالاطمئنان والسعادة عندما أراه يأكل؟ ربما لأن الطعام هو أساس الحياة كما نؤمن نحن الكوريون.
بعد أن شبعتُ، شعرت بالخمول والراحة.
اتكأت على الأريكة وأنا أحدق بالسقف.
أشعة الشمس المتساقطة من سقف الحديقة الزجاجية كانت تتلألأ كالجواهر.
“أتذكر المرة الأولى التي جئتُ فيها إلى هنا.”
“أتذكر. كنتِ قد وضعتِ زهرة الورد التي أعطيتكِ إياها في شعركِ وهربتِ.”
“هذا سوء فهم بدا لي أنك مشغول، ففضلتُ أن أفسح لك المجال.”
“أتمنى ألا تهربي اليوم. ولن أسمح لكِ بذلك أيضاً.”
عندما أدرتُ رأسي، وجدتُ كارليكس يبتسم ابتسامة مرحة.
تأملتُ للحظات، هل كان يعرف أن يبتسم هكذا؟
طالما رأيته بملامح جامدة، أو ساخرة، أو ملامح فارس صارم.
يده بدأت تقترب مني ببطء.
لم أتمكن من التهرب، كل ما استطعتُ فعله هو التحديق في أطراف أصابعه.
بإصبعه السبابة، مسح شفتيّ بهدوء.
دفء يده انتقل من شفتيّ إلى جسدي كله في لحظة.
شعرتُ بارتعاش يده وهو يلمسني، كان يختلج بمشاعر جياشة. وقلبي أيضاً كان يدق بجنون.
أصابعه ظلت تداعب شفتيّ بحنين، ثم أمسك بذقني بحذر.
وبينما كان يمسك بذقني بلطف كمن يمسك زهرة ، أخذت أنفاسي تتسارع.
قبل أن يقترب وجهه أكثر، دفعته بعيداً.
رفضي الواضح جعل عيني كارليكس تضطربان كبحر هائج.
تجاهلتُ ردة فعله، وفتحتُ فمي بهدوء.
“لدي ما أقوله لك. أيها الدوق الكبير.”
“ماذا؟”
سأل كارليكس باختصار وهو يمسح خصلات شعره المبعثرة عن وجهه.
جلستُ منتصبة القامة وأنا أقول بهدوء الغرض من مجيئي.
“سأغادر قصر الدوق.”
توقف عن التنفس للحظة، ثم جاء الرد فوراً.
“لن أسمح لكِ، إيريكا.”
كان هذا أول أمر يصدره بحقي.
ملامحه كانت حازمة، وكأنه لن يقبل أي معارضة.
أدركتُ فجأة مكانته التي تمكنه من إصدار الأوامر لي.
كارليكس هو القائد الأعلى للجيش في روبيريا، والمسؤول عن إدارة كتب السحر.
أي أنه يستطيع أن يأمرني، أنا أمينة مكتبة الملكية، في أي وقت.
كم كنت قريبة منه بشكل شخصي لدرجة أنسى معها هذه الحقيقة البسيطة.
ابتلعتُ مرارة الضحك، وتابعتُ بنبرة رسمية.
“لقد مكثتُ في قصر الدوق وقتاً طويلاً. الآن سأذهب للعمل من مسكن المكتبة لم تعد هناك تهديدات لسلامتي، والأمن في العاصمة مستتب. وأيضاً،”
“أنا لا أريد أن أترككِ تذهبين.”
قاطعني فوراً.
للحظة، انعقد لساني.
حقاً، هذا الرجل لا يعرف التردد في التعبير عن مشاعره.
لكي أكتم ارتجاف قلبي، زادت قبضتي على طرف فستاني
يتبع في الفصل القادم
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 89"