أخرج منديلاً من جيبه، وبدأ بمسح الدم المتدفق من أصابعي.
لم أصدق أنه أمامي.
هل كان ذلك هلوسة؟
“كارليكس؟”
نطقت باسمه بحذر.
استجاب لي بنظرات عينيه العميقتين المليئتين بالقلق والأسى وهو يحدق بي.
“النزيف غزير هل تشعرين بالألم؟ هل يؤلمك كثيرًا؟ سيصل ويليام قريبًا، فقط تحملي قليلاً.”
أمطرني بكلماته المفعمة بالقلق الحنون.
اغرورقت عيناي بالدموع، هززت رأسي بصمت.
“إنه جرح سطحي. أنا بخير.”
لف كارليكس منديله بإحكام حول أصابعي بعد أن توقف النزيف.
“لماذا واصلتِ الرماية حتى جرحت يدك؟ لقد طلبت منك ألا تجهدي نفسك.”
صوته الحنون الذي وبخني بلطف، ونظراته المفعمة بالقلق.
ذاب التوتر الشديد والغضب الذي يعصر معدتي كما يذوب الثلج.
تحت لمساته الدافئة، تلاشت حدّة قلبي كالسراب في يوم ربيعي.
لقد مر وقت طويل منذ أن رأيته.
هبت ريح من مكان ما.
حملت عبيره، رائحة الحبر والورق، ورائحة الحديد من درعه.
أخفت نظراته نحوي خصلات شعره الأمامية المتدلية حينها فقط لاحظت كم أصبح شعر كارليكس طويلاً.
لا بد أنه كان مشغولاً للغاية حتى لم يجد وقتًا لقص شعره. وكم طالت مدة فراقنا.
حتى بعد أن أنهى إسعافي، ظل ممسكًا بيدي، كأنها كنز ثمين.
جرفني شوق غامر نسيت أني أشعر به.
تأخرت في تقديم أعذاري بصوت متقطع.
“لقد صرت مولعة بالرماية هذه الفترة…”
“أخبريني ما الأمر، إيريكا.”
كان حساسًا لمشاعري، واكتشف الأمر.
كان الغضب أقرب من الحزن، لكني لم أرد أن أذكر فرانز أمامه.
هززت كتفي بتجاهل متعمد.
“فقط متعبة بعض الشيء، كان هناك الكثير من العمل.”
“لا بد أن عمل نادي الكتاب لم يكن سهلاً. لكن عليكِ أن تعتني بنفسك أولاً.”
مرر كارليكس يده على خصلة شعره الأمامية المتطايرة.
بدت عليه علامات الإرهاق واضحة.
لا بد أنه كان منهكًا بسبب جبال العمل التي لا تنتهي.
كان لدي ما أريد قوله له بمجرد أن أراه.
كنت سأقول له: “أتعبت نفسك كثيرًا، أنا سعيدة بعودتك سالمًا، لقد اشتقت إليك.” ولكن ما خرج من فمي أولاً كان:
“ظننت أن سمو الدوق غاضب مني.”
نظر إلي كارليكس باستغراب وابتسامة ساخرة لا تصدق.
“لماذا خطر لك هذا؟”
شعرت بالخجل فأبعدت بصري عنه وقلت:
“لأنك لم ترسل لي حتى رسالة واحدة.”
لم يرسل كارليكس أي رسالة لأكثر من أسبوعين بعد مغادرتي قصر الدوق.
في البداية، تفهمت الأمر، قلت لنفسه إنه مشغول.
ولكن ويليام الذي يعمل معه، كان يرسل لي رسالة كل ثلاثة أيام مليئة بالاهتمام بعمل المكتبة وبالقلق عليّ كراعية.
حتى ولي العهد أرسل رسائل مزعجة!
نظر إلي كارليكس بذهول بعد كلامي.
“لم أعتقد أنكِ ستنتظرين رسائلي أنا.”
“ولماذا لا؟”
سألته بدهشة، فتحاشى نظراتي.
“ألم تكن تنتظرين رسائل سمو ولي العهد؟”
“ماذا؟!”
صرخت لا إراديًا من شدة صدمتي.
هل خدر التوتر الوظيفي قدرته على الحكم على الأمور؟
“هل ظننت حقًا أنني معجبة بسمو ولي العهد؟”
تجهم وجهي من السخافة وضيق الصدر.
نظر إلي كارليكس بارتياب من رد فعلي الذي أظهر اشمئزازي الحقيقي.
“ألم تكوني؟”
تنهدت تنهدًا ثقيلاً تمنيت معه أن تخسف الأرض بي.
لهذا أقول إن سمو الدوق، الذي لم يسبق له أن وقع في غرام أحد في حياته، لا يملك أي حس.
“أبدًا، وألف لا. أنا لا أتعامل مع زير نساء مثل سمو ولي العهد.”
“أرى.”
رفع كارليكس زاوية فمه بابتسامة رضا.
“أجل. والآن، أيمكنك أن تترك يدي…”
وقبل أن أكمل جملتي، رفع كارليكس يدي الملفوفة بالمنديل إلى شفتيه.
شعرت براحتيه تنفثان نفس الارتياح، دافئ ودغدغ، فارتعشت كتفي لا إراديًا.
“هل أنتِ حقًا بخير، إيريكا؟”
ما الذي تعنيه بكلمة “بخير”؟
هل أسأل إذا كنت غاضبة؟ أم أقصد تقبيله ليدي؟ أم قلبي الذي يدق بجنون الآن؟
الجواب على كل هذه الأسئلة هو: لا، لست بخير.
لكن نظرات كارليكس كانت دافئة وحنونة جدًا، لدرجة أن كل قلقي وغضبي تلاشى كالزبد الذي جرفته موجة.
“أنا بخير، حقًا. يا سمو الدوق.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
رفع يده الأخرى إلى خدي.
كانت لمساته رقيقة وحذرة، وكأنه يخشى أن أرفضه. أسندت خدي بكل هدوء على يده الكبيرة الدافئة.
كم كان هذا الدفء مريحًا في هذه اللحظة.
هدأت أعصابي الحادة والمضطربة التي ظلت تراودني طوال اليوم.
لماذا أريد البكاء الآن؟
كلما التقيت به، يلين قلبي ويصبح دافئًا ورقيقًا. وبسهولة شديدة.
“تبدين كطفلة صغيرة اليوم.”
“كان يومي متعبًا جدًا.”
“أعلم. أنتِ دائمًا مجتهدة.”
كان صوته يهدئ من روعي كتهويدة.
“هل انتهيت من عملك أيضًا، سمو الدوق؟ أستعود إلى قصر الدوق الآن؟”
“أجل. لقد جئت لأخذك معي.”
على صوته الحنون الذي يثير البكاء،
أومأت برأسي كطفلة تريد العودة إلى البيت بسرعة.
***
استعاد قصر راينهارت للدوق حيويته بعودة رب الأسرة بعد غياب طويل.
كان الخدم بمن فيهم كبير الخدم يتحركون بنشاط، ينظفون كل زاوية وركن في القصر دون ترك ذرة غبار واحدة.
حتى أجواء القصر الهادئة والساكنة عادةً، عمها ضحك مبهج وأجواء مفعمة بالحماس بعودة كارليكس.
الأهم من ذلك كله، كان مايكل الذي كان مكتئبًا قد استعاد ابتسامته المشرقة مما جعلني أشعر بالارتياح.
لا يزال كارليكس مشغولاً لدرجة أنه لم يتمكن من مشاركتنا الطعام.
سمعت أنه كان منهمكًا في تنظيم المستندات بسبب تراكم الأعمال المتعلقة بمقاطعة الدوق.
تنهد مايكل برقة بشفتيه الصغيرتين قائلاً: “أخي عاد إلى القصر بعد طول غياب، لكنه لا يزال مشغولاً.”
أما أنا، فقد استمتعت بالراحة والاسترخاء في قصر الدوق خلال عطلتي التي طال انتظارها.
كانت الحياة هنا مريحة وممتعة يومًا بعد يوم، وكأنني أعيش في حلم جميل.
كنت أتناول الطعام مع مايكل الجميل وأثرثر معه بصوت خافت، أو أقرأ الكتب في المكتبة حتى أشبع، أو أستكشف الغرف المختلفة وأقضي وقتي.
كان خدم عائلة الدوق يعاملونني باحترام ويبذلون قصارى جهدهم لرعايتي.
باستثناء بعض الأمور المزعجة.
كان كبير الخدم صموئيل، الذي يبلغ من العمر أوائل الستينات، رجلًا مثاليًا كمالي.
كان معروفًا بصرامته وتشدده في إدارة القصر دون أي تقصير وفي قيادة الخدم.
لكنه كان يبتسم لي ابتسامة راضية وحنونة، ويرسل لي نظرات داعمة كلما رآني. لماذا بحق السماء؟
“آنسة إيريكا، هل ترغبين في أن أجهز لكِ الشاي في المكتبة الليلة؟ سأخبر سيدي بذلك. يجب أن تقضيا وقتًا حميميًا…”
“أوه، لا عليك. لدي موعد مسبق مع سيدي الصغير للعب الورق.”
رفضت اقتراحاته العديدة التي تحاول دفعي بلطف لقضاء الوقت مع كارليكس، حتى أنني صرت أختبئ بمجرد رؤية ظل كبير الخدم.
كما تقربت من آن، الخادمة المسؤولة عن غرفتي، وتعلمت منها عن أخبار فتيات المجتمع، وأحدث صيحات الموضة في الفساتين، وطرق التجميل.
أخبرتني أنها تراسل خادمة تعمل في قصر آخر لتعرف أخبار المجتمع.
تنتشر أيضًا شائعات المجتمع السرية – مثل علاقة الكونت الفلاني غير الشرعية، وفضيحة زوجة الماركيز الفلاني – ألا يمكن أن يكنّ هنّ الصحفيات الخفيات للمملكة؟
المشكلة أن آن كانت تطرح أسئلتها بنظرات متلهفة مما يربكني.
“أرجوكِ أخبريني هذه المرة، ما هي علاقتكِ بسمو الدوق؟”
التعليقات لهذا الفصل " 88"