“البقاء في المكتبة الملكية يمنحني حرية وسعادة أكثر من التواجد في القصر. لذا، سأعتبر أنني لم أسمع بهذا الاقتراح.”
أيًّا كان التاريخ الذي ننظر فيه، شرقًا أو غربًا، لن نجد الكثير من الأمثلة على أميرات أو ملكات عشن حياة سعيدة.
صحيح أنهن تمتعن بالبذخ والسلطان، لكن النهاية كانت شقية في الغالب.
إما أن يقعن ضحايا صراعات سياسية، أو يُغدر بهن المقربون فيتجرعن السم، أو يُتهمن بالخيانة العظمى فيُبيد أفراد أسرهن.
وإن حالفهن الحظ، فقد يُنفين إلى قصر بعيد ليمضين ما تبقى من العمر وحيدات.
رفع رئيس المجلس حاجبه باستغراب ممزوج بالاهتمام:
“منصب وليّة العهد يحسد عليه الجميع. تملكين الفرصة لنيل تاج يحلم به الجميع، أترضين بمجرد منصب أمينة مكتبة؟”
“أيها الرئيس، ألم تسمع بالمثل القائل: ‘من أراد أن يرى المستقبل، فعليه أن ينظر إلى التاريخ’؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
“لستُ بمقامكم طبعًا، ولكن بوصفي أمينة مكتبة، قرأت الكثير من كتب التاريخ وتعلمت منها درسًا: سر الحياة هو أن تمتدّ رفيعةً طويلةً، وأن تقنع بسعادة صغيرة فالسلطة، رغم بهائها، ما هي إلا كزهرة لا بد لها من الذبول.”
لمعت في عيني الرئيس رايخن للحظة دهشة عابرة.
“آنسةٌ صغيرة تتحدث وكأنها عاشت عقودًا من السنين!”
توقف قليلًا، وكان واضحًا على ملامحه أسف شديد.
“حتى لو تنازلت عن فكرة زواجك من ولي العهد، أفلا تفكرين في أن تصبحي أختًا لابنتي؟ عرضي بتبنيك لم يكن فقط لأن ولي العهد يحظى بحبك.”
كان حديثه جافًا بعض الشيء، لكن عينيه حين نظرتا إليّ كانتا دافئتين.
أيكون رجل الدولة القوي في روبيريا مجرد أبٍ ضعيف القلب أمام أمر أطفاله؟
حاولت أن أبتسم ابتسامة رسمية بقدر الإمكان.
“آسفة، لكن هذا يبدو مستحيلًا. لكن، إن زارت ابنت المكتبة، فسأخدمها بكل إخلاص.”
نظر إليّ الرئيس رايخن بأسى، ثم أومأ برأسه واستدار.
بدا كتفاه المشدودان وقد ارتخيا قليلًا.
كان مشهد ظهره يذكرني بأبٍ منهك القوى، فشعرت بضيق في صدري.
قررت مرافقته إلى بهو المدخل الرئيسي للمكتبة توديعًا له.
تأملت جانب وجهه، فبدا غارقًا في أفكار عميقة وحيرة.
هل كان يفكر في مشكلة ترشيح وليّة العهد بصفته رئيس المجلس؟ لا، لا داعي للانشغال بذلك. هذا ليس من شأني.
صحيح أن مرشحات منصب وليّة العهد موجودات في نادي الكتاب، لكنهن يظهرن كفاءتهن ويواظبن على الدروس.
حتى إلياد، التي كنت أخشى أن تثير المشاكل، كانت هادئة.
اختيار إحداهن من عدمه هو من اختصاص ولي العهد لودفينغ.
أمر لا يعنيني أبدًا. إن النجاة من مصيري كشريرة ثانوية هو ما يشغلني.
وصلنا إلى البوابة الكبرى الفخمة للمكتبة في صمت ثقيل.
فتح الحارس الباب محييًا إيانا باحترام.
خرج الرئيس من شروده العميق والتفت إليّ:
“آنسة دييل، أشكركِ على تلبيتكِ لطلبي غير المعقول. لكن أريدكِ أن تعلمي شيئًا واحدًا.”
تحدث الرئيس بنبرة جادة:
“سموه لا يزال يعاني ويشعر بذنب كبير من آلام ذلك اليوم قبل سبع سنوات.”
“… أعلم ذلك.”
قلت بثقل.
المأساة التي حدثت قبل سبع سنوات وخلّفت ندوبًا عميقة وكوابيس في نفس كارليكس، تركت نفس الألم في نفس لودفينغ.
ولهذا السبب، حتى لو تصرف ولي العهد بطيش، أو كدون جوان، أو ابتسم بمكر، لم أستطع أن أكرهه.
لأنني كنت أرى خلف ذلك الوجه المرح والمشرق، صبيًا وحيدًا يتألم ويتحمل آلامه.
نظر الرئيس في عينيّ بعمق وتابع:
“كنت أعتقد أن من يجب أن تصبح زوجة ولي العهد هي من تستطيع مداواة جراحه وتشاركه مشاعره ولهذا اقترحت عليكِ. فسموه يبدو مرتاحًا ويضحك بأريحية حين يكون معكِ.”
إذاً لهذا السبب كان الرئيس يلاحقني بنظراته حين تحدثت مع ولي العهد في مجلس النبلاء.
لقد أساء فهم علاقتي بسموه منذ ذلك الحين.
“أتفهم قصدك جيدًا. صحيح أنني لا أستطيع أن أكون رفيقة درب ولي العهد، لكنني سأبقى إلى جانبه كخادمة مخلصة وصديقة.”
كشفت عن مشاعري الحقيقية بهدوء.
فرغم أن لودفينغ يثير رغبتي في ركله أحيانًا، إلا أنه يبقى كأخ لا يُبغض.
“سأعود حالاً أرجو من الجميع التزام الهدوء والاستعداد للحصة القادمة.”
***
في غرفة الراحة، بعد أن هدأت ميلاني قليلاً، حكت لي ما حدث.
كانت القصة كما توقعت تماماً.
إلياد لم تفوّت فرصة للسخرية من ميلاني أمام الجميع، مستغلة عدم وصولها للقائمة النهائية لمرشحات منصب وليّة العهد.
“آنسة باريت”
قلت لها بصوت ناعم لكن حازم،
“ما حدث معكِ اليوم أمرٌ مؤسف حقاً. لكن اسمحي لي بنصيحة صغيرة.”
نظرت إليّ بعينيها المنتفختين من البكاء.
“في هذه الأيام، أنتِ لستِ مجرد آنسة نبيلة تدرس في نادي كتاب أنتِ أيضاً مرشحة لمنصب رفيع وحساس بعض الناس قد يختبرون حدودكِ بهذه الطريقة قوة الشخصية ليست في الصخب، بل في التماسك وعدم منح الخصم متعة رؤية دموعكِ.”
عضت ميلاني على شفتها السفلى وأومأت برأسها ببطء.
“لكن…”
همست بصوت خافت،
“ما قالته عن عدم أهليتي…”
“وهل تعتقدين أن رأيها هو الحكم المطلق؟”
قاطعتها بلطف.
“أنتِ هنا، تدرسين وتجتهدين وهذا ما يهم بعض الناس يهاجمون ليس لأنكِ ضعيفة، بل لأنهم يشعرون بالتهديد من وجودكِ.”
لمعت في عينيها نظرة مختلفة قليلاً.
ربما كانت أولى خطوات الثقة.
“والآن،”
وقفت ومددت يدي لها،
“لنعد قبل أن يبدأ الدرس التالي، وتذكري، أن تكوني أنيقة يعني أحياناً أن تبتسمي في وجه من يحاول إيذاءكِ.”
مسحت ميلاني آخر دموعها ووقفت ممسكة بيدي.
عدنا إلى القاعة، وكانت إلياد تنظر إلينا بعينيها الضيقتين.
لكن ميلاني هذه المرة رفعت رأسها قليلاً وتجاهلتها تماماً.
ابتسمت في سري.
ربما لا أستطيع تغيير مصيري كمحتلة لهذا العالم، لكن على الأقل، يمكنني مساعدة بعض الفتيات ليكبرن درعهن الخاص.
التعليقات لهذا الفصل " 84"