اقتربتُ منها لأتحقَّقَ من هوية الزائرِ الذي يقفُ خلفَ الباب.
كان نبيلاً في منتصف العمر، ذي طلعةٍ صارمة، بشعرٍ بنيٍّ مُصفَّفٍ إلى الخلف بدقّةٍ دون أن تفلتَ منه خصلةٌ واحدة، وكان يرتدِي معطفًا رسميًا باللون الأزرق الداكن.
إنه الماركيز فيلت رايخِن، مستشار المملكة “روبيريا” ورئيس مجلس النبلاء.
أذهلَنا ظهورُ هذا الزائرِ المهمّ دونَ سابق إنذار.
كانت السيدة ماريان، سريعة البديهة، أولَ من بادرَ بالتحيةِ بلباقة.
“سيدي الرئيس رايخِن، نشكرُ لك تشريفَك المكتبةَ الملكية. لَو سمحت، ما هو سببُ زيارتك؟”
أومأ برأسه بوجهٍ خالٍ من التعبيرات.
كانت عيناه البُنّيتان الباردتان كالجليد تخترقانني من الداخل، أو هكذا بدا لي.
“جئتُ لأتحادثَ مع كبيرةِ أمناء المكتبة، الآنسة إيريكا، حولَ الكتب.”
بعد أن غادرت السيدة ماريان وروز، دخل الرئيس رايخِن إلى المكتب.
“هذا ما يقولُه الجميع عندما يأتونَ للمرة الأولى. في الحقيقة، ليس هذا هو ذوقي الشخصي، لكنّه أثاثٌ اضطررتُ لقبوله كهدية.”
“يبدو ذلك واضحًا للوهلة الأولى إنها تعكسُ تمامًا ذوقَ سموِّ ولي العهد الباذخ.”
تأمّل رايخِن الأثاثَ بعينٍ خبيرةٍ كمثمّنٍ للتحف.
ثمّ همسَ بابتسامةٍ تنذرُ بشرّ.
“لم أكن أتوقعُ أبدًا أن يكونَ هذا المكانُ ليس مَكتبَ أمينةِ مكتبة، بل موعدًا غراميًا لسموِّه …”
صُدمتُ من تصريحه العبثيّ وكأنّ النارَ مسّتني، فصرختُ على عجل:
“ماذا؟! حاشا لله! أنت مخطئ تمامًا، سيدي الرئيس.”
ما الذي يخطط له هذا الرجل العجوز بزيارته هذه؟
لم أستطع تَوقُّعَ نواياه على الإطلاق، فتصبّبَ العرقُ الباردُ مني رغمًا عني.
“سيدي الرئيس، أرجو الانتظار قليلاً. سأُحضر لك الشاي.”
دخلتُ المطبخَ الصغيرَ الملحقَ بالمكتب ووضعتُ إبريقَ الشاي على الموقِد.
وبينما كان الماءُ يغلي، فكّرتُ في الهدف من زيارة الرئيس رايخِن.
لو كانت الزيارةُ رسميةً للمكتبة، لكان ويليام قد أخبرَني مسبقًا.
أما مجيءُ نبيلٍ بهذا الحجم دون سابق إنذار، فهذا يعني أنها … زيارة غير رسمية لا يريدُ لأحدٍ أن يعلم بها.
ما الذي قد يدفعُه لزيارتي دون موعد؟
لا يمكز أن يكون … بسبب نادي الكتاب؟
بصفته رئيس مجلس النبلاء، من المؤكّد أنه يعلم بوجود إحدى مرشحاتِ الزواج من ولي العهد في النادي.
وضعتُ فنجانَي الشاي على الصينية وحاولتُ جاهدةً ألا يُظهرَ توتر.
تذوّق الرئيس رايخِن الشاي الذي قدّمته له على مهل.
“مذاقُ الشاي رائع.”
“شكرًا لك.”
بادلَني التحيةَ الرسمية، ورددتُ عليها بالمثل.
بعدها، ساد صمتٌ ثقيلٌ ومُربك.
وعندما وضع فنجانه، برقت في وجهه الخالي من التعبيرات ومضةُ اهتمام.
“سمعتُ أن نادي الكتاب الذي يُعقد هذه الأيام في المكتبة الملكية هو حديثُ الأوساط الاجتماعية.”
“حقًا؟ إذاً، فالأوساط الاجتماعية سريعةٌ في نقل الأخبار كما هو متوقّع.”
“يُقال أن جلالةَ الملكة تدعمه وتهتم به كما أن الطاقم التدريسي ممتاز، والمنهج الدراسي متعمق، والجميع يثني عليه.”
“هذا كرمٌ منك الفضل يعود لحماس واجتهاد الطالبات.”
أجبتُ بتواضع، لكن حلقي كان يابسًا من شدّة التوتر.
إذاً، حقًا جاء بسبب نادي الكتاب!
وبالتفكير، فقد سمعتُ أن لديه ابنةً وحيدةً صغيرةً لم تَخُضْ موسمَ التقديمِ المجتمعي بعد.
أتراه جاء ليطلبَ منّي توسّطًا غيرَ شرعي لإلحاق ابنته بالنادي؟
مع انتشارِ صيتِ النادي في الأوساط الاجتماعية، وخاصة بعد أن شاع خبرُ دعم الملكة له، تلقيتُ استفساراتٍ من عدة نبلاء.
ولكن بالنظر لامتلاء الأماكن، ورغبتي في تخصيص المقاعد المتبقية لفتيات الأسر المتواضعة بدلاً من نبيلات البيوت المرموقة، كنتُ أعتذرُ بلباقة.
الرئيس رايخِن، الرجلُ القويُّ في روبيريا والمسؤولُ عن خطط إدارة الدولة وشؤونها التنفيذية.
إن كان هذا الوزيرُ النزيهُ الصارمُ، الذي يحافظ على القانون والمبادئ كأنهما شرفه، إن كان هو نفسه سيأتي ليطلبَ وساطةً متخليًا عن مبادئه، فهل يستطيع أحدٌ الرفض؟
عندما وصلتُ إلى هذا الحدّ في تفكيري، شعرتُ بعرقٍ باردٍ يتصبّبُ من ظهري.
قبضتُ يديَّ اللتين كانتا موضوعتين على ركبتيّ بشدة.
لمعت أحاديّةُ نظّارته المعلّقة على أنفه تحت الضوء. كان شعاعها حادًا كالسكين، فأقشعرَّ بدني.
“آنسة دييل.”
تكلّم بنبرة هادئة.
“كوني أختًا لابنتي.”
“… ماذا؟”
كدتُ أن أشرقَ بالشاي الذي كنتُ أشربه.
أيّ كلامٍ هذا الذي سمعتُه للتو؟
أيمكن أن يكونُ يعاني نفسيًا بسبب الضغوط الهائلة لإدارة الدولة؟
تفحّصته بحذرٍ من أعلى لأسفل بنظرةِ شفقة.
إما أنه شعر بنظرتي أو أنه تملّكه الارتباك، فسعلَ سعلةً جافةً متصنعةً.
“أود أن أوضح لكِ سلفًا أن عقلي سليم لا تُسيئي الفهم.”
حدّق فيّ بعينيه البنّيتين وكأنه يُقيّمُني.
“سأكرر اقتراحي رسميًا. أرغب في تبنّيكِ، آنسة ديي، كابنةٍ لي سأعاملكِ تمامًا مثل ابنتي البيولوجية وسأدعمكِ دونَ تقتير إذا كنتِ ترغبين في أن تصبحي زوجةَ ولي العهد، فسأدعمكِ بكل ما أوتيتُ من قوّة”
لم أفهم كلّ شيءٍ إلّا بعد أن استمعتُ لتصريح الرئيس، وكأن القطعةَ الأخيرةَ في اللغز قد وقعت مكانها.
إذاً، الأمرُ كله حساباتٌ سياسية في النهاية.
حتى الرئيس رايخِن، الذي لا يُقال عنه إنه يطمح للسلطة، يُقدم على تبنّي ابنةٍ فقط ليخوضَ معركةَ وحلِ مرشحاتِ الزواج من ولي العهد.
ابتسمتُ بسخرية.
ما هذا السُّلطان؟
“ألا يمكن أن تكون قد أخطأت في اختيار هدف استثمارك؟ أنا مجرد أمينة مكتبة من عائلة فيكونت، لم أُرشَّح حتى لخطبة ولي العهد.”
لم يتغيّر تعبير وجهه أمام تهكّمي، وبقي هادئًا.
“أنتِ مخطئة يا آنسة دييل. لو كنتُ أطمع في منصب زوجة ولي العهد، لرشّحت ابنتي. إنها لا تزال صغيرة، لكن بضع سنواتٍ ويصبح عمرها مناسبًا تمامًا”
“لماذا لا ترشّح ابنتك إذاً لخطبة ولي العهد؟”
ارتفع صوتي رغمًا عني وكأنني أُحاوره.
فعبس قليلاً كما لو كان متألمًا.
“همم، من وجهة نظر موضوعية، ابنتي …”
توقّف فجأة عن الكلام وأخفض رأسه.
رأيتُ بوضوح نظراته المضطربة من وراء نظارته الأحادية.
أيمكن أن يكون … بسبب مشاعر الأبوة؟
هل يخطط لتبنّي ابنةٍ بديلة لحماية ابنته الحبيبة من أن تصبحَ ضحيّةً سياسية؟
استجمع الرئيس رايخِن مشاعرَه، ثم استقام في جلسته محدّقًا بي مباشرة.
“من المؤسف، لكن ابنتي لا تملك حتى المؤهلات الأساسية لتكون زوجةَ ولي العهد. لو أصبحت هي زوجته، لسبّب ذلك ضررًا كبيرًا للمملكة.”
قيّمَ ابنتهَ ببرودةٍ وبوجهٍ خالٍ من أي تردد.
للحظة، لم أجد ما أقول.
هذا أقسى من تقييمات مسابقات آيدول!
حقًا إنه رجل صارم في مبادئه حتى مع ابنته.
اتّضح الآن أن الرئيس رايخِن لا يسعى لتبنّي بسبب شهوة السلطة، لكن السؤال الأكبر بقي دون إجابة.
“أتفهم دوافعك النبيلة، سيدي الرئيس. ولكن لماذا أنا بالذات من تختار لتبنّيها؟”
بعد سؤالي، لانَ تعبيرُه فجأة ونظر إليّ بعينين حنونتين.
“لأن سموَّ ولي العهد يحمل لكِ في قلبه مكانةً خاصة.”
“ماذا؟ ما الذي تعني …”
بينما كنتُ أستمع إليه، شعرتُ بالدوار، وعاد الصداعُ الذي كنتُ قد نسيته ليخفقَ في رأسي.
أريد حقًا أن أسأل ويليام عما إذا كان عقل الرئيس رايخِن لا يزال سليمًا.
سيدي المدير، هذا الرجل غريب الأطوار.
“كلامك عجيب كيف يمكن لسيادتك أن تعلم بمشاعر لا يعلم بها حتى صاحبها نفسه؟”
إنه مخطئ جدًا.
ولي العهد فقط يحب مضايقتي والمزاح معي.
إنه مجرد فتى شقي يُزعج الفتاة التي تثير اهتمامه.
ارتفعت على شفتيه ابتسامة هادئة وواثقة.
“لقد خدمتُ سموَّه منذ كان طفلاً. وأفخر بأنني أعرفُ مشاعرَه أكثر من ابني إذا اختار سموُّكِ، فسيكون هناك بالتأكيد من سيثيرون مشكلة بشأن مكانتك الاجتماعية أليس من الحكمة أن تصبحي ابنةَ بيتنا بالتبني لقطع الطريق على أي خلافات مزعجة؟”
عندها فقط فهمتُ ما يدور في خلَد الرئيس رايخِن.
هذا الوزيرُ المخلصُ العجوز يظنُّ أنه يفهمُ مشاعرَ ولي العهد مسبقًا، فيحاول الاستعداد لها.
إنه يريد مساعدة ولي العهد ليعيش مع من يحب طوال حياته.
بعد أن عرفت دوافعه الحقيقية، اختفى قلقي واسترخيتُ، فرسمتُ ابتسامةً على وجهي.
“إن سموَّه لمحظوظ بمن حوله. فبوجود وزير مخلص مثلك، لن يسلكَ طرقًا خاطئة أبدًا.”
في الرواية الأصلية، كان لودفينغ ولي عهد فاسدًا يرتكب الآثام ويسعى وراء الجشع فقط.
لا أدري لماذا تحوّل الآن إلى شخصية مرحة كوميدية مختلفة تمامًا عن الأصل.
لكن الشيء المؤكد هو أنه بوجود الوزراء المخلصين مثل كارليكس وويليام والرئيس رايخِن، حتى لو ثار الدوق الأكبر فرانز، فلن تسقط المملكة بسهولة.
بدا الرئيس وهو يتأمل الفراغ بنظرات ضبابية وكأنه يستذكر الماضي.
تنهّد بتعب ثم أطلق زفيرًا خفيفًا.
“عندما كان سموُّه في سن المراهقة، ضلَّ الطريق، وكابدنا الكثير لتقويمه.”
أستطيع أن أتخيّل بسهولة كيف كان ولي العهد، الذي يعيش حياته الآن كما يحلو له بلا مبالاة، في سنوات مراهقته.
لودفينغ في مرحلة المراهقة الثائرة، مجرد التفكير فيه يقشعر له البدن.
بكل صدق، قدّمتُ للرئيس كلمات العزاء والمواساة.
“حقًا لقد عانيتم كثيرًا طوال تلك السنوات.”
“اعتبرتُه قدري ومهمتي. لحسن الحظ، كان الدوق الأكبر راينهارت يحرس سموَّه بكل قوته، فلم يرتكب أي كارثة كبيرة.”
“ماذا؟ الدوق الأكبر يحرس سموَّه؟”
عندما رفعت يدي للسؤال، بدا على الرئيس علامات الابتهاج.
“هل تريدين معرفة المزيد عن شباب سموِّه؟ لقد كان رائعًا حقًا في ذلك الوقت …”
قطعته بحزم أمام حماسته الغريبة كأبٍ يريد التفاخر بابنه.
“كلا. لا داعي. ولكن، أليس الدوق الأكبر أصغر من سموِّه؟ كيف يكون حارسًا له؟”
ربّت الرئيس رايخِن على ذقنه مفكرًا للحظة.
“هممم، أصبح الدوق راينهارت رفيق لعب لسموِّه عندما كان في التاسعة، ثم أصبح فارسه الخاص في الثالثة عشرة. واستمر في حراسته حتى بلغ الثامنة عشرة حين خاض أولى معاركه.”
كانت تلك قصة معاناة كارليكس التي لا تُحكى دون دموع.
إنه شخصية تعاني إلى الأبد حقًا.
لابد أنه كان في سن المراهقة التي يريد فيها أن يكون حرًا، ومع ذلك كان عليه أن يصلح أخطاء ولي العهد الذي يكبره ببضع سنوات فقط.
الآن فقط فهمتُ لماذا قال إن المناطق النائية مريحة له، وإن الذهاب إلى القصر الملكي أمر مزعج.
اقتربتُ من الرئيس وخفضتُ صوتي كمن يتآمر.
“اعترف لي بصراحة. ألست تحاول تبنّيَّ فقط لأنك لا تريد إرسال ابنتك إلى سموِّ ولي العهد؟”
هذا الرجل خبير في التعاملات.
يمكنك خداع النساء الأخريات لكن ليس أنا.
يبدو أنني أصبتُ موطن الألم.
فقد تملّص من نظراتي قليلاً وسعلَ بارتباك.
“لا تُهيني إخلاصي يا آنسة دييل.”
رفعتُ زاوية فمي بابتسامة راضية، ثم عدلتُ جلستي.
إذاً. نصف الدوافع كانت كذلك أيضًا.
استعاد الرئيس رايخِن تعبيرَه الجاد وحاول إقناعي مجددًا.
“على أي حال، فكّري مليًا في الأمر. سأعطيكِ متسعًا من الوقت.”
التعليقات لهذا الفصل " 83"