ما إن انتهيتُ من تقديم نفسي حتى عمَّ الهمس أرجاء قاعة الدرس.
كانت النبيلات ينظرن إليَّ بعيون ملؤها الإعجاب، لدرجة بدت معها نظراتهن ثقيلة بعض الشيء.
أما فريزيا، فكانت تبتسم ابتسامة عريضة يملؤها الفخر.
على النقيض تمامًا، كانت إلياد تبتسم ابتسامة باردة ملؤها الازدراء والاستهزاء.
بل إن بعض النبيلات أمسكن بأيدي بعضهن البعض وهم يهتفن بإعجاب أو يطلقن زفرات من الدهشة.
بدون وكأنهن معجبات أمام نجمهن المفضل.
“يا إلهي! أهذه الآنسة دييل؟ تلك التي ترددت الشائعات عنها بأنها سيد الحرب؟”
“حقًا، إنه لشرف لعائلتنا أن نلتقيكِ هكذا.”
حتى هنا عليَّ أن أسمع ذلك اللقب المخزي.
شعرتُ بصداع يضرب رأسي، لكنني تكلفتُ ابتسامة هادئة رغم ذلك.
“أجل. صحيح. أنا تلك المشهورة بلقب ‘سيدة الحرب’. لكن لا تتفاجأن إن وجدتنَّ الفرق بين الصورة والحقيقة. فقد بالغ الرسام في تجميل ملامحي.”
انفجرت النبيلات في ضحكات خفيفة.
تغير الجو فجأة ليصبح أكثر دفئًا وودًا.
وقد منحني هذا ثقةً أكبر لأكمل حديثي.
“حسنًا، إذاً، ما الذي ستتعلمنه في نادي الكتاب؟ لا بد أن هذا يثير فضولكنَّ كثيرًا.”
أومأت بعض النبيلات برؤوسهنَّ، وأعينهنَّ تتلألأ بالفضول.
“هنا، لن تتعلمن قواعد البروتوكول الاجتماعي، ولا الآداب التي يجب أن تتحلى بها السيدة النبيلة ولا حتى لغة المروحة أليست المروحة موجودة أساسًا لتُستخدم في الأيام الحارة؟”
هذا صحيح.
لقد صُدمت حين أخبرتني روز أن بإمكان المرء أن يتواصل مع الآخرين باستخدام المروحة.
ضحكت النبيلات وهنَّ يخفين أفواههنَّ بأيديهنَّ، وكأنهنَّ وجدنَ الفكرة مسلية.
أما إلياد، فقد أخرجت مروحتها وفتحتها بازدراء.
ابتسمتُ ابتسامة ناعمة وأنا أتأمل النبيلات.
نظرتُ في عيون كل واحدة منهنَّ على حدة.
“سوف يعلمكنَّ نادي الكتاب الملكي كيفية التفكير بأنفسكنَّ والتعبير عن آرائكنَّ، وكيفية حماية أنفسكنَّ. كل ما ستتعلمنه هنا لن يساعدكنَّ على الإطلاق في أن تصبحنَّ عروسًا صالحة أو زوجة حكيمة. إذا كنتنَّ تتوقعن ذلك، فستشعرن بخيبة أمل كبيرة.”
ابتسمت فريزيا ورينا، اللتان تعرفان ما هو النادي، ابتسامة خفيفة موافقة.
أما إلياد وبقية النبيلات اللواتي لم تكن لديهنَّ أي فكرة مسبقة، فبدا عليهنَّ الذهول الشديد.
رفعت إحدى النبيلات يدها بخجل.
كانت سيدة ذات مظهر هادئ ونحيل، تشبه ظبية صغيرة.
نظرتُ إليها بعينين حنونتين.
“أنتِ الآنسة ميلاني من عائلة بارونيت باريت، أليس كذلك؟ هل لديكِ سؤال؟”
تحدثت ميلاني وهي تعبث بأصابعها بخجل.
“لقد… لقد ظننتُ أنني سأتعلم هنا آداب السلوك اللائقة بالسيدة النبيلة، والثقافة التي يجب أن تتحلى بها ربة منزل أرستقراطية تمامًا كما تتعلم النبيلات الأخريات من خلال المدرسات الخصوصيات إذا لم يكن الأمر كذلك، فماذا سنتعلم إذاً؟”
“الإجابة على هذا السؤال سأشرحها لكُنَّ الآن.”
رفعتُ الكتاب الذي أعددته مسبقًا عاليًا، فاتحةً إياه على نصفيه وكأنه…
“أيها النبيلات، بماذا تشبهنَّ هذا الكتاب؟”
أحدث السؤال المفاجئ جلبةً صغيرة بين النبيلات. ثم قالت رينا بهدوء:
“يبدو كجناحي طائر.”
أعجبتني إجابة رينا، فقد أصابت صلب الموضوع بدقة.
ابتسمتُ لها شكرًا.
“صحيح. إنه يشبه هيئة الطائر. وأنا أؤمن بأن الكتاب سيمنحنا الحرية، تمامًا كما تمنح الأجنحة الطير حرية التحليق. كل واحدة منا لديها أجنحة غير مرئية. وإذا أردنا التحليق بحرية، علينا أن نقرأ الكتب، ونتعلم ونستنير بأنفسنا.”
اتسمت وجوه النبيلات بالجدية.
حتى أن بعضهنَّ أطلقنَ همسات إعجاب صغيرة.
“سيساعدكنَّ نادي الكتاب على امتلاك أجنحة قوية. أتمنى ألا تكنَّ طيورًا داخل قفص، بل طيورًا قوية تخترق العواصف والأمطار.”
قلتُ كل كلمة وأنا أشدد عليها، متمنية أن يصل صدق مشاعري إليهنَّ.
فما أقوله لهنَّ هو في النهاية ما أقوله لنفسي أيضًا.
لن أسمح بعد الآن لمصير شخصية شريرة ثانوية أن يجرفني معه.
سأسير في طريقي كما يحلو لي.
***
“أليس طلاب نادينا رائعين حقًا؟”
كنا في منتصف اجتماع صباحي خفيف، أشبه بحفلة شاي صغيرة، في مكتبي.
قالت السيدة ماريان ذلك بابتسامة مليئة بالإعجاب.
“أجل، أعينهم جميعًا تتلألأ أثناء الدرس.”
أيدتها روز في الحديث.
رفعتُ فنجان الشاي إلى شفتيّ لأخفي ابتسامة الرضا التي تعلو وجهي.
“لقد مرَّ أسبوعان بالفعل على بداية الفصل الدراسي. صحيح أنه كانت هناك بعض الأخطاء في البداية، لكنني سعيدة جدًا بمشاهدة حماس الطلاب ومشاركتهم.”
يتألف نادي الكتاب من أربع حصص أسبوعية، موزعة على ثلاثة أيام، وتشمل محاضرات في مجالات السياسة والتاريخ والاقتصاد الاجتماعي والأدب.
قمنا باستقطاب أساتذة مرموقين من كل مجال لتشكيل هيئة التدريس، وهو أمر أتاحته العلاقات الواسعة التي يتمتع بها المدير ويليام في الأوساط الأكاديمية.
طرقت روز بطرف مروحتها على الطاولة.
“طريقة التدريس فريدة جدًا حقًا. أنا أيضًا فوجئت عندما سمعتُ بالطريقة التي اقترحتها كبيرة أمناء المكتبة إيريكا في البداية.”
أومأت السيدة ماريان برأسها وأضافت: “صحيح. لم نعهد من قبل شكلاً من أشكال المحاضرات لا يقتصر على الجلوس والاستماع فحسب بل يتطلب المشاركة الفعالة وتبادل الآراء كان التأقلم معه صعبًا علينا نحن أيضًا.”
تُعقد المحاضرات كل مرة بناءً على موضوع محدد مسبقًا، حيث يقدم الطلاب أبحاثهم ويناقشونها.
في البداية، ارتبكت النبيلات أو شعرن بالحيرة من طريقة التدريس الجديدة هذه.
لكنهن سرعان ما تأقلمن بحماس كبير.
“كنا نظن أنهنَّ فتيات هادئات ومؤدبات لكن ما إن يحين وقت الدرس حتى تشتعل أعينهنَّ نارًا، ويمطرننا بالأسئلة، وفي إحدى المرات طال النقاش كثيرًا لدرجة أن الأستاذ ظل يتلوى مكانه عاجزًا عن الذهاب إلى دورة المياه! هو هو.”
ضحكت روز باستمتاع، فأومأت السيدة ماريان برأسها وسألت: “آه، الآنسة التي ظلت تناقش البروفيسور غراهام لأكثر من ساعة هي…”
ابتسمتُ بابتسامة فخر واعتزاز، وأسرعتُ بإخبارها باسم الآنسة: “أجل. إنها الآنسة رينا دوغلاس.”
“حقًا، إنها ابنة عائلة دوغلاس المرموقة في مجال العلم.”
بلا شك، كانت رينا أبرز طالبة في النادي.
فهي تطرح أسئلة دقيقة تصيب جوهر الموضوع، وتقدم حججًا منطقية واضحة، حتى أن هيئة التدريس نفسها أعجبت بذكائها الحاد.
كانت رينا تظهر اجتهادًا أكاديميًا لافتًا فتقرأ العشرات من الكتب استعدادًا لكل محاضرة، وحذا حذوها الطلاب الآخرون وشاركوا بحماس.
كما لم يبخل أعضاء هيئة التدريس بالثناء، معترفين بأن التدريس لطالبات النادي أيقظ فيهم شغفهم بالعلم من جديد.
“الآنسة فريزيا أيضًا تساعد كثيرًا في خلق جو دافئ داخل النادي.”
ذكرت روز فريزيا، وكأنها تذكرت شيئًا للتو.
كان فمي يمتلئ بالرغبة في التباهي بمفضلتي.
بطلتنا لطيفة، وحنونة، وذكية، وهي بارعة في كل شيء! ببساطة!
لكني قررت أن أضبط نفسي، لأن إظهار المحاباة لفريزيا بشكل واضح قد لا يكون مناسبًا.
“أجل. إنها تعلمهنَّ بلطف ما يجهلنه، وتساعد في تقريب الجميع أثناء حفلات الشاي.”
أظهرت فريزيا فهمًا وتفسيرًا وحساسية عالية في المجال الأدبي.
وقد جعلتها طيبتها في الإجابة على الأسئلة التي لا تعرفها، واحتوائها للآخرين، موضع احترام وتقدير العديد من الطالبات، حتى أن بعضهنَّ اتبعنها.
أخرجت روز قائمة مرشحات منصب ولي العهد، وألقت نظرة سريعة عليها، ثم سألت: “المرشحات الأخريات أيضًا يشاركن بنشاط كيف تجدين الآنسة سبيرن؟”
على سؤالها، وضعت السيدة ماريان فنجانها ونظَّرت نظارتها.
“لقد أظهرت من المؤهلات ما يليق بابنة عائلة دوقية سبيرن العريقة.”
زمت روز شفتيها وبدأت تشتكي: “الدنيا ظالمة! إنها ابنة عائلة دوقية تمتلك الثروة والمكانة الاجتماعية، وهي ذكية أيضًا! كنتُ أعتقد أنها مجرد متكبرة فارغة المخ.”
قطبت السيدة ماريان حاجبيها من جرأة روز في النقد، وزمجرت قائلة: “أمينة المكتبة روز، الآنسة سبيرن هي طالبة في نادينا، لذا أرجو الانتباه إلى كلماتك. يجب أن نتحلى بالحذر في إبداء آرائنا الشخصية.”
أدركتُ الآن أن سبب بقاء إلياد ملكة المجتمع الراقي كل هذه المدة لا يعود فقط إلى نفوذ عائلة سـبيرن، بل وأيضًا إلى ذكائها الحاد.
فهي كانت تفهم الدروس بسرعة وبدقة، ودائمًا ما كانت تقدم إجابات تتجاوز ما كان يتوقعه الأساتذة.
وكانت معرفتها بالسياسة والتاريخ عميقة بشكل مذهل، لدرجة أنها كانت تستطيع العمل في مجلس النبلاء فورًا دون أي مشكلة.
“الآنسة سبيرن ذكية بلا شك، لكن من المؤلم أنها لم تستطع التخلي عن عادات المجتمع الراقي.”
تناولتُ رشفة من الشاي وبدأت الحديث بهدوء.
تألقت عينا روز وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة، وأيدت كلامي: “صحيح. لم تستطع التخلي عن عادة التكبر والنظر بازدراء للآخرين التي اعتادتها هناك. ولهذا، لا أحد يحاول التقرب منها، ويقال إنها تمشي دائمًا وحيدة. ربما تكون هي نفسها في حيرة من أمرها. ففي المجتمع الراقي، الكل يتسابق لتملقها، لكن هنا، لا أحد يفعل ذلك.”
رفرفت روز بمروحتها بخفة، وعلت وجهها علامات الشماتة.
ضحكت السيدة ماريان وهي تنظر إليها وكأنها تقول: “لا حول لي معكِ.”
كنتُ أرغب بشدة في الضحك باستمتاع مثلهما، لكنني كتمت ضحكي نظرًا لضرورة حفاظي على موقف محايد.
“هذا المكان لا يحتاج إلى علاقات اجتماعية. أنا فقط ممتنة لأن جميع طالبات نادينا يؤدين بشكل جيد.”
“آه، بالمناسبة، كيف تسير حصص الرماية؟”
على سؤال السيدة ماريان، تنهدتُ رغمًا عني.
أنا والرامي المنتدب من فرسان القصر نتولى تدريس حصص الرماية.
تُعقد الحصص مرتين في الأسبوع، للطالبات الراغبات في الالتحاق.
فريزيا، بسبب ضعف صحتها، تخلت عن الحضور مبكرًا.
أما إلياد وبقية مرشحات منصب ولي العهد، فقد رفضن المشاركة، معللات ذلك بأن الحصص خطيرة.
علاوة على ذلك، فإن الطالبات الملتحقات بالحصص مبتدئات جدًا، لدرجة أننا لم نتقدم في المنهج على الإطلاق.
“الجميع يجدن صعوبة حتى في سحب الوتر. نحن الآن في مرحلة التدريبات الأساسية لبناء القوة.”
“إذا كان الأمر صعبًا عليهنَّ إلى هذا الحد، فماذا لو أوقفنا الحصص؟ فقد تتعرض أيديهنَّ للإصابة، وأنا قلقة على سلامتهنَّ.”
تحدثت السيدة ماريان بصوت يملؤه القلق. كان كلامها منطقيًا إلى حد ما.
فبينما يتعلم أبناء النبلاء منذ الصغر، ضمن مناهجهم الثقافية، فنون المبارزة والرماية، تتعلم النبيلات كيفية المشي برشاقة، أو تنسيق الزهور.
تلك الأيادي الناعمة الرقيقة، والتي ربما كان أقصى ما تعرضت له من أذى هو وخزة شوكة وردة، أصبحت تصاب بكدمات أو جروح تحت ضغط وتر القوس القاسي.
لكن نظراتهنَّ وهنَّ يحاولن بجد سحب الوتر كانت جادة ومليئة بالعزيمة.
لو رآها أحد، لما استطاع أن يطلب منهنَّ التخلي عن القوس.
هززتُ رأسي بحزم.
“الجميع مبتدئات، لكنهنَّ يمارسن الرماية بجد سيكتسبن بلا شك قوة يحمين بها أنفسهنَّ وأحباءهنَّ.”
ابتسمت السيدة ماريان بلطف بعد أن استمعت لكلماتي بانتباه.
“سأثق برأي كبيرتنا.”
“رائع! لقد فكرتُ في شيء أثناء استماعي لكما! ماذا لو قمنا بتشكيل فرقة رماة من نادي الكتاب تخيلوا! طالباتنا يحملن الأقشعة ويقاتلن بشكل رائع!”
قبضت روز يديها بحماس وهي تروي فكرتها.
آسفة لأنني سأفسد حماسك يا روز، لكن هذه الفكرة كارثية بكل المقاييس.
فلو وصل الحال بالنساء النبيلات إلى حد حمل السلاح، فهذا يعني أن عاصمة المملكة على وشك السقوط بيد جيش العدو أو الوحوش.
هذا أمر لا يجب أن يحدث أبدًا.
“لا تتسرعي كثيرًا دعينا الآن نركز على تشجيع الطالبات.”
لم أستطع شرح الأمور الواقعية بالتفصيل، فاكتفيت بهز كتفي وابتسامة.
بدأتُ أرتب الأوراق المبعثرة على الطاولة استعدادًا للنهوض.
“لننهِ الاجتماع هنا أصبح وقت حفلة الشاي يطول بحجة الاجتماعات من الجيد أن المدير ليس هنا، وإلا لظن أننا نتسلى ونترك العمل.”
غطت السيدة ماريان فمها برقة وابتسمت.
“هو هو. ألم تكوني تعلمين هذا يا إيريكا؟ إن المدير هو من ابتكر فكرة حفلة الشاي أثناء الاجتماعات الصباحية.”
“حقًا؟ كنتُ أظنه رجلاً مجتهدًا، لكن يبدو أن المدير أيضًا يحب المرح.”
في تلك اللحظة، دق على باب المكتب دقتان واضحتان.
تألقت عينا روز عند سماع صوت الطرق.
“من يكون في هذا الوقت المبكر؟ هل عاد المدير بهذه السرعة؟”
يقال إنك إذا ذكرت الذئب، فعليك أن تعد له عصاك. هل عاد ويليام حقًا؟
قبل ثلاثة أيام فقط وصلتني رسالة منه يفيد فيها بعدم تمكنه من الحضور إلى المكتبة بسبب التحضيرات لتأسيس فصيل جديد من الفرسان.
أم ماذا، هل حدث مكروه؟
انتشر القلق في داخلي كالسم بسرعة البرق.
وعلى طرف ذلك القلق، لماذا يتبادر إلى ذهني اسم كارليكس؟
أليس قد أصابه مكروه؟
مجرد التفكير في ذلك جعلني أشعر بضيق في التنفس ودقات قلب متسارعة.
وبينما أنا مترددة، قطعت روز المسافة عبر الغرفة وفتحت الباب على مصراعيه.
التعليقات لهذا الفصل " 82"