أيضًا تُغيّر لون جلدها لتختبئ من أعدائها، أليس كذلك؟
لهذا، هذه هي طريقي للبقاء في عالم رومانسي حيث يكفي نظرة واحدة لتقع في الحب.
“…….”
خفض ولي العهد رأسه مطولاً.
تساءلتُ عن سبب فعله ذلك، فحدّقتُ فيه بتمعن.
شعرَه الأحمر ارتجف بخفة، ثم اهتز جسده بالكامل كما لو أن صاعقة ضربته.
“بها ها ها ها!”
انفجر ضحكٌ مدوٍ كاد يُزلزل جدران المكتب.
أغلقتُ أذنيّ بغريزة دفاعية.
يا للهول! كادت طبلة أذنيّ أن تنفجر.
“حقًا، ها ها ها! أنتِ مذهلة، ها ها ها!”
لم يستطع إكمال كلماته من شدة الضحك وهو يمسك بطنه، بل وترقرقت الدموع في زاوية عينيه.
رغم أنني استعدتُ تعابير وجهي الجادة، إلا أن ولي العهد استمر في الضحك لبرهة طويلة.
لدرجة أن وجهه احمرّ بالكامل.
شربتُ بقية الشاي البارد ووبّخته ببرود متصنّع:
“إنّ الضحك بهذه الطريقة أمام شخصٍ آخر هو قلة أدبٍ، يا سموّك.”
“ها ها، بصراحة، لم أرَ شخصًا مثلكِ قط.”
قال لودفينغ وهو يمسح دموعه.
وما إن هدأ ضحكه حتى حدّق فيّ بوجهٍ جاد، وكأن شيئًا لم يكن.
الأجواء المرحة والمبهجة تحولت فجأة إلى أجواء ثقيلة.
اقترب مني لودفينغ متكئًا بجسده.
لم أتمكن من تفاديه لأن يدي كانت مشغولة بكوب الشاي.
لمست يده أطراف شعري بلطف.
ثم وضع شفتيه على خصلة من شعري كأنها أول حبة ندى في الصباح.
أربكني الموقف لدرجة أنني لم أفكر حتى في دفعه بعيدًا، واكتفيت برمش جفوني.
همس لودفينغ بصوتٍ أجشّ ونظرة عينين متوهجة:
“هكذا تجعلينني أغرق فيكِ أكثر.”
آه، لقد سجلتُ هدفًا في مرماي.
حالة ولي العهد ازدادت سوءًا.
بوم!
في تلك اللحظة، فُتح الباب بعنف وكاد يُحطّم، ودخل شخصٌ بخطوات واسعة.
“ماذا تفعلان هنا يا صاحب السمو؟”
كان صوتًا حادًا يكبت الغضب، إنه كارليكس.
بسبب ظهوره غير المتوقع، تجمّد لودفينغ وهو يمسك بشعري، وتجمّدتُ أنا أيضًا حاملةً كوب الشاي.
“أه، مساء الخير يا سيدي الدوق الأكبر.”
انتزعتُ شعري من يد ولي العهد بسرعة، وألقيتُ تحيةً محرجة.
لقد مرّ وقت طويل على آخر مرة رأيتُ فيها كارليكس، ولابد أن أراه بهذا المنظر المخزي.
استلقى لودفينغ على الأريكة بارتياح وتهكّم قائلاً:
“تسس، يبدو أن سيف روفيريا قد فقد حدته أيضًا. يا راينهارت دوق الشمال، لقد تأخرت في العثور عليّ، هذا مخيب للآمال.”
قطّب كارليكس حاجبيه.
بدت عروق جبينه بارزة وهو غاضبٌ حقًا.
“كان من الأجدر بك يا صاحب السمو أن تخبرنا بمكان ذهابك منذ البداية لماذا تهرب من الحرس الإمبراطوري؟ والأهم،”
نظر إلينا كارليكس بوجه متجمد، يتفحصني أنا وولي العهد.
“لماذا أنت هنا؟”
يا له من أسلوب رهيب، إنه يستخدم لغة الاحترام ولكن بنبرة تهديد.
تجنب لودفينغ نظرة كارليكس المخيفة وتظاهر بعدم الانتباه.
“أنا، لقد جئت لأتفقّد سير نادي الكتاب.”
“إذا انتهى تفقّدك، أرجو أن تعود الآن.”
“بالفعل؟ هذا مؤسف. كنت أرغب في إجراء محادثة خاصة أكثر مع أمينة المكتبة إيريكا.”
أغمض لودفينغ عينيه نصف إغماضة وابتسم ابتسامة خادعة.
“أرغب في دعوتكِ إلى القصر لتناول كوب من الشاي معًا على انفراد.”
هل أفسد مستقبلي المشرق؟
النبلاء مولعون جدًا بالإشاعات والقيل والقال.
مجرد التفكير في أن أكون موضوع أحاديثهم يجعل رأسي يؤلمني.
كنت على وشك الرفض بحزم، لكن كارليكس بادر بقطع الكلام بحسم.
“هذا غير مسموح به.”
“أنا لم أسأل عن رأيك أيها الدوق.”
“هذه نصيحة كخادم مخلص لسموّك. إذا استدعيتَ إيريكا إلى القصر، فسينتشر عنها الإشاعات فقط. ألا تعلم أن هناك الكثير من العيون التي تراقب سموّك؟”
أبقى لودفينغ ابتسامته الخبيثة على شفتيه ووضع سبّابته على فمه.
“إذاً، دعوني أسأل مجددًا.”
فجأة، تغيرت نظرة عيني ولي العهد وأصبحت جادة.
“بغض النظر عن الآخرين، ما رأيك أنت أيها الدوق كارليكس في فكرة تناولي أنا وإيريكا الشاي معًا على انفراد؟ كصديق قديم، أود سماع رأيك الصريح.”
بدون أي تردد، جاء رد كارليكس الحازم:
“توقف عن هذا. لا تُحرج إيريكا.”
فغرتُ فاي من الصدمة.
حتى لو كانا صديقين، ألا يعتبر التحدث بوقاحة مع فرد من العائلة المالكة تجاوزًا للحدود؟
بدا أن ولي العهد لم يهتم إطلاقًا.
بل على العكس، بدا مستمتعًا برد فعل كارليكس، فارتفع زاوية فمه.
“يؤسفني، لكن يجب أن أذهب. يبدو أنني إن بقيتُ أكثر، فسأُسجّل في التاريخ كأمير مغدور يقتله صديقه الوفي وسيف فارسه المخلص.”
غمز لي لودفينغ غمزة مرحة وهو يتحدث.
أومأت برأسي قليلاً موافقة.
بالنظر إلى الهالة المخيفة المنبعثة من وراء كارليكس، فهذا احتمال وارد.
نظرتُ بحذر إلى كارليكس وهمست لولي العهد:
“العدو الحقيقي غالبًا ما يكون في أقرب الأماكن يجب أن تحرص دائمًا على سلامتك يا صاحب السمو”
“أوه، سأصغي جيدًا لنصيحتكِ.”
وسّع ولي العهد عينيه بدهشة متصنّعة.
ثم خفض صوته وهمس بحلاوة:
“هل تقصدين أن العدو القريب الذي تتحدثين عنه هو أنتِ؟”
“لا أدري لكنني أحيانًا أشعر برغبة في إلقاء كتاب ثقيل على مؤخرة رأس سموّك.”
اعترفت بخطتي للاغتيال بنبرة جادة.
زمّ لودفينغ حاجبيه بتصنّع وكأنه يشعر بالأسف.
“إذاً، عليّ أن أطوّر خفة حركتي لأتفادى الكتب المتطايرة.”
بينما كنت أتبادل أنا وولي العهد الحديث كفريق ثنائي كوميدي، لم يستطع كارليكس التحمل أكثر، فتفوّه بالكلمات من بين أسنانه المطبقة:
“توقفا، والآن فلترحل، يا صاحب السمو.”
طرد كارليكس لودفينغ خارج المكتب بلا رحمة.
كان المساعد ينتظر خارج الباب، يضرب الأرض بقدميه بقلق.
ما إن رأى ولي العهد حتى اندفع إليه وبدأ يشكو له.
كان على وشك البكاء من المعاناة التي لاقاها في البحث عن ولي العهد المفقود.
“أين كنت بحق السماء؟ هل تعلم كم بحثنا عنك؟ أرجوك في المرة القادمة أخبرنا بمكان ذهابك ولو بكلمة.”
“حسنًا، حسنًا، فهمتُ. توقف الآن.”
نظر لودفينغ إليّ بخجل طفيف وغادر مع مساعده.
همّ كاليكس بالمغادرة أيضًا، لكنه استدار فجأة وتوقف أمامي.
نظرتُ إليه متسائلة عما إذا كان هناك أمر آخر.
“إيريكا، أتمنى أن تتجنبي في المستقبل المواقف التي تخلو فيها أنت وسموّه.”
“أنا أيضًا أرغب في تجنب ذلك. كما تعلم سيدي الدوق، زيارة سموّه تشبه الكوارث الطبيعية. أريد تجنبها ولكني لا أستطيع.”
هززتُ كتفيّ بتعبير يشبه الاستسلام.
هزّ كارليكس رأسه وتنهد بتنهد خفيف.
“يبدو أنني يجب أن أراقب سموّه بشكل أدق، أعني، أحرسه.”
“حقًا، كم أنت متعب يا سيدي الدوق.”
شعرتُ بالأسف له بصدق.
توقف كارليكس عن الكلام ونظر إليّ بتمعن.
“ربما من الأسرع أن أتقاعد وأحرسكِ أنتِ.”
بحقك، إنه إهدار للموهبة أن يتقاعد دوق الشمال ليصبح فارس حراسة.
كم من المال يجب أن أملك لأستأجر دوقًا شماليًا ليكون فارسي؟
زممتُ شفتيّ قليلاً ورفضتُ بسرعة.
“لا داعي لذلك حقًا. سأحمي نفسي بنفسي.”
“هذا لا يعجبني.”
“أنا؟”
سألته مندهشة من كلماته التي بدت مستاءة.
نظر إليّ بعينين داكنتين كالفحم.
كانت نظرة قوية لدرجة أنها أخذت أنفاسي.
“لا يعجبني أن يرى الآخرون أنفسهم في عينيك أتمنى لو أن عينيك لا تعكسان سواي.”
“آه…”
خَرس لساني للحظة.
قلبي يخفق بعنف وحلقي جاف.
“من أنظر إليه هو قراري أنا.”
تمكنتُ أخيرًا من الاعتراض، وكأني اختلق عذرًا.
لكنه ظل يحدق بي.
ثم مررت يده الكبيرة المستقيمة على خدي بلطف.
شعرتُ بالدوار من مجرد لمسة يده، واضطررت لكبح جماح قلبي المرتجف.
أحنى كارليكس رأسه ببطء واقترب مني.
هل سيقبلني؟
أدرتُ رأسي بسرعة لتفاديه.
شعرتُ بأنفاسه الساخنة على أذني.
“اشتقت إليكِ، يا إيريكا.”
صوت مليء بالشوق والحنين.
احمرّ وجهي فجأة.
كنتُ أخشى أن يسمع دقات قلبي المرتفعة.
هل يعلم كارليكس؟ أنني أيضًا اشتقتُ إليه.
لكنني لم أستطع النطق بتلك الكلمة، فأدرتُ رأسي. خرجت مني كلمات جافة لا تعكس مشاعري:
“سموّه بانتظارك أرجو أن تذهب الآن، سيدي الدوق.”
كانت نظرة كارليكس إليّ كنظرة طفل جريح.
“بسبب الاستعدادات لتشكيل فرقة الفرسان، سأقيم في سكن المكتبة لفترة أخبرت كبير الخدم، إن واجهتِ أي مشكلة فأخبريه.”
لكن صوته كان منضبطًا لدرجة لا يمكن معها تمييز مشاعره.
ركّزتُ بكل جهدي للحفاظ على موقف رسمي.
“حسنًا.”
حدّق بي كارليكس وكأنه متمسك بآخر خيوط الوداع
“هل هذا كل ما تريدين قوله؟”
“… نعم.”
لا، هذا كذب.
هناك الكثير من الكلمات التي أريد قولها تفيض من داخلي.
هل تأكل في الوقت المناسب؟
هل تنام جيدًا؟ هل ما زلت ترى الكوابيس؟
لا تقلق على مايكل، سأعتني به جيدًا.
أريدك أن تعود إلى قصر الدوق سالمًا دون أذى، وأتناول الطعام معك، وأتمشى في الحديقة، وأقرأ الكتب في المكتبة معك.
ابتلعتُ تلك الكلمات الدافئة والحنونة التي كانت تتصاعد من داخلي.
تجولت نظرة كارليكس على وجهي كطائر تائه.
كانت عيناه عميقتين ومعتمتين لدرجة أنني لو أهملتُ لغرقتُ فيهما.
“حسنًا. سأذهب إذاً.”
صوت إغلاق الباب البارد دوى في رأسي كالرعد.
***
أنا الآن أقف أمام قاعة المحاضرات في المبنى الجانبي للمكتبة الملكية.
أخذتُ نفسًا عميقًا وأنا أمام باب قاعة المحاضرات.
كان جسدي يرتجف من الحماس والتوتر، لكنني قبضتُ قبضتي.
تأكدتُ مجددًا من زي أمينة المكتبة، هل به أي تجاعيد أو شيء غير مرتب؟
نظرت روز إليّ بشفقة.
“أنا مستعدة يا روز.”
ابتسمتُ لروز بامتنان وأنا أكبتُ ارتجافي.
أخيرًا، كان هذا هو حفل الافتتاح الأول لنادي الكتاب للمكتبة الملكية الذي أعدّه الجميع بجد.
خلف ذلك الباب تجلس الآنسات المنتظرات لمصيرهن الجديد.
على الرغم من ضيق الوقت، أعددت نادي الكتاب بأفضل ما عندي.
لولا مساعدة موظفي المكتبة الملكية المخلصة، لما أتى هذا اليوم أبدًا.
بينما كنت أنظر إلى الباب المغلق، تذكرت اللحظة التي دخلت فيها هذا المكان لأول مرة هربًا من فيردي وعصابته.
في ذلك الوقت، لم أكن أعلم ما سيحدث لي.
فقط من أجل البقاء، ومن أجل الهروب، فتحتُ باب المكتبة دون أن أعرف ما الذي ينتظرني وراءه.
لكن هذه المرة مختلفة.
أنا الآن أعرف بالتأكيد ما الذي ينتظرني هناك بداخلها.
بدأ التوتر يهدأ تدريجيًا، واسترخى جسدي المتصلب. امتلأ صدري بالترقب والإثارة.
ربتت روز على كتفي وشجعتني.
“أمينة المكتبة الأولى، اذهبي وألقي خطابًا رائعًا.”
أومأتُ لروز برأسي وفتحتُ الباب ودخلتُ.
في نفس اللحظة، هدأت القاعة التي كانت تعج بالضجيج، ونظر إليّ العشرون آنسة الجالسات في الداخل جميعًا في انسجام.
أول ما لفت انتباهي كانت فريزيا.
لقد رحبت بي بعينيها الجميلتين المبتسمتين بفرح.
رينا الجالسة خلف فريزيا حيّتني بإيماءة قصيرة بوجهها الهادئ المميز.
وكانت إلياد المتزينة بشكل مبهرج جالسة بتعبير غير راضٍ بوضوح.
كانت معظم الآنسات يرتدين فساتين أنيقة بألوان هادئة، وكانت وجوههن متألقة بحماس الرغبة في التعلم.
برؤيتهن المليئة بالحماس، تلاشى التوتر المتبقي في داخلي.
وقفت على المنصة، وحنيت رأسي للآنسات محيية إياهن.
“أرحب بكنّ جميعًا في نادي الكتاب. أنا إيريكا دييل، أمينة المكتبة الأولى في المكتبة الملكية والمسؤولة عن نادي الكتاب.”
يتبع في الفصل القادم …
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 81"