“تراكم العمل عليّ وحدي… لا بد أن السبب هو أني ظريفة.”
تمتمتُ بجدية وأنا أحدّق في أكوام المستندات المتراكمة على مكتبي.
لم يكن فقداني صوابي بسبب كثرة الأوراق التي يجب معالجتها سوى أمرٍ طبيعي.
أي ثراءٍ وفخرٍ أسعى إليه لأتحمَّل كل هذه المعاناة بعد اقتراحي إنشاء نادي الكتاب؟!
فقد تلقينا دعمًا استثماريًا من القصر، فأصبح الفرار مستحيلًا.
وبما أني تحمّلت المسؤولية، كان عليّ متابعة سير العمل العام.
أعددت تقرير مناهج نادي الكتاب، ووضعت الجدول الدراسي.
كما أرسلت رسائل دعوة للعلماء والأساتذة لتولي التدريس، وعقدت بعدها عدة مقابلات واجتماعات مع أعضاء هيئة التدريس المقررين.
وفي غضون ذلك، كنت أرسل رسائل الدعوة للآنسات العضوات المحتملات في نادي الكتاب وأتأكد من ردودهن، فانقضى أسبوع كلمح البصر.
أصبح العمل الإضافي يوميًا كوجباتي الأساسية، حتى إنني شككت إن كنت قد انتقلت حقًا إلى هذا العالم حقًا.
شعرت وكأنني ما زلت أمينة مكتبة، لكن مع تغيير الخلفية إلى رواية رومانسية فانتازيا.
“آه، إذا متُّ من الإرهاق، فهل سأعود إلى عالمي الأصلي؟… أم هل يكفي أن أقرأ كتابًا أحداثه في العصر الحديث أثناء العمل الإضافي؟”
بما أنني انتقلت إلى هذا العالم أثناء قراءة “📚 لقاء الحب السري في المكتبة الملكية”، أفلا أعود إلى الواقع إذا قرأت كتابًا مثل “📚 العمل الإضافي المحموم في المكتبة”؟
“إيريكا، بماذا تتمتمين وحدك منذ قليل؟ أنتِ بخير؟”
لا أدري متى دخلت، كانت روز تقف خلف المكتب، تراقبني بتمعن وهي تضع ذراعيها فوق صدرها.
ألا تكون تظن أنني فقدت صوابي قليلًا بسبب ضغط العمل؟!
ابتسمت ابتسامة مرحة متكلفة، متظاهرة بأنني بخير.
“لا شيء، كنت أحدث نفسي فحسب. لكن متى جئتِ أيتها العزيزة؟”
“منذ قليل كنت قلقة عندما لم تردي على طرقي الباب مرارًا، فخشيت أن يكون قد حدث لكِ مكروه. ولكن…”
تمتمت روز وهي تتفحص وجهي.
“أرى أنكِ كنتِ متعبة حقًا. يا مسكينة…”
أمسكت بيدي بقوة وأرسلت لي نظرة تعاطف صادقة.
“إن مررتِ بأي أمر صعب، فافتحي لي قلبكِ في أي وقت. فأنا صديقتكِ العزيزة.”
غمرني موجة من التأثر بكلماتها الحانية.
“حقًا، ليس لي سواكِ أنتِ يا روز، إذاً، هلا أنقذتني من هذا المكان؟”
فهذا هو سجن العمل الإضافي.
أريدكِ أن تتواصلي مع حرس العاصمة وتطلبي منهم إخراجي من هنا وتوصيلي إلى المقر.
تفادت روز نظراتي المتوسلة وانسحبت ببطء.
“هذا خارج نطاق مهامي، كبيرة أمناء المكتبة.”
حقًا، إنها تفرق بين الأمور الشخصية والعملية تمامًا.
ثم تذكرت روز شيئًا ما، ففرقعت بأصابعها.
“آه، كدت أنسى. هناك زائرة تبحث عنكِ.”
“زائرة؟ من تكون؟”
“الآنسة رينا من عائلة دوغلاس.”
ما إن سمعت الاسم حتى نهضت من مكاني بشكل انعكاسي.
“الآنسة دوغلاس؟ كنتُ أنتظر ردها لأنه لم يصلني. أهي بالخارج الآن؟”
ربتت روز على كتفي بلطف وكأنها تريد تهدئتي.
“طلبت منها الانتظار في غرفة الاستقبال. لكن، هل طلبت الآنسة دوغلاس إجراء المقابلة؟”
“لا. لم يصلني أي نبأ أتظنين أنها جاءت لأمر يتعلق بنادي الكتاب؟”
أخبرتني الآنسات الأخريات برغبتهن في حضور نادي الكتاب عبر الرسائل.
هذه أول مرة تأتي إحداهن شخصيًا.
ربتت روز على كفها بمروحتها التي لا تفارقها.
“تبادلتُ معها بضع كلمات، لكنها ليست امرأة عادية. قد يكون آل دوغلاس البرجوازيون قد انهاروا، لكنهم كانوا يتمتعون بمكانة مرموقة في العلم منذ زمن بعيد لقد أنجبوا عبر الأجيال علماء بارزين وموظفين حكوميين أكفاء.”
“أحقًا؟ شكرًا لكِ على هذه المعلومة سأضعها في الاعتبار.”
متى أنهت بحثها حول عائلة دوغلاس بشكل كامل؟
أومأت برأسي وأنا معجبة بدقة روز في العمل.
“حسنًا، سأحضر الآنسة دوغلاس إذاً، كبيرة أمناء المكتبة.”
في هذه الأيام، تتحدث روز معي بوداعة عندما نكون وحدنا، لكنها تلتزم بالاحترام الشديد في الأمور الرسمية.
كانت روز على وشك الخروج عندما توقفت واستدارت.
ألقت بنصيحة بنظرة غير اعتيادية.
“أقنعي الآنسة دوغلاس إذا كسبتِ قلبها، فستتمكنين من قيادة نادي الكتاب إلى النجاح.”
***
كنت أنتظر الآنسة دوغلاس بقلق وتوتر، ثم سمعتُ طرقًا على الباب بعد قليل.
أسرعتُ لفتحه، واستقبلتها بابتسامة مشرقة.
“أهلاً وسهلاً بكِ، آنسة دوغلاس.”
رينا دوغلاس.
هي آنسة في منتصف العشرينات من عمرها، تتمتع بهدوء ورباطة جأش لا تتزعزع.
كانت ترتدي ثوبًا كحليًا بسيطًا بلا زخارف، وشعرها البني الفاتح الطويل مربوط بدقة إلى الخلف.
كانت ترتدي نظارة، وهو أمر نادر بين الآنسات النبيلات، وكانت العينان الزرقاوان المتألقتان بالذكاء خلف الإطار الذهبي ملفتتين للنظر.
أمسكت رينا بحاشية ثوبها وحيتني بأدب لا تشوبه شائبة.
“أعتذر عن المجيء دون إشعار مسبق، كبيرة أمناء المكتبة، أنسة دييل.”
“لا عليكِ. أنا سعيدة بلقائكِ سأحضر لكِ كوبًا من الشاي، تفضلي بالجلوس.”
أرشدتُ رينا إلى الأريكة، ثم أخرجت أوراق الشاي وأكواب الشاي من الخزانة.
وضعتُ أوراق الشاي في إبريق الشاي وسكبتُ الماء الساخن.
انتشر عطر حلو ومنعش في أرجاء المكتب.
بينما كان الشاي يُنقع، رمقتُ رينا بنظرة خاطفة.
على الرغم من أن ذوقي يختلف تمامًا عن هذا، إلا أن معظم الناس كانوا إما يندهشون أو يبدون اهتمامًا عند رؤية مكتبي المترف بشكل مفرط.
لكنها جلست منتصبة القامة، بنظرتها متجهة إلى الأمام.
قدمتُ لها كوب الشاي الأسود المائل إلى الذهبي وتبادلنا المجاملات.
“أرجو أن ينال الشاي إعجابكِ.”
رفعت ؤينا الكوب بيد، وأمسكت بالصحن باليد الأخرى.
شمّت رائحته أولاً ثم تذوقته ببطء، وكانت تذوقه بأناقة بالغة.
وضعت الكوب وابتسمت ابتسامة خفيفة.
“طعم الشاي رائع. ورائحته راقية.”
“هذا من كرمكِ. شكرًا لكِ.”
شربتُ أنا أيضًا الشاي، وواصلتُ مراقبتها دون أن تشعر، من وراء الكوب.
على الرغم من أنها من عائلة برجوازية منحلة، إلا أن أخلاقها كانت لا تشوبها شائبة.
بدا واضحًا أنها تلقت تعليمًا صارمًا، كما يليق بعائلة مرموقة في العلم.
يبدو أن المعلومات حول معاناتها بعد وفاة البارون دوغلاس صحيحة.
عندما أرسلتُ دعوة نادي الكتاب، علمتُ أنها تقيم في منطقة سكن العامة.
يبدو أنه ليس لديها وصيفة، فأناملها خشنة.
ثوبها بسيط وغير مزخرف، ولا ترى أي أقراط أو قلائد أو زينة للشعر.
لكنها لم تظهر أي انكماش، بل كانت هادئة ومتماسكة، وعيناها الزرقاوان الداكنتان تلمعان بالذكاء.
“آنسة دوغلاس، شكرًا لكِ على زيارة المكتبة الملكية. ما الذي أتى بكِ إليّ؟”
“سأكون صريحة معكِ.”
نظرت إليّ عيناها الزرقاوان بحزم.
“ما الهدف من افتتاح نادي الكتاب؟”
فاجأني سؤالها الحاد كالسهم، ففقدتُ الكلام للحظة.
“ماذا تقصدين؟…”
وقبل أن أجد ردًا، واصلت لينا كلامها بهدوء.
“عندما اطلعتُ على مناهج نادي الكتاب، لم أجد موادًا عن آداب السلوك أو الثقافة الخاصة بالأنسات النبيلات بل كانت مشابهة لمواد الأكاديمية. بالطبع، ليس سيئًا تعلم هذه المواد فهي جيدة لإشباع الغرور الفكري.”
“لقد أنشأتُ نادي الكتاب لأقدم مساعدة بسيطة للآنسات، ليطوّرن أحلامهن ويخترن طريقًا جديدًا. أرجو ألا تسيئي فهم نواياي الصادقة.”
شعرتُ بنظرات رينا الباردة تراقبني.
كانت نظراتها حادة، وكأنها تريد تمييز ما إذا كانت نواياي صادقة أم لا.
“إن تعلم أبناء النبلاء هذه المواد في الأكاديمية هو إما لدخول عالم السياسة مستقبلًا وتولي مناصب حكومية، أو لإدارة أراضيهم أي أنها معرفة ضرورية لهم. لكنها معرفة عديمة الفائدة للأنسات الفقيرات اللواتي ليس لديهن حتى أراضٍ، واللواتي قدمن حفلاتهن المجتمعية ولكن لم يجدن عرسانًا.”
توقفت رينا لالتقاط الأنفاس، ثم قبضت عينيها.
تموّج في طرفتها عتب خفيّ.
“قلتِ إنك تريدين مساعدتهن على تطوير أحلامهن؟ ألا تدركين أن تلك أحلامٌ زائفة؟ كيف ستتحملين مسؤولية الإحباط الناتج عن حلمٍ لا يمكن تحقيقه؟”
كان صوتها متحمسًا، لكن وقفتها ظلت محافظة، ونظارتها العاكسة للضوء لمعت ببرود.
لكن لماذا شعرتُ بالمرارة والإحباط في عينيها خلف النظارة؟
رفضها حتى أن تحلم هو بسبب ظروفها بلا شك.
كان البارون دوغلاس عالمًا محترمًا ذا شخصية مُحبة.
لكنه تعرض للاحتيال بعد أن أقرض مالًا لأحد أقاربه لتمويل مشروع، ثم مرض ومات بعدها.
كانت رينا مخطوبة آنذاك لابن عائلة نبيلة أخرى.
مع وفاة رب الأسرة، تدهورت أوضاع الأسرة بسرعة، وتلقت إشعارًا بإلغاء الخطبة من جانب واحد.
حتى الأقارب تجاهلوها، وسمعتُ أن رينا تعيش حاليًا مع والدتها المسنة في ظروف صعبة.
رفعتُ كوب الشاي وارتشفتُ منه، ثم حدقتُ فيها بهدوء.
“أنا أيضًا من عائلة نبيلة، وقد هربت هربًا من زواج قسري.”
يبدو أن قصتي فاجأتها، فاهتز كتفاها قليلًا.
لا بد أن الأمر كان مفاجئًا.
ابتلعتُ ابتسامة مرة.
فالصورة المنتشرة عني، إيريكا دييل، هي صورة كبيرة أمناء المكتبة الملكية، وسيدة الحرب التي تطلق سهام النار، أمور مبهرجة وخيالية.
“لم يكن في عائلتي ابن أكبر، فاستولى ابن عمي على الأرض واللقب قانونيًا في ذلك الوقت، شعرتُ بإحباط عميق وعجز غضبتُ من حقيقة أنني لا أستطيع حماية أي شيء بقوتي.”
توقفتُ عن الكلام ونظرتُ إلى يديّ للحظة.
ظهر يداي خشنان، وأطراف أصابعي ملطخة بالحبر الأسود.
وبسبب تدريبي اليومي على الرماية، كان في راحتيّ الكثير من الجروح من وتر القوس.
لا أخجل من يديّ الخشنتين المليئتين بالكالو.
بل على العكس، أنا فخورة بهما.
فهما اللتان صنعتا لي طريقًا للعيش بقوتي، ولو لم يكن بشكل كامل. وستواصلان فعل ذلك.
“لذلك… أردتُ ألا يمر أحد بنفس ما مررت به لذا قررتُ إنشاء نادي الكتاب الذي يساعد الآنسات على حماية أنفسهن.”
لانت تعابير رينا الباردة قليلاً.
“أتفهم نواياكِ الحسنة يا أنسة دييل لكن ما أسأل عنه هو ما بعد نادي الكتاب.”
عبست قليلاً وتابعت كلامها.
“في روبيريا، ليس أمام الآنسة الفقيرة طريق للاعتماد على الذات سوى الزواج فهي لا تستطيع الزراعة أو التجارة كعامة الناس كيف سيفيد نادي الكتاب الآنسات إذاً؟”
نظرتُ إلى رينا بحنان وابتسامة دافئة.
لم أخبر أحدًا بعد. لا جلالة الملكة، ولا كارليكس وولي العهد، ولا حتى موظفي المكتبة، بالهدف الحقيقي لنادي الكتاب.
وذلك لأنه يجب أن تعلم به أولاً الآنسات، هنّ المسؤولات عن إدارة نادي الكتاب.
لأن الهدف الحقيقي لا يتحقق إلا إذا نقلتُ لهنّ نواياي الصادقة، وكرسنّ قلوبهنّ له أيضًا.
التعليقات لهذا الفصل " 79"