كان ذلك صوت لودفيغ وهو يثرثر بلسان مُثقَل بسبب السُكْر.
حقًا، كان ولي العهد هذا بمثابة المنقذ الذي جاء ليُعكّر صفو حياتي.
فهو أحيانًا يجعل طريقي في الحياة فوضوياً، لكنه في الوقت ذاته يظهر في اللحظات التي أكون في أمسّ الحاجة إليه فيها.
تنهدتُ ونظرتُ باتجاه الحانة.
كان لودفيغ يحاول الخروج من الحانة، وكان فرسان الظل يسدّون الباب أمامه مستعدين للموت في سبيل منعه.
“كيف تجرؤون على سدّ طريقي!”
“الخيانة تُردَى بالموت. صاحب السمو! لا يمكنك الخروج الآن.”
صاح جيلبرت بصوت مهيب وكأنه مستعد للتضحية بحياته في تلك اللحظة.
بينما كان لويد يبتسم ابتسامةً ماكرة ويحاول استمالة ولي العهد:
“سموّي، سأُصطحبك إلى مكان رائع لا يُفوَّت. تعال معي.”
كان لودفيغ يبدو وكأنه يموت من الفضول، يضغط على أكتافهما محاولًا جاهدًا رؤية ما بالخارج.
“ما الأمر بحق الجحيم؟ ما الذي تخفونه؟ ما الذي تفعلانه أنتما الاثنان فقط؟!”
نهضتُ على عجل.
بصراحة، كنت أرغب بشدة في الهرب سريعًا إلى داخل الحانة.
“لنَدخل بسرعة، قبل أن يُحدث سموه فوضى. يجب أيضًا أن نُعيد السيدة ماريان والآنسة روز إلى منزليهما.”
“لا إجابة على سؤالي، إيريكا.”
قال كارليكس ببرود، دون أن يتحرك من مكانه وهو جالس.
لقد نسيتُ مجددًا.
هذا الدوق الأكبر يتسم بالعناد ولديه قدرة هائلة على الإمساك بالخصوم.
ضحكتُ ضحكةً صاخبة وبدأت أتسلل خطوةً إلى الخلف.
“هاها، ماذا كنت تقول قبل قليل؟ أعتقد أنني ثملة ولا أتذكر جيدًا…”
عندما هممتُ بالركض إلى الحانة، وقف وأمسك بذراعي.
انجذبتُ بقوةٍ لطيفة لكنها حازمة إلى أحضانه.
حبستُ أنفاسي للحظة حين اقترب وجهه الوسيم.
ابتسم كارليكس ابتسامةً خفيفة ومرّر خصلة شعري على جبهتي، ثم وضع شفتيه برفق على جبهتي.
قُبلة ناعمة ودافئة كريشة طائر.
وقبل أن أتمكن من الاحتجاج، نظر إليّ بعينين مبتسمتين فاتنتين.
“سأنتظر. حتى تجيبيني. اعتبرِ هذه مكافأةً لي على انتظاري.”
من مدخل الحانة، دوّى صوت صيحات واستنكار.
لا حاجة لأن أنظر إلى الخلف لأعرف.
ولي العهد يصرخ، وروز تصرخ صرخةً قريبة من الفرح، وفرسان الظل في ذهول.
‘ألا تتصرف بطريقة أنانية مفرطة؟’
أردتُ أن أحتج عليه، لكن لماذا استمر وجهي في الاحمرار؟
كم لديّ من الخبرة في العلاقات؟
لقد تخطيتُ سنّ الخجل من قُبلة على الجباة بزمن طويل.
***
“أليس هذا مبالغًا فيه قليلاً؟ التنظيف منذ الصباح، كبيرة أمناء المكتبة؟”
كان صوتًا حادًا اخترق أذني.
شعرتُ بتهديد مباشر، وما إن التفتُ حتى…
تمكنتُ بصعوبة من فرد ظهري المتعب من تنظيف الأرضية بالممسحة.
مسحتُ العرق المتصبب على جبهتي واستدرت بابتسامة متكلفة.
كانت روز تحمل منفضة الغبار كسلاح، تحدق بي بنظرة شرسة.
في اليوم التالي لتلك الوليمة الفوضوية، عقدتُ اجتماعًا طارئًا مع السيدة ماريان.
كان علينا إيجاد قاعة دراسية لإدارة نادي الكتاب في أسرع وقت.
لحسن الحظ، كان هناك مختبر غير مستخدم في المبنى الجانبي للمكتبة.
كان المكان يُستخدم سابقًا من قبل الرهبان في العصور القديمة، ويتسع لحوالي 40 شخصًا.
وبما أنه لم يُستخدم لفترة طويلة، كان الغبار يغطي الأرضية، والعناكب تنسج خيوطها في السقف والجدران.
ولهذا، طلبتُ من موظفي المكتبة المساعدة، وكنا جميعًا نقوم بالتنظيف الكبير منذ الصباح.
شمرتُ عن سواعدي، وكنتُ أكنس الأرضية وأنفض الغبار.
كما كنتُ أنظف النوافذ وأجلي الأرضية بالممسحة حتى تلمع.
روز، العضو المؤسس في نادي الكتاب، كانت أيضًا تُشارك في التنظيف بشكل شبه إجباري.
بالنظر إلى طبيعتها، كان من الرائع أنها تقوم بالتنظيف بنفسها دون أن تطلب من الخادمة القيام بذلك.
في مثل هذه المواقف الاعتذار السريع هو أفضل حل.
جمّعتُ يديّ بسرعة وتوسلتُ إليها:
“آسفة يا آنسة روز. الوقت لا يتسع لتجهيزات افتتاح نادي الكتاب. ساعديني، أرجوكِ.”
روز التي كانت تتذرع، أومأت برأسها بدلال.
“إذاً، يجب أن تفي بوعدكِ بالتأكيد.”
“هاه؟ أي وعد؟”
هل وعدتُها بشيء من قبل؟
بينما كنتُ أميل رأسي باستغراب، نظرت روز حولها لتتأكد من عدم وجود أحد ثم همست في أذني:
“إيريكا، أليس صحيحًا أن راعية نادي الكتاب هي جلالة الملكة؟”
“نعم، صحيح. لماذا؟”
“إذا أقامت جلالة الملكة حفلة شاي في القصر، فابذلي جهدكِ لتتمكني من دعوتي أيضًا أيمكنكِ فعل ذلك؟”
كانت نظرة روز تتألق بإرادة قوية تفيد بأن الرفض غير وارد، مما جعلني أشعر بقليل من الخوف.
أومأتُ برأسي بقوة.
“نعم. سأبذل قصارى جهدي.”
أشرق وجهها الذي كان متجهِّمًا.
وكأن الحماس فجأة نبع من داخلها، بدأت روز تلوح بمنفضة الغبار بقوة.
“من أجل المكتبة الملكية، ها أنا أضحي بهذا الجسد عن طيب خاطر. هووهوو.”
أخذت روز تقود الموظفين بحماس وهي تشرف على التنظيف.
“هيا، اكنسوا ونظفوا بسرعة. لنبذل جهدًا أكبر قليلاً.”
همم، الهدف غير نقي بعض الشيء، لكن على أي حال، أنا ممتنة لتعاونها.
نادتني السيدة ماريان، التي كانت تراجع حزمة المستندات في زاوية المختبر.
“أمينة المكتبة إيريكا، هل نتناقش قليلاً؟”
“بالطبع، سيدتي. ماذا هناك؟”
“لدينا فائض من الطاولات والكراسي التي يمكن وضعها في قاعة المحاضرات. أما السبورة فسنطلب صنعها خصيصًا. آه، صحيح، يجب أيضًا فرش سجاد جديد على الأرض. سيكلفنا ذلك بعض المال.”
أعادت السيدة ماريان ضبط نظارتها على طرف أنفها، وكانت تتحقق بدقة من العناصر اللازمة للقاعة.
حقًا، إنها سيدة المكتبة الملكية بجدارة.
تهتم حتى بأدق التفاصيل التي غفلتُ عنها.
شعرتُ وكأنني حصلت على دعم هائل.
“لا تقلقي بشأن التكاليف. لقد وعدت جلالة الملكة بدعمنا بالكامل. بالطبع، لا يجب أن نبدد الأموال، لكن يمكنكِ إنفاق ما يلزم دون تردد للأمور الضرورية.”
وضعت السيدة ماريان قلمها جانبًا للحظة ونظرت إليّ بتمعن.
كانت نظرة ناعمة لكنها قوية، تنم عن خبرة طويلة.
“جلالة الملكة هي امرأة رزينة، لا تقوم بأنشطة خارجية ولا تتدخل في السياسة عادةً. هل لي أن أسأل كيف استطعتِ التأثير على قلبها؟”
سبق أن سمعتُ من روز عن ماضي السيدة ماريان.
قيل إنها عملت فترة طويلة كوصيفة شرف قريبة من جلالة الملكة في شبابها.
كانت هي والكونتيسة ديميتر، عمة كارليكس، من الوصيفات المباشرات المحظيات لدى جلالة الملكة.
وبعد وفاة زوجها في حادث، استقالت من منصبها واعتزلت الريف، ثم قبلت منصب الإدارة العامة للمكتبة الملكية بناءً على طلب ويليام.
“هذا… بفضل الكلام الطيب الذي قلتهِ لي سيدتي ماريان.”
تذكرتُ كلماتها الدافئة لي، فرسمت ابتسامة تلقائية على وجهي.
“ماذا قلتُ لكِ في ذلك الوقت؟”
بدت السيدة ماريان متسائلة، وكأنها لا تتذكر تمامًا.
“قلتِ لي إنني لم أُطرَد من منزل الفيكونت، بل حصلتُ على فرصة لعيش حياة جديدة.”
“آه، تذكرتُ. نعم، قلتُ ذلك.”
بدا أنها تذكرت الآن، فأطلقت زفرة صغيرة.
“أردتُ أن أمنح الفرصة للآنسات اللواتي لم تتح لهن فرصة التعليم ليعشن حياة جديدة أيضًا. كلماتكِ لي، سيدتي، كانت مصدر قوة. ونقلتُ هذا الشعور الصادق إلى جلالة الملكة أيضًا.”
تحدثتُ بهدوء لكن بصدق.
عندها فقط ابتسمت السيدة ماريان ابتسامة ناعمة، وكأنها فهمت.
“لكن، أمينة المكتبة إيريكا.”
ثم سألت بسؤال حاد بنظرة جادة.
“حتى الآنسات من العائلات الفقيرة يتعلمن أساسيات الثقافة والمعرفة مثل آداب المجتمع ومهارات إدارة المنزل كسيدة للعائلةزإذاً، ما الذي سيقوم نادي الكتاب بتعليمهن؟”
“لن نعلمهن شيئًا على الإطلاق.”
أجبتُ على سؤالها بهدوء.
“ماذا يعني ذلك؟”
شعرتُ بلمحة ارتباك في عينيها.
واصلتُ الحديث بهدوء وأنا مبتسمة.
“الهدف الحقيقي الذي يسعى إليه نادي الكتاب هو أن تتعلم الفتيات بأنفسهن، وأن يجدن طريقهن، وأن يُكوّن قيمهن الشخصية أريد مساعدتهن ليتمكنّ من الخروج من إطار العائلة أو المكانة الاجتماعية وصنع حياتهن الخاصة.”
طوال حديثي، كانت السيدة ماريان تستمع بصمت، ثم أطلقت تنهيدة عميقة.
هل هناك شيء غير مرضٍ؟ هل ارتكبتُ خطأً في الكلام؟
بينما كنتُ انتظر ردها بقلق، أمسكت فجأة بيدي بقوة.
“… هذا رائع. تنمية القوة للتعلم الذاتي وإيجاد الطريق، هذا هو روح المكتبة حقًا. شكرًا لكِ لأنكِ جعلتيني أستعيد شيئًا طالما نسيته.”
قالت السيدة ماريان بصوت متأثر، حتى أن عينيها امتلأتَا بالدموع.
“سأساعد في هذا الأمر من كل قلبي أيضًا!”
“آه… شكرًا لكِ، سيدتي.”
يداي كانتا ما زالتا ممسكتين بيدها بقوة، فشكرتها وأنا في حالة من الذهول الطفيف.
جمعت السيدة ماريان حزمة المستندات على عجل ونهضت مسرعة.
“هذا ليس وقت التباطؤ يجب أن أعد ميزانية فورًا وأبحث عن هيئة تدريس! ويجب أيضًا أن نحدد المجالات التي سنستكشفها هل لديك منهج دراسي مخطط له؟”
“نعم؟ سأرفع تقريرًا غدًا.”
“سأذهب الآن بسبب الميزانية. أترك لكِ ترتيب الأمور هنا.”
“شكرًا لكِ، سيدتي. لكن أرجو ألا تُرهقي نفسكِ كثيرًا. أخشى أن تضرّي بصحتكِ.”
لقد كانت السيدة ماريان تشتكي مؤخرًا من آلام الظهر باستمرار.
كنت قلقة من أن تمرض بسبب الإرهاق في أعمال النادي.
طمأنتني بصوت مرح:
“قد لا يبدو عليّ، لكن قلبي ما زال شابًا. بفضلكِ يا إيريكا، سأعمل بحماس بعد طول انقطاع.”
***
بعد الانتهاء من التنظيف الكبير للقاعة، تناولتُ أنا وروز غداءً بسيطًا من السندويشات على مكتب الاستعلامات.
كنت أحمل سندويشًا بيد، وبالأخرى أعاني لكتابة تقرير المنهج الدراسي.
كانت روز تراقبني باهتمام وهي تسأل:
“هل قمتِ بمثل هذا العمل من قبل يا إيريكا؟ سمعتُ أنكِ كنتِ في منزل الفيكونت قبل مجيئكِ إلى المكتبة، لكن طريقة تعاملكِ مع الأمور ماهرة”
ربما كان سؤالاً عابرًا، لكنه كان حادًا بعض الشيء، مما جعلني أشعر بالتوتر.
“عندما كنتُ في منزل الفيكونت، أنشأتُ مجموعة قراءة مع بعض المعارف أعتقد أن تلك التجربة ساعدتني.”
“آه، هكذا.”
في الحقيقة، الأمر يعود لخبرتي كأمينة مكتبة في حياتي السابقة.
مرّت أمامي كصور سريعة أيام كنتُ أنظم فيها فعاليات قراءة وحفلات موسيقية وندوات ثقافية لتنشيط المجتمع المحلي وتعزيز ثقافة القراءة، حتى أنني كنتُ أضحي بعطلاتي وأرفض الزواج.
يبدو أن قدري هو العمل كالثور سواء في الواقع أو داخل الرواية.
لقد أدركتُ ذلك منذ أن رقّوني إلى كبير أمناء المكتبة.
إنه تأكيد آخر على حقيقة أنه لا يوجد وجبة مجانية في هذا العالم.
… مع أن هذا نصفه مجرد تعبير عن شقاء عمل أمين المكتبة.
حشرتُ بقايا السندويش في فمي بسرعة وركزتُ مجددًا على تقرير المنهج.
“حسنًا، هل أكتب أنا رسائل الدعوة لمرشحات منصب ولية العهد؟”
رفرفت روز بقائمة مرشحات منصب وليّة العهد التي أعطيتها إياها وكأنها مروحة.
شرحتُ لروز المهمة التي أوكلها لي لودفيغ بشكل منفصل، ووزعتُ العمل عليها.
بصفتها الابنة الكبرى لعائلة ماديسون، التي تتمتع بقدرة عالية على تحليل المعلومات والحكم على الناس، ستكون روز قادرة على تقييم المرشحات بشكل موضوعي.
إضافة إلى ذلك، بالاعتماد على قاعدة المعلومات الهائلة التي راكمتها عائلة ماديسون، يمكننا الحصول على معلومات مفصلة عن عائلات المرشحات، مما يعتبر مكسبًا كبيرًا.
أطرقت روز ذقنها بيدها، تبدو غارقة في التفكير وهي تقول:
التعليقات لهذا الفصل " 75"