أنقذني كارليكس من السقوط، فأمسك بجسدي الذي كان على وشك التهاوي.
“أثملتِ إلى درجة لا تستطيعين معها حتى السيطرة على جسدك؟ أأنتِ بخير، إيريكا؟”
تفحّصني كارليكس بنظرةٍ مليئةٍ بالقلق.
“نعم، أنا بخير… هيكس!”
آه. هذا الفواق جاءني لأنني فكّرت بتلك الفكرة الخبيثة، بمهاجمة شفتي سموّك الطاهرتين.
أخذت أُجهش بالفواق وهزّت كتفيّ، فربّت كارليكس على ظهري.
ثمّ أجلسني على المقعد الخشبيّ عند مدخل الحانة، وألقى عباءته على كتفيّ.
“انتظري قليلاً. سأحضرُ ما يدفئ جسدكِ.”
دخل الحانة، وسرعان ما عاد حاملاً كأسين من الشراب يتصاعد منهما البخار.
“إنه شاي ساخن. سيساعدك على أن تصحي من سُكركِ.”
جلسنا متجاورين على المقعد نشرب الشاي.
كان نسيم الليل بارداً، لكن دفء الكأس كان يسري في يديّ.
رفع كارليكس بصره بصمت نحو سماء الليل.
كانت النجوم تتلألأ في السماء الزرقاء القاتمة الممتدة وراء نظره.
“…في التُّخوم* الشمالية، كانت النجوم تُرى بشكل أوضح من هنا. حتى أن درب التبانة كانت تُرى وهي تنساب في السماء.”
•|هي الحدود الفاصلة بين الأراضي، أو المعالم والمنارات التي يُهتدى بها لتحديد النهايات بين الدول أو المناطق
كانت هذه أول مرة أسمعه يتحدث عن حياته في التُّخوم.
ففي الرواية الأصلية، وُصف الأمر فقط بـ”حارب كارليكس الأعداء في المنطقة الشمالية، أو تعامل مع الوحوش التي كانت تظهر أحياناً”.
لقد كانت سبع سنواتٍ كاملة.
سبع سنواتٍ طويلة وشاقة ومؤلمة، تحوّل خلالها فتى في الثامنة عشرة من عمره إلى شابٍ يحمل أعباءً ثقيلة.
“كيف قضيتَ أيامك في التخوم، يا سموّك؟ أقصد، عندما لا تكون في المعارك.”
رغبتُ في سماع حديثه عن حياته اليومية، بدلاً من حكايات ساحات القتال الدامية.
التفت إليّ كارليكس بنظرةٍ تقول: “أحقاً أنتِ من تسأل عن هذا؟”
“أنتِ أول من… تسأل عن ذلك.”
“أحقاً؟”
“لأن الجميع يريدون سماع بطولاتي في ساحة المعركة فقط.”
ثم أخذ يروي لي أخبار حياته في التخوم، بابتسامةٍ ناعمة.
كان صوته هادئاً رقيقاً، كأنما يشدو لطفلٍ تهويدة.
“كنت أتناول الطعام مع السكان المحليين، وأشقّ الأرض المتجمدة لمساعدتهم في الزراعة. بل غرستُ بنفسي حبات البطاطا.”
“حقاً؟! هل زرعتَ البطاطا يا سموّ الدوق؟”
سألته مذهولةً من الطرافة، فأومأ كارليكس برأسه بجدّية.
“أجل. حصدتُ البطاطا التي زرعتها وصنعتُ منها الطعام أستطيع طبخ حساء البطاطا والبطاطا المشوية على الأقل.”
حاولت أن أتخيله وهو يجلس القرفصاء يقشر البطاطا بجدّ.
آه، لابد أن ذلك كان ظريفاً.
سأطلب منه أن يفعل ذلك بالتأكيد في المرة القادمة.
تاه بصر كارليكس للحظة في مكان ما من السماء.
وكأنه يشتاق إلى تلك السماء التي كان يراها من التخوم.
“في الشتاء، كنت أذهب مع الفرسان إلى الغابة لجلب الحطب لقد قطعنا أشجاراً أكثر من عدد الوحوش التي قتلناها لأننا كنا بحاجة لتوزيع الحطب على السكان أيضاً كان شتاء التخوم قاسياً وكثيراً ما اشتكى الفرسان قائلين إنهم يشعرون وكأنهم استُدعوا للعمل كحطّابين.”
“ألم تكن تتعب يا سموّك؟”
“كنتُ أشعر براحة البال أكثر عندما أقطع الخشب. بل كنت أذهب أحياناً إلى الغابة بمفردي لأمضي الوقت. أجلس طويلاً على جذوع الأشجار التي قطعتها.”
“بمَ كنت تفكر؟”
نظرته التي كانت تحدق في السماء، انحدرت نحوي ببطء.
وكأن نجماً ينزل إليّ من السماء.
“كنت أفكر في حياة تلك الأشجار. في أصوات العصافير التي تسمعها في الصباح، في حفيف الرياح، في صوت المطر… وماذا كانت تفكر فيه تلك الأشجار عندما تشرق عليها شمس الصباح بعد أن تمرّ العاصفة…”
كان صوته هادئاً مثل غابة شتوية تثلج.
“وأحياناً، كنت أتمنى لو أنني… أصبح تلك الشجرة التي قطعتها بدلاً منها.”
بدا لي للحظة وكأنني أرى ظهر كارليكس وهو جالس على جذع شجرة في غابة شتوية بيضاء.
لمجرد تخيّل صورته وهو يحتمي وحيداً، جعل قلبي يؤلمني.
استمرت حكاياته تنساب كأنها قصيدة شاعر جوال.
عن الأيام التي كان يصعد فيها إلى الأسوار العالية، يوقد النار وينتظر بزوغ الفجر.
كان درب التبانة ينساب فوق رأسه، ثم يبزغ الفجر، ثم تحرقه شمس الظهيرة، ثم يحجب الثلج والمطر بصره.
اعترف بأنه خاض غمار الحياة والموت في معارك لا تُحصى، لكنه في الوقت نفسه، قال إنه كان أكثر ما يكون على طبيعته في تلك الأوقات.
تذكّر الأمر بهدوء، قائلاً إن سنواته السبع في التخوم لم تكن سيئة، لأنه كان لديه مكان يعود إليه، وأناس يجب أن يحميهم.
“كان مكاناً قاسياً، ولكنه كان حراً بنفس القدر. كنت أستطيع أن أفعل ما أريد، وأن أذهب حيث يقودني سيفي. لم أكن بحاجة لكل تلك الطقوس المزيّفة أو التصنّع.”
كان هذا كلاماً يليق به، فهو يحتقر المظاهر الزائدة والتقاليد الأرستقراطية المرهقة.
ابتسمتُ بخفة.
شعرتُ بالارتياح أخيراً بعد أن استمعتُ لأخباره في التخوم.
“هذا جيّد.”
“ما الجيد؟”
*أن سموّك لم تقضِ سبع سنوات في التخوم وأنت فقط تعاني بصعوبة.”
رسم كارليكس ابتسامة ناعمة.
كانت ابتسامة تشبه شعاع الشمس الدافئ، تجعلني أرغب في التحديق بها فقط.
“أجل. إنه لأمر جيد. جيد أنني عدت والتقيت بكِ هكذا.”
مهلاً، هذا الحوار خطير.
بطل الرواية هذا يستغل كل فرصة ليخلق جواً رومانسياً.
لا يدع لي مجالاً لأسترخي.
سارعتُ بتغيير الموضوع.
“عندما أستمع لأخبار سموّك عن التخوم، أراها تبدو مكاناً رائعاً. أتمنى لو أستطيع زيارته.”
تكلّمتُ بحماسةٍ متعمّدة.
سألني كارليكس باستغراب.
“هل أنتِ جادّة؟ التخوم أرض قاسية وشديدة. من الصعب على أي أحد أن يتحمّلها طويلاً.”
“لكنها حرّة، لا تراعي أحداً. يمكنني تقبّل ذلك.”
“همم، ماذا ستفعلين هناك؟ ثلثا العام شتاء، والرياح العاتية تهب على مدار الفصول.”
توجّه نظره نحوي باهتمام.
رفعت رأسي إلى السماء وأنا أتأمل وأنا أحني ذقني على يدي.
“همم… أريد أن أبني مكتبة. قلتَ إن الرياح كثيرة هناك. ما رأيك بمكتبة الرياح؟”
“مكتبة… تقصدين؟”
“أجل. الأطفال، والمزارعون، ونساء القرية، والجنود، كلهم يأتون إلى المكتبة بعد يوم شاق، ويحضنون الكتب ليعودوا بها إلى بيوتهم كل واحد منهم يقرأ كتابه ليخفف تعب يومه ويحلم بالمستقبل وأنا سأكون أمينة المكتبة التي تحرس مكتبة الرياح.”
انطلقتُ في سرد خيالاتي بحماسة دون سبب.
تساءلتُ إن كان سيستهزئ بي ويقول إن هذا ساذج، فراقبتُ ردة فعله بخفية.
كان كارليكس جالساً شاردا كالحالم.
وجه بلا دفاع، نادراً ما يُرى.
كأنه عاد ليكون الدوق الشاب الذي دخل التخوم لأول مرة، بل الفتى ذا الثمانية عشرة.
“فكرة رائعة. لم يخطر ببالي مثل هذا التفكير قط إنها مثل… حلم.”
نطق كارليكس بكلمة «حلم» بحذر، وكأنه يتعامل مع شيء هشّ وسهل الانكسار.
“ما حلم سموّك؟”
العالم الذي جئت منه كان عالمًا يفيض بالأحلام.
كل شخص يبني أحلامه منذ الطفولة، وفي المراهقة تتغير أحلامه عشرات المرات.
وعندما يكبر، إما أن يتنازل عن أحلامه ويتصالح مع الواقع، أو يبدأ حلماً جديداً.
لكن سؤال بطل الرواية عن حلمه في عالم روايات الرومانسية، شعرتُ أنه أمر غريب.
لأن حلم البطل في النهاية هو أن يحقق حبه مع البطلة.
“… هو ازدهار عائلة راينهارت، وتوريث منصب رب الأسرة القادم لمايكل.”
هززتُ رأسي بحزم.
“هذا ليس حلماً، إنها مهمة أو واجب. ليس هذا الذي تقصده، أريد شيئاً غير الممل والجامد، شيء يخص سموّك وحده فقط.”
ارتدى كارليكس تعبيراً يدل على عدم الفهم.
“لماذا عليّ التفكير بحلم كهذا؟”
“لكي يستطيع الإنسان الحياة.”
“ما حلمكِ أنتِ، إيريكا؟”
“إنه سر.”
عندما أجبته بابتسامة منعشة، تقطّب جبين كارليكس.
“بعد أن ألقيتِ عليّ محاضرة كاملة عن الأحلام، تقولين إنه سر؟!”
كان صوته، بل والغريب، مختلطاً ببعض الانزعاج.
“يُقال إن الأحلام لا تتحقق إذا بوح بها سأخبرك عندما يحين الوقت المناسب.”
حلمي هو العودة بسلام إلى بيتي دون أن أموت على المقصلة.
كما يُقال، لا تبصق في بئر تشرب منه.
ابتسمت ابتسامة عريضة، فهز كارليكس رأسه.
كانت ابتسامة قد رسمت نفسها على شفتيه.
“تعجبني فكرة مكتبة الرياح التي ذكرتها للتو.”
“أحقاً؟”
“إذا عدت إلى التخوم يومًا، أظن أني سأبني مكتبة. لقد فعلت هناك الدمار والقتل فقط. لم أترك شيئاً. لكن المكتبة، قد تورث للأجيال لمئات السنين.”
أصغيتُ لحديثه وأنا أومئ برأسي.
أنا أيضاً، كأمينة مكتبة، كنت أحلم يوماً بحلم بناء مكتبة صغيرة.
ولكن بعد أن دققت على آلة حاسبة تكاليف الأرض، والبناء، وتصاريح البلدية، وتكاليف شراء الكتب السنوية ورواتب الموظفين، قررت أن أبقي الحلم حلماً.
لا بد أن أقدّم نصيحة لاذعة لهذا الساذج الذي لا يعرف إلا حمل السيف والقتال، ولا يعرف شيئاً عن المشاكل الواقعية.
“لا أقصد شيئاً بقولي هذا، ولكن بناء مكتبة يتطلب الكثير من المال. ويجب أن يكون لديك أرض أيضاً.”
حكّ كاليكس ذقنه متفكراً، ثم قال:
“همم، هناك جزء من أراضي الدوقية في التخوم، يمكنني بناؤها هناك.”
“ماذا؟ لديك أراضٍ تابعة للدوقية في التخوم؟”
“هي أرض منحني إياها جلالة الملك مكافأةً على طردي الأعداء وقضائي على الوحوش.”
تكلّم كارليكس بهدوء وبلهجة لا تكترث.
يا إلهي، يا للهول.
هذا الدوق عظيم حقاً.
كم عقاراً يملك في هذا السن الصغير؟!
إذا تطورت التخوم في المستقبل، سيكون الربح من فرق السعر هائلاً!
بينما كنت أضع خططاً طموحة في رأسي لتطوير عقارات ليست ملكي.
“إيريكا.”
صوته المنخفض العميق استوقفني.
رفعت رأسي إليه بتوتر طفيف.
مرّت يده على خصلة الشعر الملتصقة بجبهتي، ثم مسحت خدي وذقني بخفة، ثم انحسرت.
كانت عيناه الزرقاوان تتبعانني بثبات. كنجم يضيء في سماء الليل.
“إذا عدت إلى التخوم يوماً، هل تقبلين أن تكوني أمينة مكتبتي؟”
كان وعداً للمستقبل.
وعدٌ مستحيل التحقيق.
لم أستطع أن أنبس ببنت شفة.
فأنا لستُ موجودة في مستقبله.
في نظرته الهادئة التي تنتظر إجابتي، بدأ الصدع يتسع ببطء في أحد جوانب قلبي.
“سموّك، أنا…”
لم أكمل الجملة.
لم أستطع أن أقول: لا أستطيع أن أشاركك المستقبل.
لا أستطيع أن أصعد معك السور لأرى شروق الشمس.
لا أستطيع أن نجلس معاً نقشر البطاطا ونصنع الحساء.
لا أستطيع أن أجلس معك على جذع شجرة في غابة شتوية تثلج ممسكة بيدك.
لا أستطيع أن أحلم معك.
كان عليّ أن أقول شيئاً، لكن لماذا الرؤية تضبُب أمام عينيّ؟
لا يجب أن يراني أبكي.
ضغطت على يديّ بشدة حتى غرزت أظافري في راحتي.
من ناحية أخرى، ضحكت بسخرية.
لم نتبادل حتى كلمة “أحبك” العادية.
كلانا مجرد بطل وشخصية ثانوية.
لماذا الكلمات القاسية التي يجب أن أقولها له، ترتدّ مثل السهام وتصيب قلبي أنا؟!
التعليقات لهذا الفصل " 74"