تسلل كارليكس وويليام بهدوء إلى المنصة، وأمسكا بكتفي الرجل الذي ادّعى أنه شاعر متجوّل.
صادر ويليام آلة الماندولين، بينما جرّ كارليكس ولي العهد وكأنه يسوقه.
بسبب اقتحامهما المفاجئ، خلقا جواً من التوتر، فتجمّد العازفون والزبائن في أماكنهم مذعورين.
الحانة التي سادها صمتٌ مطبق، لم يعد يعلو فيها سوى صرخات ولي العهد اليائسة وهو يُساق قسراً.
“لحظة! هذا ظلم، دعوني أغني أغنية واحدة فقط! إنه حلم عمري!”
تململ ولي العهد لودفينغ محاولاً المقاومة، لكن نظرة كارليكس وويليام كانت حازمة.
“ألم تفكر للحظة في معاناة الناس من استماع غنائك، يا صاحب السمو؟”
نظر كارليكس إلى ولي العهد نظرة باردة.
وزفر ويليام تنهيدة عميقة، بدا فيها ارتياحه لتفادي كارثة محققة.
“هل نسيت كم عانى الخدم في القصر تلك الأيام التي ظللت تعزف فيها على الماندولين مدعياً أنك شاعر؟ حتى أن المسؤولين كانوا يتجنبون دخول القصر هرباً من أصوات الماندولين النشاز.”
عبس لودفينغ وهو يجلس، ضاماً شفتيه باستياء.
“أصوات نشاز؟ لا تجرؤ على إهانة موسيقاي التي تعبّر عن روحي الحرة!”
شعرت إيريكا وكأن عليها واجباً لمواساة ولي العهد الذي تمّ تجاهل حلمه.
وقفت بصفتها منظّمة الحفل، وحيتّه بانحناءة خفيفة.
“سأعتبر نفسي استمعت إلى غنائك وعزفك يا صاحب السمو هذا يكفي ليشعرني بالانبهار.”
“هل هذا من قلبك يا إيريكا؟”
نظر إليها لودفينغ بعينين مُحدقتين، تملؤهما الريبة.
ردّت إيريكا بابتسامة خفيفة.
تقول: ألم تتعلم بعد أن الناس قد يخدعونك بمجاملة؟
أفراد فرسان الظل الذين تعرّفوا إلى ولي العهد في مكتبها، حيّوه بأدب.
أضاف لويد بطلاقة اجتماعية:
“نتطلّع لسماع عزفك على الماندولين في المرة القادمة يا صاحب السمو.”
إنه بارع حقاً في المجاملات الاجتماعية.
أما السيدة ماريان وروز، فبدتا غير مرتاحتين لانضمام ولي العهد، تتلوان عليهما علامات القلق.
هل كان ذلك لأنهما المرة الأولى التي يجلسان فيها عن كثب مع ولي العهد في مكان خاص؟
فرغم هيبة ولي العهد ومظهره الأنيق، إلا أن جوهره الداخلي لا يعدو كونه أخاً صغيراً مدللاً!
همست روز في أذن إيريكا بتعبير محرج: “إيريكا، لم تخبرينا أن سموه سيأتي أيضاً.”
“لقد حدث ذلك بشكل عفوي كنت أخشى إن لم أدعه، أن يغضب ويرفض الكلام.”
بصراحة، لم ترغب إيريكا في دعوة ولي العهد.
كان واضحاً أن وجود لودفينغ سيجعل الجلسة رسمية وغير مريحة.
كل ما كانت ترغب فيه هو حفلة ترقية بسيطة.
تعدّلت السيدة ماريان في جلستها بوجه جاد، وحيت ولي العهد رسمياً: “هذه أول مرة أتشرف بلقائك في مكان خاص، يا صاحب السمو. يشرفني رؤيتك. أنا ماريان لويس، المسؤولة عن شؤون المكتبة الملكية.”
ابتسم ولي العهد بارتياح، وغَمزَ لها بإحدى عينيه. “صه. اليوم لست ولياً للعهد، بل شاعراً متجولاً يغني للحب. فلنشرب ونستمتع بهدوء.”
احمرّ وجه روز تحت تأثير ابتسامة ولي العهد الجذّابة.
سكتت إيريكا وقالت في نفسها: توت توت، لا تنجذبي للمظهر الخارجي فقط يا روز.
أُضيفت أكواب جديدة، وتوالت أربعة أطباق من المقبلات.
امتدت وليمة غنية على الطاولة، ورفع الجميع أكوابهم ليقرعوها بمرح.
“لـترقية أمينة المكتبة إيريكا!”
تقدم لودفينغ وهتف باسم نخبها، فما كان من الجميع إلا أن أفرغوا كؤوسهم في جرعة واحدة ودونما تنفس.
إيريكا كانت تستمتع بالجرعة الواحدة، لكن من المدهش أن السيدة ماريان وروز كانتا أيضاً قويتين في احتساء الخمر، حقاً إنهما كذلك!
بعد بضع جولات من الكؤوس، أصبح الجو على الطاولة ممتعاً ومبهجاً.
الغريب أن أناساً من مناصب وطبقات مختلفة تماماً اجتمعوا على طاولة واحدة، دون أدنى شعور بالتنافر.
السيدة ماريان وجيلبرت كانا في نقاش حاد حول كيفية الحياكة.
اكتشفت إيريكا خلاله أن جيلبرت يحب الحياكة كهواية في أوقات فراغه.
لويد وروز لم يمضِ على تعارفهما أكثر من خمس دقائق حتى أصبحا صديقين حميمين، وبدآ يتبادلان أحدث الشائعات في الأوساط الاجتماعية.
كان لودفينغ وويليام متعانقين، يقرع كل منهما كأس الآخر بالتناوب.
ويليام كان يظهر قدرة مذهلة على شرب الخمر، وكأنه يحاول تعويض حرمانه من الذهاب للحانات.
كان كأس الخمر بارداً منعشاً، وكان من حولها يضحكون بصدق، فشعرت إيريكا بدفء غامر.
شعرت بوخز لطيف في قلبها واحتضنها دِفءٌ غامر، فلم تملك إلا أن تبتسم بلا سبب.
“إيريكا، تبدين سعيدة.”
كان كارليكس يراقبها، وكأنه لا يريد أن يفوته أي تعبير يعلو وجهها.
“يا سمو الدوق، أعلم أنني جميلة، ولكن توقف عن التحديق بي، وإلا فسيحدث ثقب في وجهي.”
قالت ذلك بدلال وهي تخفي وجهها بالكأس.
ارتفع زاويا فم كارليكس بلطف.
“حقاً، أحيي فيك هذه الثقة.”
“أجل، أجل. أنا أعيش على هذه الثقة فحسب.”
شخرت إيريكا مازحة، فالبطل المتغطرس لا يمكن أن يغيّر من طباعه.
وصل إلى أذنها ضحك كارليكس المنخفض الواضح.
كان من النادر أن تراه مبتهجاً هكذا.
“هاه؟ ما المضحك؟ أريد أن أشارك أيضاً.”
لودفينغ، الذي التقط الحديث بأذنيه، سأل بلسان متلعثم وهو يعانق كتف كارليكس.
أما ويليام، الذي كان يشرب معهما، فبدا سليماً تماماً دون أن يتغير لون وجهه.
عندها، سمعوا من الطاولة المجاورة هتافات نخب مدوية وضحكات صاخبة.
“لسيدة الحرب التي تحمي روبيريا!”
“المجد للسيدة!”
كان ثلاثة فرسان يرتدون الدروع ويحملون سيوفهم، يقرعون أكوابهم من الصفيح بحماس.
تملّكت إيريكا دهشة: هاه؟ هذه الوجوه مألوفة.
آه، تذكرتهم.
إنهم الفرسان الذين كانوا في المقدمة أثناء قتال الوحوش في ساحة الفروسية.
بدأ الآخرون يهتمون الواحد تلو الآخر بهتافاتهم المدوية.
سأل رجل في منتصف العمر ثمل الوجه: “يا سادة الفرسان، هل رأيتم سيدة الحرب بأنفسكم؟”
أومأ فارس شاب برأسه بقوة.
كان يبدو متأثراً وهو يسترجع ذكريات تلك الأيام. “بل وأكثر! لقد حاربت إلى جانب السيدة بنفسي في ذلك المكان منظرها وهي تركض كالريح وتطلق سهامها النارية! كم كان جميلاً وقوياً! ما زلت لا أنساه”
صرخت إيريكا في داخلها: آخ! أرجوك انسَ ذلك. أنا على وشك الاندثار من الإحراج.
التعليقات لهذا الفصل " 73"