سأله لودفينغ بوجهٍ مُطمئنّ، وكأنّه يتحدّث عن قائمة طعام العشاء: “أرغب في اختبار كفاءة مُرشّحات المستقبل لِزواج ولي العهد. يَقولون عادةً إنّ الزواج هو قَبر الحياة. لا بدّ من توخّي الحذر الشديد.”
تقاطُب حاجبَيّ رغْمَ إبقائي على تعابيري الرسمية.
بدأتُ بهدوء: “صاحب السمو، مع شديد الأسف…”، لكنّ نظراتي كانت تحدّق فيه بتحدٍّ: “أرجو من سموّك أن تَسحب هذا الأمر.”
لم أستطع كَبْت موجة الاعتراض التي تَغلي في أعماقي.
صحيحٌ أنّ طاعة الأوامر العليا هي أساس الحياة الاجتماعية، لكنّ أمر نادي الكتاب هذا كان استثناءً لا يمكن التهاون فيه.
حدّق فيّ لودفينغ بنظرة تقول: “أراكِ تفعلين هذا؟”
بدا ويليام مندهشًا إلى حدّ ما، بينما نظر إليّ كارليكس بجدّية.
شعرت من خلال نظراته أنّه سيدعمني أياً كان قراري.
“أنتِ أولُ من يجرؤ على رفض أمري صراحةً.”
تغيّر نبرة لودفينغ المازحة لتصبح منخفضة ومُهدّدة.
أو ربّما كان هذا هو صوتُه الأصلي؟ صوت الحاكم الذي يَطَأُ المملكةَ تحت قدمَيه.
لقد تخطّيتُ الحدّ بالفعل بمخالفتي العلنيّة.
كم خطوةٍ أُخرى تفصلني عن حبل المشنقة؟
لكنْ، طالما بدأتُ بالجنون، فلأستمرّ فيه حتى النهاية.
ما الذي قد يحدث؟ ألن يقتلوني على الأرجح؟
الأهم من ذلك، هناك من يثق بي بهذا الشكل.
حدّقتُ في ولي العهد دون أي تراجع: “ليس لأنّي أرفض طاعة الأمر، سيدي. إنّ نادي الكتاب أُسّس لمنح الفتيات المحرومات من التعليم فُرصةَ التعلّم وحقّ الاستفادة من الثقافة لا يجوز إقحام السياسة في هذا الأمر.”
لعلّ صدق مشاعري توصّل إليه، إذ لانَ تعابير لودفيغ التي كانت مُتجمّدة.
“آه.” تنهّد بخفوت، ثمّ وضع إحدى يديه على جبهته كأنّه يشعر بالصداع. “إيريكا، أرجو أن تتفهّمي لماذا أصدرتُ هذا الأمر. فأنا في وضعٍ خطيرٍ للغاية.”
“ماذا تعني يا سيدي؟”
“صحّة جلالة الملك ليست على ما يرام.”
اعترى وجه لودفينغ وجعٌ عميق.
في الرواية الأصلية، كان ابنًا لم يحظَ باعتراف والده.
وقد قيل إنّ ذلك جعله يتوق لحبّ والده فيزداد انحرافًا.
لحسن الحظ، أنّ ولي العهد الآن هو ابنٌ بارّ بوالده شديد التقدير له.
“يودّ جلالته التنازل عن العرش لي في أقرب وقت، لكنّ قاعدتي الشعبية لا تزال غير كافية لتمكيني من السلطة لم أحصل بعد على الولاء الكامل من نبلاء البلاط القدماء، وأحتاج أيضًا لتعزيز قوّة النبلاء الجُدد الذين سيحمونني.”
توقّف لودفينغ عن الكلام للحظة، ثمّ أرسل نظرةً مفعمة بالثقة العميقة إلى كاليكس وويليام.
“أمرني جلالة الملك أوّلاً بالزواج، حتى ولو بعقد قراني على وليّة العهد فقط في ظلّ هذا الوضع، وِفقًا لمجريات الأمور تبدو الآنسة من عائلة سيرن الدوقية هي الأوفر حظًا لتصبح وليّة العهد.”
“الآنسة إلياد مُرشّحة؟”
إذاً لم تكن تلك الإشاعات التي تتردّد في الأوساط الاجتماعية مجرّد كلام؟
كنت أعتقد أنّ إلياد تتباهى به كذبًا، لكنّ الأمر كان حقيقيًا.
حقًا، كما توقّعت، هذا العالم القذر يقوم على السلطة والنفوذ فقط.
“إنّ جلالة الملك يثق بعائلة سبيرن الدوقية ثقةً عميقة لكنّ رأيي يختلف تمامًا عائلة سبيرن هي كأفعى عمرها مئة عام تتظاهر بالولاء.”
ابتسم ولي العهد ساخرًا ببرود، وكأنّ مجرّد ذكر عائلة سبيرن يثير اشمئزازه.
يبدو أنّه، بفضل عينيه الزرقاوين القادِرتَين على رؤية الحقيقة، كان يُدرك تمامًا من هو عدوّه.
بما أنّ ولي العهد عازمٌ على القضاء على مستقبل قوى التمرّد، فلا بدّ لي أن أغيّر موقفي.
“إذا كان سموّك لا يرغب في أن تكون وليّة العهد من عائلة سبيرن، فهل معنى هذا الأمر هو معرفة نقاط ضعف الآنسة إلياد؟”
لمعت عيناي كسيّاسةٍ تحيك مؤامرة.
قرأ لودفينغ إشارتي، فارتفع زاوية فمه قليلاً.
“اقتراحٌ مثيرٌ للاهتمام، لكنّه ليس بطريقتي. لا أرغب في أن يكون أحدٌ ضحيّة لقضايا سياسية.”
“لم أكن أعلم أنّ لسموّك كل هذه الرحمة. إذاً، ما الذي يجب عليّ فعله؟”
حدّقتُ في لودفينغ باستغراب.
بثقةٍ مفرطة، مدّ يديه وقال:
“أرغب في اكتشاف مُرشّحة أخرى لزواج ولي العهد، وذلك لتشتيت القوّة المُركّزة حول عائلة سبيرن الدوقية”
إذاً يريدني أن أُجري اختبار أداء لِمُرشّحات زواج ولي العهد في نادي الكتاب.
إنها فكرةٌ ليست سيئة.
إذا أصبحت وليّة العهد من عائلة سبيرن، فسيصبح مؤامرة فرانز للاستيلاء على المملكة حقيقة واقعة.
“فهمت ما تعنيه، فمن الأفضل قطع البراعم الفاسدة في مهدها.”
ابتسمتُ ابتسامة شريرة وأنا أُحرّف فمي.
عند رؤية تعابير وجهي، تصلّب لودفينغ للحظة.
“أتعلمين؟ تعابيرك الآن تجعلك تبدين كشريرة حقيقية.”
لم يستطع كارليكس التحمل، فتحدّث بنبرة فيها عتاب: “توقّف عن مضايقتها، ألا ترى أنّ الأمينة إيريكا تُعاني؟”
أيّده ويليام أيضًا: “صحيح. أرجو إعادة النظر في تلك الخطة. سأُعدّ بديلاً آخر.”
أمام إلحاح الوزيرين المُخلِصَين، اتّسعت عينا لودفينغ وهو يقول بدفاع عن نفسه: “تُعاني؟ ألا ترون أنّها تستمتع بهذه الخطة أكثر منّي الآن؟”
وكاد الخلاف بين الرجال الثلاثة أن يشتدّ، لكنني نهضت فجأةً ناقرةً على المكتب.
اتّجهت أنظار الجميع نحوي دفعة واحدة.
“حسنًا. سأمتثل لأمر سموّك ولكن، بدلاً مني، سأُرشّح شخصًا آخر هو الأكفأ لهذه المهمّة. أرجو أن تسمحوا لي بالتركيز على إدارة نادي الكتاب على أكمل وجه.”
حكّ ولي العهد ذقنه متفكّرًا للحظة، ثمّ وافق بكلّ ارتياح: “أنتِ صاحبة القرار في الشكل والطريقة. المهمّ هو العثور على مُرشّحة أخرى لزواج ولي العهد من داخل نادي الكتاب.”
سألني ويليام بجدّية: “هل لديكِ شخصٌ ما في بالكِ بالفعل؟”
أومأت برأسي بثقة.
لقد فكّرت مُسبقًا في أفضل شخص لهذه المهمّة.
“أجل. أُرشّح الآنسة روز من عائلة ماديسون. بصفتها الابنة الكبرى لعائلة تجارية كبرى، لديها قدرة فائقة على الحكم على الناس وتحليلهم إنّها موهبة يُؤسف لها أن تبقى فقط لتسجيل إعارة الكتب السحرية في مكتب الاستعلامات. سأطلب منها هي القيام باختبار كفاءة مُرشّحات زواج ولي العهد.”
“لقد رأيتِ بدقّة قدرة الآنسة ماديسون على جمع المعلومات وتحليلها ممتازة بالفعل إنها مناسبة تمامًا.”
أومأ ويليام برأسه بارتياح، ثمّ سلّمني وثيقة: “سأساعد أيضًا في وقت فراغي. هذه هي القائمة النهائية لمُرشّحات زواج ولي العهد.”
أثناء مراجعتي للمُرشّحات المُدوّنات في الوثيقة، وجدتُ اسمًا مألوفًا.
فريزيا روبيل
لماذا؟ بشكل انعكاسي، اتّجهت نظراتي نحو ولي العهد.
هل كان يكنّ مشاعر لفريزيا؟ رغم أنّ الرواية الأصلية ذكرت أنّه وقع في حبّها من النظرة الأولى، لكن ممّا لاحظته خلال الفترة الماضية، لم يُظهر لودفينغ أيّ مشاعر خاصّة تجاه فريزيا.
قابلني ولي العهد بابتسامة مُرّة فقط.
كدتُ أوبّخه وأسأله: ‘لماذا أدرجتها في القائمة إن كنت لا تحبّها؟’
أعرف أنّه سؤالٌ لا معنى له.
ربّما يكون الحديث عن الحبّ في مسألة اختيار زوجة ولي العهد أمرًا شاذًا بحدّ ذاته.
إنّها مسألة سياسية بحتة تتشابك فيها المصالح والسلطة.
لكنّني… لم أرغب في أن تتورّط فريزيا في صراعات سياسية دامية.
لو لم أتدخّل، لكانت وقعت في حبّ كارليكس وعاشت سعيدة.
حياتها تغيّرت تمامًا بسببي، والآن ها هي ضمن مُرشّحات زواج ولي العهد!
يجب أن أحميها.
قد يكون هذا هو الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله من أجلها.
لكنّني أتساءل: هل هذه الأفكار ليست سوى رضا ذاتي تافه أريد به التخفّف من شعوري بالذنب؟ عندها شعرت بألمٍ في معدتي وكأنّها تتلوّى.
حاولتُ إبقاء تعابيري هادئة كيلا تظهر مشاعري.
شعرتُ بنظرات كارليكس المُستمرّة نحوي.
رأيتُ تعابيره الهادئة تهتزّ للحظة.
هذا الرجل حساسٌ جدًا تجاه تعابير وجهي لدرجةٍ تُشكّل مشكلة.
أرجوك، يا بطل الرواية، أفق بسرعة! بطلتك من ضمن مُرشّحات زواج ولي العهد!
إذا لم تنتبه، حتّى من الممكن أن تُسرق منك.
أين ذهب ذلك الرجل الذي أحبّ فريزيا حبًّا جارفًا لدرجة التضحية بحياته في الرواية الأصلية؟
أحيانًا، أرغب حقًا في الإمساك بكارليكس من ياقته وهزّه بعنف وأقول له: أرجوك، افتح عينيك!
تنهّدتُ في داخلي وأكملتُ مراجعة القائمة.
كانت مُرشّحات زواج ولي العهد أربعًا: إلياد، و فريزيا، وابنة ماركيز، وابنة دوق.
لكنّ الخانة الأخيرة كانت خالية من الاسم.
“الاسم الخامس غير مكتوب؟” سألت.
عند سؤالي، أمال ويليام رأسه باستغراب: “سيدي، ألم يكن العدد الإجمالي للمُرشّحات أربعًا؟”
كان لودفينغ متكئًا على الكرسي بوضعية استرخاء ورجلاه متقاطعتان، لكنّه عدّل من جلسته.
عيناه الزرقاوان المُتّقدتان تحدّقان بي مباشرةً.
كانت نظرة قويّة لدرجة حبست أنفاسي.
كانت ثقيلة وغريبة عليه لدرجة جعلتني أعتقد أنّ نظراته المازحة طوال الوقت كانت خداعًا.
“إنّها مُرشّحتي الشخصية لزواج ولي العهد في قلبي. فأنا أيضًا لي براءة حبي.”
وقبل أن أدرك معنى كلام ولي العهد، توقّف كارليكس عن الحركة.
كانت تعابير وجهه باردةً كحدّ السيف، ونظراته المُحدّقة في ولي العهد تَشوبها الريبة.
يُقال إنّ علاقة لودفينغ و كارليكس بدأت عندما كانا في التاسعة من العمر.
وحتى بعد أن عانى كارليكس من الموت المأساوي لوالده وقضى سبع سنوات على الحدود يقاتل الوحوش، كانت صداقتهما متينة.
كان كارليكس قاسيًا في كلماته لولي العهد، لكنّ خلف هذا القسوة كان يوجد إخلاص قويّ.
إنّه شرف واعتزاز عائلة راينهارت التي حمت المملكة لقرون.
لكنّ الآن، وربّما للمرّة الأولى، تغيّرت نظراته.
اختفت الثقة العمياء وحلّ محلّها عدم تصديق بارد.
“هل يمكنني معرفة من هي تلك المُرشّحة الخامسة؟”
تغيّرت نظرات كارليكس إلى ولي العهد وأصبحت تهديدية. ي
بدو أنّ لودفينغ لاحظ ذلك أيضًا، إذ حدّق في كارليكس ببرود.
تقاطعت نظراتهما في الهواء بتوتّر.
حتى ويليام أدرك خطورة الموقف فتَصلّبت تعابيره. كان وجهه يُفكّر في كيفيّة تهدئتهما.
آه، يُجنّنني هذا الأمر!
لقد رأيتُ هذا الموقف من قبل في الرواية الأصلية.
أراد لودفينغ إجبار فريزيا على أن تصبح زوجة ولي العهد، فثار كارليكس الغاضب ضده.
التعليقات لهذا الفصل " 71"