“يبدو أن سمو الدوق تناول شيئاً خاطئاً يبدو من هذيانك أنك لا تعي ما تقول.”
سخرتُ منه وشوَّهتُ زاوية فمي، لكن فرانز لم يرفَّ له جفن.
بل حتى أن عينيه البنفسجيتين ومضتا بفضول.
“يا للأسف. كنتُ أتمنى رؤيتكِ تُطلقين سهام النار وتقاتلين الوحش كان الجميع يمتدحونكِ، قائلين إنكِ تشبهين سيدة الحرب الجميلة القوية.”
أمسكَ بمعصمي ورفعه.
لم أستطع التحرر بسهولة، لا أدري من أين تأتي هذه القوة من ذلك الذراع الهزيل.
تفحَّصَ يدي بتعمق كما لو كان يتأمل عملاً فنياً.
“هذه اليد هي التي قتلت الوحش؟ إنه لأمر محزن أنني لم أشهدِكِ تذبحين الوحش وتلطخين يديكِ بدمائه في المرة القادمة، يجب أن تُريني حتماً.”
ياله من مُختلٍ مجنون! انتزعتُ يدي بكل قوتي.
كدتُ أستسلم للغضب الذي كان على وشك الانفجار كالشرارة.
“دعني أحذرك في المرة القادمة، قد يتجه ذلك السهم نحوكَ.”
نظر فرانز إليَّ بتحدٍ دون حراك.
بينما كنتُ على وشك النهوض لترك المكان، ضغط بقوة على كتفي وأمسك ذقني رافعاً إياها.
دون أن أجد فرصة للرد، اقتربت شفتاه الورديتان مني.
توقفت شفتا فرانز في مكان خطير، دون أن أجد فرصة للهرب.
حدقتُ به دون أن أرمش، وصررت على أسناني.
تماماً كحيوانٍ محاصر يستعد للهجوم المضاد.
انعكس وجه إيريكا المليء بالعداء في عينيه بلون الياقوت، كمرآة.
إنها ليست أنا؛ المرأة التي أحبته كحياتها في القصة الأصلية.
ارتعشت زاوية فم فرانز في سخرية.
“أرأيتِ؟ لو قبلتكِ لقضمتني حتماً.”
أمسك خصلة من شعري الطويل، وقبَّلها بهدوء.
ثم نظر إليَّ بنظرة تشع برغبة جامحة في التملك.
“كل خصلة من شعركِ مِلكي لذا، يجب أن تعيشي لأجلي، يا إيريكا.”
انقطعت أنفاسي.
شعرتُ وكأن ما يمسكه ليس شعري بل شريان حياتي.
أمعناه مهما حاولتِ المقاومة، ستظلين في مكانكِ؟
هل أنا دُميتكِ المتلاعب بها في النهاية؟
اختلط اليأس بالغضب حتى كدت أجن.
لم أستطع التفكير بعقلانية.
صررت على أسناني ودفعت كتفيه بعنف.
“لا تُضحكني.”
تراجع فرانز إلى الوراء بخبث، وكأنه يتنازل لي عن قصد.
ثم وضع يده على صدره وانحنى بأناقة مقدماً التحية.
“سأنتظر اليوم الذي سأراكِ فيه مجدداً، آنستي.”
غادر عبر الرواق.
صرختُ صامتة باتجاه مؤخرة رأسه.
لو لم يكن هذا مكان القصر الملكي!
كان لقاءً بغيضاً، دعنا لا نلتقي مرة أخرى حتى في الجحيم! أيها الوغد!
حاولتُ تهدئة أنفاسي المتقطعة وأنا أمسك بمقعد الأريكة بقوة حتى كدتُ أحطمه.
سمعتُ رنيناً في رأسي.
كان صوت قلبي الذي يخفق كالمجنون.
استطاع فرانز ببضع كلمات فقط أن يسخر مني ويحاول التحكم بي كدمية.
بكل سهولة.
كان هذا الأمر مُهيناً ومخيفاً في نفس الوقت.
شعرتُ بالعجز كما لو كنتُ مضغوطة تحت صخرة ضخمة صلبة.
ليتني قضمتُ أذنه على الأقل.
أغمضتُ عينيّ وحاولتُ تنظيم أنفاسي ببطء.
رأيتُ ضوءاً أصفر يتجاوز الظلام.
كان يشبه مخرج نفق مظلم.
لدهشتي، بمجرد رؤية ذلك الضوء، هدأ أعصابي المضطربة.
اختفى الغضب والخوف والعجز.
ومض الضوء ببطء ثم واجهني.
كانت تلك… عينا وحش.
لماذا أتذكر الآن، في مثل هذا الوقت، وحشاً كان يحتضر؟
يتحدث الوحش إليّ.
لا، لقد كان يخاطبني منذ اللحظة التي رآني فيها لأول مرة.
لكنني ما زلت لا أفهم ما الذي يقوله.
ماذا تريد مني بالضبط؟
لماذا تظهر دائمًا عندما أكون في حيرة وألم، وعندما أكره نفسي العاجزة وأرغب في التمسك بأي قوة حتى لو كانت تافهة؟
مرة أخرى، شعرتُ بقوة هائلة تتلوى تحت جسدي.
وكأن قوة لا يمكن تحملها تتمركز وتتربص.
مع مرور الوقت، أصبحتُ أشعر بتلك القوة الهائلة بوضوح.
إنها مُغرية للغاية، لدرجة تجعلني أتمناها.
أريد أن أمد يدي وأجعلها ملكي.
“إيريكا؟ ماذا يحدث؟”
نزل صوتٌ كالضوء من خلف العتمة.
صوتٌ مألوف جداً، منخفض ولكنه ناعم وحازم.
ظهر وجه كارليكس القلق بوضوح يملأ مجال رؤيتي.
كان يمسك بكتفي بحذر ويتطلع إليّ.
“لون بشرتكِ شاحب. هل أنتِ بخير؟”
“… سمو الدوق.”
“يبدو أنكِ تحتاجين إلى تعويذة شفاء. سأستدعي ويليام على الفور.”
استدار كارليكس بعجلة، على وشك الذهاب لإحضار ويليام.
أمسكتُ بيده فجأة وبقوة.
“لا، أنا بخير. كنت أستريح قليلاً فحسب.”
لم أستطع البوح بما حدث مع فرانز.
سيكون من الصعب إذا اندلعت حرب بين العائلتين في القصر الملكي.
توقف كارليكس، الذي أمسكتُ بيده، كأنه تجمد في لقطة ثابتة.
كان يُحدِّق في يدي التي بالكاد تمسك بيده الكبيرة.
“هذه أول مرة…”
“مم؟ ماذا تقصد؟”
“أن تمسكي بيدي.”
نبرة صوته الجادة، كما لو كان الأمر في غاية الأهمية، أربكتني وحاولتُ إفلات يده.
“لا تتركيها.”
أوقفني كارليكس بعجلة وحزم.
“مم؟ حسناً…”
وكأني انجذبتُ لأمره، أمسكتُ بيده مرة أخرى.
أنا جالسة على الأريكة، وكارليكس واقف أمامي ممسكاً بيدي فقط ونواجه بعضنا.
سيُساء فهمنا في القصر الملكي على أننا نعيش قصة حب.
حتى لو كان هذا التواصل الجسدي يصعب وصفه.
لكن ذلك لم يكن مهماً.
لأن الصلابة والدفء اللذان أشعر بهما من يده جعلان القلق والغضب والعجز الذي شعرت به للتو يختفيان.
أمامي فقط، الفارس ذو الشعر الأسود المستقيم والقوي.
رغبتُ في التصرف كطفل مدلل من دون سبب وابتسمتُ له.
“أنا الآن أفهم لماذا لا تحبون المجيء إلى القصر الملكي، سمو الدوق. إنه مكان يستنزف الطاقة حقاً. دعنا نعود إلى مكتبة الدوقية. ربما ينتظرنا السيد مايكل.”
توقف كارليكس للحظة. طويَتْ عيناه العميقتان والجميلتان ببطء. كانت ابتسامة عينيه وكأنهما يوم ربيعي دافئ.
“يسعدني أنني أستطيع العودة معكِ.”
كان مظهره جميلاً لدرجة أنني لم أستطع صرف نظري عنه.
“أوه، آذيتِ مشاعري بهذا القول، يا أمينة المكتبة إيريكا. هل تكرهين القصر الملكي لهذه الدرجة؟”
كان ولي العهد، الذي لا أعرف منذ متى كان واقفاً، مستنداً إلى الحائط ويرسم ابتسامة متمايلة.
“كنتُ أتساءل منذ قليل، لماذا تمسكان بأيديكم فقط كما لو أنكما طفلان يلعبان؟”
استشعرتُ الإحراج متأخراً وأفلتُ يد كارليكس بسرعة.
تأرجح بريق عينَي كارليكس بسبب ردي السريع.
كأنه طفل أفلتت يده من يد أمه.
لماذا أشعر وكأنني ارتكبتُ خطأ؟
“شعرتُ بالدوار قليلاً كان سمو الدوق يسندني فحسب”
“يبدو أن حضور اجتماع مجلس الدولة كان مرهقاً عليكِ كان عليكِ إخباري عاجلاً لو احتضنتكِ في حضني الدافئ الواسع، لشعرتِ بتحسن.”
فرد لودفينغ صدره وطرقه بثقة.
أين ولي العهد الكاريزمي الذي كان في قاعة الاجتماعات؟ كل ما تبقى هنا هو المحب المستهتر.
“سأعتذر عن ذلك.”
تقدم كارليكس خطوة إلى الأمام، وكأنه يحميني.
“أمينة المكتبة إيريكا عملت بجد منذ الليلة الماضية، لذا فهي بحاجة للراحة. سأغادر الآن أيضاً.”
شعرتُ بإرادة قوية ترفض أي رفض من تعابير وجهه الحازمة.
انتابني إعجاب صادق.
هذا هو كارليكس بالتأكيد.
يصرح برأيه بثقة معلناً نهاية الدوام.
لكن ولي العهد كان ثعلباً ماكراً لا يقل دهاءً.
“ما هذا الاستعجال؟ لم يظهر وحش مرة أخرى بما أنكما أتيتما إلى القصر بعد مدة، فاستمتعا أكثر وأيضاً يجب أن نحتفل بانتصار اليوم، أليس كذلك؟”
ابتسم ولي العهد مبتهجاً وتظاهر بفتح فلينة الزجاجة.
هذا تصريح نموذجي من المدير التنفيذي.
كلما حدث شيء، يريد أن يعقد حفلاً.
تغيرت تعابير وجه كارليكس فجأة وباتت باردة.
“لأكون دقيقاً، سيكون انتصار سموك فقط أتعلم كم هي معقدة الإجــراءات التحضــــيرية مثل تأمين الميزانية لتأسيس فرقة الفرسان، وتوســــيع عدد الأعضاء وخطة التدريب؟ في النهاية، مهمة التعامل مع العواقب تقع على عاتقي أنا وويليام.”
أجل! هتفتُ في داخلي موافقة.
ولي العهد وحده يمتلك الكاريزما ويفعل كل الأشياء الرائعة، بينما يتحمل المرؤوسون كل العمل الجبار.
يبدو أن ولي العهد لديه القليل من الضمير، فقد ربّت على كتف كارليكس بوجه خجول.
“لهذا السبب أنا أثق بكما وأعتمد عليكما دائماً تعرفان مقصدي، أليس كذلك؟”
دفع كارليكس يد ولي العهد بعيداً بلا رحمة.
“لا أرغب حقاً في معرفة ذلك.”
“أوه، لماذا تتصرف هكذا؟ أنت من اقترح تأسيس فرقة الفرسان أولاً.”
تجعدت جبهة كارليكس مرة أخرى.
سيصبح وجهه الوسيم مجعداً هكذا.
على الرغم من أنه سيظل وسيماً حتى لو صار مجعداً.
“لقد اقترحت ذلك لأن فرقة فرسان نخبوية ضرورية للاستعداد، حيث من المحتمل أن يزداد ظهور الوحوش في المستقبل لكن…”
توقف كارليكس فجأة ونظر إلى ولي العهد بنظرة جادة.
انحنى لون عينيه الكوبالت الأزرق بلطف.
“لقد كان استخدامك المناسب لذلك لتأمين نفوذك، خطوة رائعة.”
يا إلهي، إن كارليكس المتكبر يمدح ولي العه. أليست هذه أول مرة؟
بدا لودفينغ مندهشاً أيضاً وتوسعت عيناه.
بتعبير وجه خجول بسبب المديح غير المتوقع.
“أوه، همم. لم أكن أعرف أنك تحترمني وتعجب بي لهذه الدرجة.”
“لا تبالغ في التفسير إنها مجرد ملاحظة حول اجتماع مجلس الدولة اليوم.”
أعلن كارليكس ذلك بجدية ورسم خطاً واضحاً.
أوه، يمكنك ببساطة أن تمدحه بصراحة.
لماذا تتشدد هكذا وتتحدث كجندي؟
أظهرتُ ابتسامة مشرقة بأقصى درجات ذهنية خدمة العملاء ورفعت إبهامي لأعلى.
“سموك، لقد كنت رائع حقاً اليوم! شعرتُ للمرة الأولى أنك أمير من العائلة المالكة.”
“همم، أشكرك على المديح، لكن ماذا كنتِ تعتقدين عني طوال هذا الوقت؟”
تذمر لودفينغ وهو يعبس.
أدار كارليكس رأسه قليلاً، وكان واضحاً أنه كان يكتم ضحكته.
“سموك، ألا يمكنك تأجيل احتفال النصر لوقت لاحق؟ المدير مشغول اليوم أيضاً.”
“هذا صحيح. يجب أن نحتفل بترقية أمينة المكتبة إيريكا أيضاً، لذا سأحدد موعداً لاحقاً.”
آه، لقد تمت ترقيتي.
يبدو أن فرانز جعلني حقاً أفقد صوابي.
“بالمناسبة، هذه أول مرة تأتين فيها إلى القصر الملكي، أليس كذلك؟ بما أني أريتكِ مكاني السري في المكتبة، سأريكِ مكاني السري هذه المرة ألستِ متحمسة؟”
كان تعبير وجه لودفينغ كطفل في السابعة يريد التباهي بلعبته.
أظهرت تعبير وجهي عدم ارتياحي بوضوح.
“هذا غير عادل بعض الشيء.”
“لماذا؟”
“لأنك شربت الشاي ونمت ولعبت في مكاني السري، بينما يمكنني فقط مشاهدة مكانك السري.”
“همم، كلامك صحيح عند الاستماع إليه.”
تظاهر لودفينغ بالتفكير وهو يمسك ذقنه، ثم كأنه تذكر شيئاً ما وفرقع أصابعه.
“آه! إذا أصبحتِ أمينة مكتبتي الشخصية، يمكنكِ التجول بحرية في أي مكان في القصر الملكي حينها يمكنكِ شرب الشاي وأخذ قيلولة واللعب في مكاني السري أيضاً.”
اندلعتُ في تنهيدة حقيقية.
نهضتُ فجأة من الأريكة وانحنيّتُ بزاوية 90 درجة لولي العهد.
“إذاً، سأترك العمل الآن جهدك مشكور، سمو ولي العهد.”
خرجتُ إلى الرواق بخطوات سريعة قبل أن يُمسك بي.
تبِعني كارليكس بخطوات مواكبة، بينما لحق ولي العهد بأسرع خطى.
“إيريكا، هذا أمر! توقفي.”
يالها من خدعة رخيصة تستخدمها هنا.
سأفعل ما تقوله…
“نعم. هل ناديتني، سمو ولي العهد.”
…أنت تعرف جيداً كيف تلعب اللعبة.
نعم، أنا أمينة المكتبة الرئيسية.
نظرتُ إلى ولي العهد بتعبير وجه متذمر.
فوجئ بوجهي المشوّه ثم ابتسم بشرّ.
“نسيتُ إخباركِ بهذا. ترغب صاحبة الجلالة الملكة في مقابلتك كل من أمينة المكتبة إيريكا والدوق الكبير راينهارت.”
“صاحبة الجلالة الملكة تريد مقابلتي؟ لماذا؟”
كنتُ مندهشة جداً حتى التفتُ إلى كارليكس.
كان لديه أيضاً تعبير وجه محرج، وكأنه لم يتوقع هذا.
التعليقات لهذا الفصل " 63"