لقد كانت الساحرة الحارسة فاليريا.
لا بد أن لديها هدفًا من الاقتراب، إلا أنها كانت تحدق بي فقط بتعبير بارد.
لم يَسُدّ بيني وبينها إلا صمتٌ محرجٌ وقارس.
على الرغم من أنها كانت موقفًا صعبًا، بدا أنه يتوجب عليّ أن أبدأ بالتحية أولاً، ففتحت فمي للكلام.
“يسعدني مقابلتك لأول مرة، سيدتي الساحرة الحارسة أنا إيريكا دييل، أمينة المكتبة الرئيسية في المكتبة الملكية، كيف يمكنني مساعدتك؟”
لم تتفوه فاليريـا بأي كلمة.
كانت عيناها السوداوان تحدقان بي كما لو كانتا تخترقاني.
نظرةٌ كتلك التي تثقب الروح.
كانت تلك نظرةَ حقدٍ شديدة.
أعرف تلك النظرة.
تلك هي نظرةُ محاربٍ يواجه وحشًا.
بدأ قلبي ينبض أسرع وأسرع، وشعرت ببرودة تسري في عمودي الفقري من الخوف.
كان عليّ أن أهرب.
حالاً.
هذه الساحرة تريد قتلي. بصدق.
لماذا؟ لقد رأيتها للمرة الأولى اليوم!
اشتعلت عينا فاليريـا مثل حجر السَّبَج’الأوبسيديان’.
حدقت بي وهمست بهدوء.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن صدري قد انقبض كما لو كان تحت مكبس.
لم يكن لدي حتى وقت لطلب المساعدة.
“هاه…!”
كل ما فعلته كان التحية، فهل هذا اعتداء؟
ألا يتعلم السحرة حتى آداب السلوك الأساسية؟
بينما كنت أختنق، غَليَ الغضب وارتفع بداخلي.
أطلق الغضبُ القوةَ المدفونة عميقًا تحت جلدي دفعة واحدة. كما لو كان قد أشعل فتيلًا.
عندما تشبثت بقبضتي، تلاشت القوة السحرية التي كانت تخنق قلبي كأنها فقاعات.
اتخذت خطوة للأمام بقوة، وحملقت في فاليريـا.
“ما هذا الفعل المفاجئ؟ هل الرد على التحية بالاعتداء من آداب سحرة الحرس؟”
لو لم تكن شخصية مهمة جدًا، لمسكت بقميصك.
حسنًا، دعينا نعتبره طردًا للنحس.
لم أكن أريده، لكنني تقدمت في المنصب على أي حال.
ارتجفت عينا فاليريـا قليلاً.
“كيف؟”
تمتمت وكأنها لا تصدق، ثم استعادت هدوئها سريعًا.
“آه… فهمت.”
رمشت عيني فاليريـا تجاهي ببطء، لكن تعبير وجهها لم يتغير على الإطلاق.
“اعذريني. لقد كانت طاقتك مختلفة فأخطأت الفهم”
“أليس الاعتذار أولاً؟ سمعت أنكِ كنتِ في جبال كرال فقط، يبدو أنكِ نسيتِ آداب السلوك العامة.”
على الرغم من أنني كنت أتهكم بوضوح، إلا أنني شعرت بخوف خفي.
يقال أن سحر ساحرة الحرس يمكن أن يزلزل المملكة.
ليس فقط المدير ويليام، بل حتى ولي العهد يعاملها باحترام كضيف شرف، فهل يحق لأمينة مكتبة صغيرة مثلي أن ترد بهذه الجرأة؟
لكن ماذا عساي أفعل؟
طبعي الحاد يتعارض مع أشخاص مثل فاليريـا. أولئك الأقوى مني، والذين يستخدمون قوتهم كما يحلو لهم.
نظرت فاليريـا إليّ بنظرة عميقة الدلالة.
انسابت من شفتيها الغليظتين لغة غير مألوفة ببطء.
“يبدو أن المُزيَّف ليس مجرد كتابٍ سِحريّ.”
لقد كانت لغة سحرية قديمة.
نفس اللغة الموجودة على باب كتاب السحر.
هذه المرة، لم تستخدم فاليريـا قوة سحرية.
ومع ذلك، شعرت كما لو أن الهواء داخل رئتيّ قد ضُرب بكلماتها.
“ماذا قلتي… لتوكّ؟”
كدت أسأل: هل تقصدين أن المُزيَّف هو أنا؟ فتحت عيني على اتساعهما وتظاهرت بعدم الفهم.
ارتفعت زاويتا شفتي فاليريـا لأول مرة.
كانت ابتسامة مليئة بالفرح والإثارة، كما لو أنها وجدت أخيرًا فريسة طاردتها منذ زمن طويل.
“سيدة الحرب، إيريكا دييل، أليس كذلك؟”
أن أسمع هذا اللقب من فم ساحرة حارسة.
لقد كان محرجًا لدرجة أنني لم أستطع رفع رأسي.
رغبتُ بشدة، وبصدق، وبكل إخلاص، في مسك قميص ولي العهد.
كيف تجرأ على اختيار اسم مخجل كهذا!
أهكذا هو تدفق القصة الأصلية؟
إنه يجعلني أرغب في التمرد بأي طريقة.
“سأراقبك.”
تركت فاليريـا كلماتها الباردة فقط وانقلبت راجعة.
وقفتُ مذهولة ومحاصرة، لا أستطيع التحرك.
أكانت إيريكا شخصية مهمة لهذا الحد؟
إنها شعبية هائلة تكاد تجعل الدموع تنهمر.
لا يكتفي بكونه الدوق الأكبر المجنون، بل تعلن ساحرة مختلة نفسية تخنق الناس عند أول لقاء بكل جرأة أنها ستراقبني أيضًا.
“أمينة المكتبة إيريكا، هل حدث شيء؟”
اقترب ويليام مني بخطى سريعة بعد أن أنهى محادثته مع رئيس رايخِن.
بدا أنه لاحظ الجو غير العادي بيني وبين فاليريـا، فكان تعبيره قلقًا.
نظر إليّ بحذر، ثم تبع صورة فاليريـا الخلفية وهي تدخل غرفة الاستقبال.
“هل حدث شيء مع السيدة فاليريـا؟ لون وجهك ليس على ما يرام.”
“لقد تبادلنا التحية فقط.”
لقد كانت تحية لا تُنسَى ومؤثرة.
هل صدق كذبتي الخرقاء؟ أومأ ويليام برأسه.
تفحص ولي العهد وكارليكس المحاطين بالنبلاء للحظة.
“يبدو أن حديث سمو ولي العهد والدوق راينهارت سيطول. يجب أن أذهب الآن لأن لدي اجتماعًا مع السيدة فاليريـا حول موضوع كتاب السحر.”
“يبدو أنك مشغول لا تقلق بشأني واذهب من فضلك”
على الرغم من أنني ابتسمت بتلقائية وتظاهرت بعدم المبالاة، بدا أن ويليام لم يقتنع.
“هل أنتِ بخير حقًا؟ انتظري في غرفة الانتظار ثم عودي إلى المنزل مع دوق راينهارت.”
“هل يمكنني… الذهاب إلى سكن المكتبة بدلاً من قصر الدوق، من فضلك؟”
عندما سألت بحذر، لمعت نظارة ويليام أحادية العدسة بحدة.
“أكانت استضافة الدوق لك غير مريحة؟ بصفتي وصيّك، لن أتجاهل الأمر.”
بدا أن ويليام كان على استعداد لتوجيه توبيخ مُقنّع احتجاجًا لكارليكس في الحال.
أوقفته بسرعة قبل أن يكبر الموقف.
“كلا. لقد تم استضافتي بشكل يفوق ما أستحق. لا تقلق.”
من الممتع أن أكون مع مايكل الشقيق الصغير المحبوب، وأيضًا أسلوب حياة النبيلة في قصر الدوق مُرضٍ.
لكن لا يمكنني تجاهل شعور عدم الارتياح الجسدي والنفسي.
“أخشى أن أكون عبئًا أشعر بالذنب قليلاً للبقاء لفترة طويلة.”
يشبه الشعور كأنك تعيش في منزل عائلة ثرية مستأجرًا.
يُقال أن منزلك الخاص، حتى لو كان غرفة واحدة، هو الأفضل.
أريد العودة والعيش بارتياح في سكن المكتبة دون الاضطرار لمراعاة الآخرين.
وضع ويليام يده بهدوء على كتفي.
كانت لمسة دافئة لكنها قوية.
“أفهم شعورك تمامًا.”
“سيدي المدير…”
“في ظل الظروف الحالية المضطربة، يعد قصر الدوق المكان الأكثر أمانًا يجب أن تذهبي وتعودي من وإلى قصر الدوق لفترة أهم شيء هو سلامتك.”
نظر ويليام إليّ بوجه لطيف وحنون.
يبدو أن مثل هذه العبارات المحرجة لا يجب أن تُقال في قاعة اجتماعات رسمية كهذه.
فالرئيس رايخِن يراقبنا بعينين ضيقتين من هناك.
“سأفعل كما تقول، سيدي المدير. إذاً أراك غدًا في المكتبة. شكرًا لك على اليوم.”
حييت ويليام بسرعة، مثل موظف يغادر العمل بسرعة قبل أن يوقفه رئيسه.
ابتسم لي ابتسامة حنونة وانحنى معي.
“بل أنا الذي أتعبك، أمينة المكتبة إيريكا. أنا ممتن دائمًا. وأيضًا…”
بدا أنه يريد قول شيء مهم.
تلك العينان البنيتان الطيبتان غُمرتا للحظة بألم عميق وشعور بالذنب.
لماذا تنظران إليّ بهاتين العينين، ويليام؟
عادت عيناه إلى طبيعتهما كما لو أن شيئًا لم يكن.
“احذري في طريقك سأنتظر لقاءك مرة أخرى غدًا في المكتبة الملكية.”
توقفت عن الالتفاف.
كان ويليام لا يزال هادئًا ومرتبًا كما هو دائمًا.
لكن.
“سأنتظر لقاءك مرة أخرى غدًا في المكتبة الملكية.”
ما هذا الصوت الذي يدور في رأسي؟
شعرت كما لو أنه قال نفس الكلمات منذ وقت طويل.
بتلك الهيئة، وذلك التعبير، قال لي كلمات الوعد كما لو كان يؤكد أو يلقي تعويذة.
هل قال ويليام هذا لإيريكا في القصة الأصلية؟
كلا، لا يمكن أن يظهر هذا في القصة الأصلية أبدًا.
فإيريكا لم تصبح أمينة مكتبة قط.
انضمت لقوات التمرد بعد أن هربت من مقر إقامة البارون والتقت بفرانز على الفور.
إذاً متى قال مثل هذه الكلمات؟
هل قابلها قبل أن أستحوذ على جسدها؟
شعرت وكأن كل ما كنت أؤمن به يتصدع شيئًا فشيئًا من الأسفل.
هل لدى وصيي الحنون سر لا أعرفه؟
كانت ابتسامته لطيفة كالمعتاد، لكن نظراته كانت من الصعب قراءتها بدقة.
“سيدي… المدير.”
“نعم؟ هل تريدين قول شيء؟”
لم يكن لدي الشجاعة لأطلب منه معرفة ما إذا كان قد قال شيئًا كهذا من قبل.
لأنني أثق به تمامًا.
“كلا لقد قلت أن لديك عمل إضافي الليلة حظًا موفقًا”
عندما أغلقت قبضتي واتخذت وضعية التشجيع، أطلق ويليام ابتسامة خفيفة كما لو كان يجد حركتي مسلية.
أومأ للرئيس رايخِن بأدب ثم توجه إلى غرفة الاستقبال.
منذ متى كانت تراقب؟ وقفت فاليريـا عند الباب الداخلي لغرفة الاستقبال.
اقترب منها ويليام وحياها بأدب.
من وراء الباب الذي أُغلق، اختفت ألسنة اللهب في عيني فاليريـا السوداوين المتوهجتين.
***
عندما خرجت من قاعة الاجتماعات، امتد أمامي ردهة رخامية طويلة وواسعة.
كانت ردهة مزينة بسقف مقوس عالٍ وأعمال فنية رائعة.
كان النبلاء يتجمعون في مجموعات صغيرة في الردهة، ويتبادلون المحادثات المتحمسة بأصوات منخفضة.
“من الواضح تمامًا أن سلطة سمو ولي العهد ستتعزز بمجرد إنشاء فرقة الفرسان.”
“ليس لدينا خيار. من يدري متى قد تظهر الوحوش مرة أخرى. سلامة العاصمة أولاً.”
“يطلبون منا تقديم الدعم المالي والبشري، ما رأيكم أيها السادة؟”
أرجوكم، أيها النبلاء.
أستطيع سماعكم جميعًا.
الجميع مشغولون بإخماد النار المشتعلة تحت أقدامهم.
عندما مررت بهم، وأنا من طرف ولي العهد، أطبقوا أفواههم كما لو كانوا قد اتفقوا على ذلك مسبقًا.
سيكون من الصعب الانتظار في الردهة بسبب النبلاء.
مشيت في الردهة وأنا أتأمل الثريا الفاخرة المعلقة على السقف.
فكرت في كلمات ويليام وإحساس *الدِيجا فو الذي جلبته، لكن بصراحة لم أستطع فهمها.
•|ديجا فو هي الشعور الذي يشعر به الفرد بأنه رأى أو عاش الموقف الحاضر من قبل
ربما كانت مجرد تحية عادية.
ربما كنت أبالغ في التفكير.
بينما كنت أسير في الردهة، رأيت مساحة منخفضة قليلاً إلى الداخل.
كانت هناك أريكة مخملية خضراء تحت لوحة تصف حديقة القصر الجميلة.
شعرت كما لو أنني وجدت واحة في الصحراء. هرعت وانهالت على الأريكة.
“هاه، أخيرًا أشعر بالحياة. آه، كل عضلاتي تؤلمني.”
جلست على الأريكة وتمدّدت، وأرخيت عضلات كتفي وصلبي المتصلبة.
لقد تصلب جسدي كله من الجلوس مع ظهر مستقيم طوال فترة الاجتماع.
بينما كنت مستلقية تقريبًا على الأريكة، تلّى ظل أسود أمامي.
رفعت رأسي دون قصد، فوجدت فرانز ينظر إليّ من الأعلى بنظرة مستمتعة.
على الرغم من أنني لا أريد ذلك، صححت وضعيتي ورفعت رأسي بتعالٍ.
“ما الذي جاء بك إلى هنا، سيدي الدوق؟”
كيف عرف هذا الثعلب الأبيض أنني هنا؟
أنا متعبة حقًا، ألا يمكنه المرور بهدوء؟
اقشعر بدني تحت نظراته التي تفحصني ببطء من الرأس حتى أخمص القدمين.
“إيريكا، كنت أعرف أنك ستكونين بخير. يسعدني أن أراكِ بصحة جيدة.”
ابتسم فرانز ببراءة كفتى جميل.
حتى أنا، التي أعرف حقيقته، انجذبت للحظة.
كم عدد الأشخاص الذين أغراهم ودمرهم بهذا المظهر؟
مثل إيريكا في القصة الأصلية.
بالمناسبة، أكان ذلك سخرية؟
غلي الغضب بداخلي فجأة فاستفسرت.
“لماذا قدمت ذلك التحذير في ساحة المسابقة؟ أكنت تعرف أن الوحوش ستظهر؟”
هل خططت لهذا؟ هل لعبت في ملعبك؟
كان احتمال كونه الجاني هو الأكبر، لكن حقيقة أنني لم أستطع حتى معاقبته بسبب عدم وجود دليل قاطع جعلني أشعر بالإحباط والغضب.
قال فرانز وهو يبتسم بخبث.
“لا أريد أن يتضرر ما يخصني.”
عندما سمعت كلماته، شعرت بأن غضبي أثار كل أعصاب جسدي.
تحرك شيء ما، قوة مجهولة بداخلي، كأفعى ضخمة.
أطحن أسناني، وتحدثت بكلمة كل مرة.
“يبدو أنك في وهم كبير لم أكن يومًا ملكًا لك، سيدي دوق سبيرن.”
انحنى فرانز نحوي.
كانت جبهته قريبة جدًا من جبهتي لدرجة أنها كادت تلامسها.
شعرت بالدوار من رائحة عطره القوية والحلوة التي جاءت فجأة.
همس فرانز في أذني بكلمات حلوة كالعسل.
“أنا شخص متسامح سأتفهم من تلاعبين به. في النهاية، ستركعين على ركبتيك وتتوسلين أمامي.”
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 62"