كان صوتًا غريبًا.
لم يكن صوتَ فارسٍ كاملٍ ومتكبّر، بل صوتَ فتىً صغيرٍ مرتبكٍ من مشاعرَ غريبة.
كارليكس ، الذي فقد أباه في هجوم وحشيّ قبل سبع سنوات، أصبح ربَّ عائلة دوق راينهارت في سن الثامنة عشرة.
تطوع للمعركة ليحمي عائلته، وخاض غمار الحرب ضد الوحوش مُخاطرًا بحياته، ورعى أخاه الصغير وأدار الأراضي الإقطاعية.
لم يثق بأحد، وكان دائمًا وحيدًا وقاسيًا.
أينما كان، كان عليه أن يقاتل إلى الأبد ضد الوحوش في ساحات المعارك المتلاطمة بنيران الحرب.
لربما كان طَردُ الوحوش الطريقةَ الوحيدة ليثأر لأبيه ويغسل شعوره بالذنب.
فريزيا هي من أنقذته من كوابيسه التي لا تنتهي.
حبٌّ كامل، وراحةٌ أبدية.
أشياء لا أستطيع أن أقدِّمها له أبدًا.
الرجل الذي أمامي الآن كان أشبهَ بذلك الفتى المرتعد المتوارِي في البيت الزجاجي، يلفُّ كتفيه.
رؤيته على هذه الحال جعلت ذهني يبرد.
لقد كان خطئي، وذنبي.
قبلته بحجة أنني منفعلة، وشعرت بالوحدة والصعوبة.
لأنني أردت العزاء في نظراته الحنونة، وصوته الناعم، ولمسات يديه الدافئة.
أنا حقًا أنانية. إنني أستغل مشاعره.
تبددت المشاعر المتأججة وعادت برودة المنطق.
ابتسمت ابتسامة مؤدبة.
“بالتأكيد. طبعًا، الآنسة فريزيا جميلة كملاك. ليس في مظهرها فقط، بل وفي قلبها أيضًا.”
تدفقت الكلمات من فمي بانسيابية، كما لو أن أحدًا ما كان يلقِّنني السطور.
“هي قادرة على تضميد أي جرح ستعرف يا سمو الدوق الحب الحقيقي.”
“كفى، إيريكا!”
غطت يد كارليكس الكبيرة وجهي.
تجسَّدت صورتي في عينيه كالنجمة.
“لماذا تنظرين بتلك العينين؟”
“أرجوك أتركني. لا أفهم ما تقوله.”
“لماذا تتحدثين هكذا، بينما ترسمين على وجهك تعبيرًا معذَّبًا إلى هذا الحد؟”
“لقد أخطأت الرؤية. الشمس كانت حارقة فحسب.”
نفضت يده بقسوة، وقفت وتراجعت خطوة.
“إيريكا، أنا…”
وفي اللحظة التي حاول فيها الإمساك بي مرة أخرى، ظهر قائد فرسان الظل، النقيب لويد.
ركع على عجل أمام كارليكس .
“اعذرني، سمو الدوق. أعلم أنك منعت الدخول إلى هنا، لكن الأمر طارئ…”
تصلَّب تعبير وجه لويد الذي لاحظ الجو الغريب.
“عذرًا، سأقدم التقرير لاحقًا…”
“أنا من يجب أن يعتذر لإزعاجك أثناء عملك سأنسحب الآن.”
قبل أن يتمكن من الإمساك بي، التقطت طرف ثوبي وهربت في ذعر.
علق الفستان بسياج الورد وتعثَّرت بسبب كعوب حذائي، لكنني لم أتوقف.
تقدمتُ للأمام دون أن أنظر للخلف.
لأن هذا ما يجب أن أفعله.
دخلت بهو قصر الدوق، وأخذت أنفاسي المتقطعة.
رتبت ملابسي المضطربة ومشطت شعري المبعثر.
حينها فقط أدركت أن وردة حمراء كانت لا تزال متفتحة على أذني.
رائحة الورد الساحرة الشبيهة به، علقت بي بعناد.
قال كارليكس أن أحذر الأشواك، لكنني كنت قد جُرحت بالفعل.
ومع ذلك، لم أقع في الحب.
نزعت وردة الورد ووضعتها في المزهرية على المنضدة الجانبية.
كانت مزهرية مليئة بوردات حديثة القطف من حديقة الورد.
المكان الأمثل لإخفاء مشاعر الحب العابرة الحمراء.
مشاعر حُب حلوة كرائحة الورد.
قلبٌ أشبه برعمٍ على وشك التفتح.
ذلك الشيء الذي يشبه الزهرة المتفتحة والذابلة، لم يكن حصتي منذ البداية.
***
“أخي لن يتناول العشاء معنا مرة أخرى.”
في تلك الليلة، لم يحضر كارليكس العشاء.
وفقًا لرئيس الخدم، ذهب إلى القصر لبعض الأمور العاجلة.
“هذا سيء. إذا استمر في العمل بإفراط دون راحة، فلن يكون ذلك جيدًا لصحته.”
تنهد مايكل وهو يطعن طبقَه أمامه بالشوكة فقط.
هل فقد شهيته لأن أخاه لم يكن معه؟ شعرت بالإعجاب والشفقة تجاه مشاعر مايكل تجاه كارليكس.
“سنتمكن جميعًا من تناول الفطور معًا غدًا، سيد مايكل، من فضلك تناول بعضًا من هذا اللحم. إنه لذيذ.”
حاولت أن أبدو مبتهجة لأزيل كآبة مايكل، ووضعت بعض اللحم في طبقِه.
“بالمناسبة، هل أخبرتك عن كيف اكتشف صاحب السمو ولي العهد مخبئي في المكتبة؟”
“حقًا؟ هل جاء سموه إلى المكتبة؟”
نصَب مايكل أذنيه.
“نعم، لقد صار يأتي كل يوم ليأخذ قيلولة في مخبئي ويعقد حفلات الشاي هناك مما تسبب لي في مشكلة.”
“أوه، لا! لابد أن ذلك كان صعبًا عليكِ يا أختي.”
“لم أستطع الاستسلام لاستبداده، لذلك خططت لمحاولة اغتيال بإلقاء كتب ثقيلة عليه. فحتى الدودة تتحرك إذا دُست عليها، هيهيهي.”
أطلقت ابتسامة شريرة وومضتُ بعينيّ.
“آه! أختي، هذا… لكنه سمو ولي العهد مع ذلك.”
اتسعت عينا مايكل المندهشتان كعيني أرنبٍ وأغطى فمه.
يا إلهي، كم هو ظريف!
“بفضل فشل محاولة الاغتيال، ها أنا ذا أتناول العشاء معك يا سيد مايكل. الآن، من فضلك كل.”
ابتسمت بلطف وأخذت أهتم بتناول مايكل لطعامه.
أما طعامي أنا، فلم يمرّ بسلاسة.
بالكاد استطعت بلع بعض الشوربة وبضع قطع من الخبز.
***
بعد العشاء، دخلت إلى غرفتي بحجة قراءة كتاب.
وحدي في الغرفة الفارغة، انقضَّت عليَّ همومي الواقعية التي كنت قد نسيتها كالعاصفة.
مرت عدة أيام منذ ظهور الوحوش في ميدان السباق.
بحلول الآن، لابد أن الشائعات قد انتشرت في العاصمة وغطَّت الناس بالرعب والارتباك.
كنت أشعر بالفضول والقلق بشأن كيفية تهدئة ولي العهد لودفينغ لمشاعر الناس.
هل اكتشف المدير ويليام سبب ظهور الوحوش؟
مع أنني هنا في قصر الدوق بحجة الراحة، لكن لأن لا أحد يخبرني بما يحدث في الخارج، شعرت بالضيق.
لم أرَ فرسان الظل سوى لويد الذي قابلته ذلك اليوم، وظلّ خدم قصر الدوق صامتين بشأن الأحداث الخارجية.
حتى مايكل الصغير، الذي لابد أن رؤيته للوحوش تركت لديه صدمة، بدا بخير لدرجة أدهشتني.
بل كان يبتسم بمشرقٍ حتى أنني شككتُ للحظة هل كان ظهور الوحوش مجرد حلم.
كان الأمر أكثر وضوحًا بسبب كارليكس.
من الواضح أنه كان يتعامل مع ما يتعلق بالوحوش، لكنه لم يقل لي شيئًا.
لكن، ما هو ذلك الشعور بالغرابة الذي ينتابني من نظراته لي؟
كانت الحياة في قصر الدوق سلمية للغاية لدرجة أنني شعرت بانفصال غريب.
لماذا أشعر وكأن شخصًا ما يحاول بشدة أن يغطي عينيّ؟
أشعر كعصفور في قفص آمن.
لكنهم لن يعلموا.
هناك شيء لن يجدي أي نفعٍ مهما حاولوا تغطية عينيّ عنه.
لأنني حين أكون وحدي، تطفو تلك النظرات دائمًا بوضوحٍ في ذهني.
أنفاسٌ متقطعة، وئيناتٌ وحشية تخرج من بين أسنان حادة.
عينا الوحش الصفراوتان تتلألآن في الظلام.
شعرتُ كما لو أن وحشًا حقيقيًا كان أمامي، لدرجة أنني لا أعرف كم مرة كظمت صرختي.
أمسكتُ بالسكين الذي اعتدت وضعه بجانب سريري.
كان سكينًا حصلت عليه بعد وقت قصير من وصولي إلى قصر الدوق، بعد أن طلبت من الفارس غيلبرت.
كنت بحاجة إليه كأداة للدفاع عن النفس في حالات الطوارئ.
عندما أعطاني غيلبرت السكين، علمني بعض الحركات الأساسية.
والمثير للدهشة، أنني تعلمتها بعد مشاهدتها بضع مرات فقط.
أعجب غيلبرت وقال إن لدي موهبة، لكنني في الحقيقة شعرت بالخوف.
لقد لاحظت مؤخرًا بوضوح أن قدرات إيريكا الجسدية قد ازدادت.
خفة الحركة، والتحمل، والقوة.
في الأصل، كانت إيريكا ضعيفة البنية منذ الولادة.
عندما استحوذت على جسدها لأول مرة، كنت ألهث حتى تصل الأنفاس إلى ذقني بمجرد أن أركض قليلًا.
لكن الآن، أشعر كما لو أن قدرات جسدي بأكملها قد تطورت.
كحيوانٍ بلغ قمة السلسلة الغذائية.
حتى أثناء النوم، أستطيع تمييز أقل حركة، وصوت حشرة، وهمسة الريح، ورائحة الزهور من بعيد خلف الحديقة.
حتى الآن، بمجرد سماع خطوات الخدم خارج الباب، أستطيع تمييز من هم.
لأكبت القلق المتصاعد من الأعماق، بددتُ يدي على السكين.
لأن لمس النصل البارد الذي يقشعر له الأبدان كان يجعل ذهني صافيًا.
بينما كنت ألمس النصل كعادتي، جرحت طرف إصبعي قليلًا.
“أوتش.”
تكوَّنت قطرة دم مع خدش رفيع على طرف إصبعي.
بينما كنت أمسح الدم دون تفكير.
“ماذا… ما هذا…؟”
كان أثر الجرح على النصل يتلاشى تدريجيًا.
جسدي… ماذا حدث لي؟
في تلك اللحظة، شعرت باضطراب طفيف عند باب الدخول البعيد جدًا عن قصر الدوق.
رفعت الستارة قليلًا ونظرت خارج النافذة.
رأيت ضوء حرس بوابة الدخول في مكان بعيد عن حديقة الورد.
فُتح الباب الحديدي الضخم مع صوتٍ ثقيل.
من بين الباب المفتوح، دخل حصان بسرعة عالية.
من الآداب بعد اجتياز الباب الرئيسي النزول من الحصان أو تخفيف السرعة، لكن الراكب لم يبطئ.
“هل هذا…”
على الرغم من المسافة، رأيته بوضوح للحظة قصيرة.
كان المدير “ويليام” مرتديًا رداءً بنيًا.
زيارة ويليام في منتصف الليل دون إشعار مسبق، هل حدثت مشكلة كبيرة؟
أسرعت وارتديت زي أمينة المكتبة وربطت شعري على شكل ذيل حصان، واستعديت للخروج.
بينما كنت على وشك الخروج من الباب، سمعت صوت طرق قبلي.
“الآنسة إيريكا، أعتذر لإزعاجك أثناء راحتك.”
كان صوت غيلبرت المتوتر.
عندما فتحت الباب على الفور، نظر إليّ غيلبرت بوجهٍ مذهول.
“آه، آنسه إيريكا. متى أنهيتِ استعداداتكِ؟”
“لقد رأيت المدير يأتي على الحصان لقد وصل، أليس كذلك؟”
“آه، نعم. هذا صحيح. لكن…”
تردد غيلبرت للحظة، ثم شدَّ على فكِّه.
تغيرت عيناه الشبيهتان بعيني شابٍ ساذج إلى عيني فارسٍ متمرّسٍ ذي حواسٍ حادة.
“المسافة من قصر الدوق إلى باب الدخول بعيدة، كيف استطعتِ رؤيته؟ حتى أنا الذي أرى جيدًا، وجدت صعوبة في التمييز.”
يا للهول، لقد أفرطت في الاسترخاء.
كان يجب أن أدعي الجهل.
ماذا لو اشتبه بي؟
تدفَّق عرق بارد على ظهري.
بينما كنت أفكر في كيفية التعامل مع الموقف…
“حقًا، الآنسة إيريكا، أنتِ تشبهين سيدة الحرب مذهلة! “
قال غيلبرت بإعجابٍ طفولي.
ماذا؟ سيدة الحرب؟
“سمو الدوق والمدير في انتظاركِ. سأصطحبكِ.”
قبل أن أقول أي شيء آخر، سبقني غيلبرت وذهب.
حينها فقط فهمت معنى ما كان الفارس لويد يقولَه دائمًا بتأفف: “ذلك الصبي غيلبرت، حواسه حيوانية لكنه يفتقر إلى الحدس”.
***
عندما فتحت الباب، كان الجزء الداخلي من غرفة الاستقبال مظلمًا، وكانت نار الموقد الضوء الوحيد.
كان كارليكس و ويليام واقفين متكئين على حائط الموقد يتحدثان بصوت منخفض.
بدت تعابير وجهيهما التي تضيئها نار الموقد ثقيلة وخطيرة.
لاحظت أن حذاء ويليام وسراويله متسخان بالطين.
أين ذهب في منتصف الليل ليعود بهذا الطين على ملابسه؟
عندما دخلت، التفت كلاهما في وقت واحد.
اعتذر ويليام لي بندم.
“أمينة المكتبة إيريكا، هل أنتِ بخير؟ أولاً، أعتذر لإزعاجك أثناء راحتك. الوضع طارئ للغاية.”
“لا بأس، سيدي المدير. هل حدث شيء ما؟”
شعرت بنظرة كارليكس، لكنني تجنبت النظر إلى عينيه وسألت بهدوء.
تعمقت تجاعيد جبين ويليام.
“سُرق أحد الكتب الخمسة العظيمة للسحر من أرشيف القصر الملكي الصيفي إنه كتاب <إغنيس>، الحامل لقوة النور.”
في اللحظة التي سمعت فيها ذلك، شعرت وكأن قلبي سقط فجأة.
سمعت أنه إذا جُمعت الكتب الخمسة السحرية معًا لتشكيل دائرة سحرية، فإنها ستطلق قوة تدميرية هائلة قادرة على تدمير دولة.
“متى تمامًا، ومن… سرقه؟”
ارتعش صوتي باستمرار بينما كنت أسأل.
أومأ ويليام برأسه بتعبير حزين.
“نشتبه أنه تمت سرقته خلال ظهور الوحوش في مباراة الفروسية.”
“…ماذا؟”
ماذا سمعت للتو؟
شعرت وكأن قطع الألغاز المفقودة بدأت تتجمع معًا واحدًا تلو الآخر.
أطلق ويليام تنهيدة عميقة وأخرج من جيبه بوصلة الكتب.
“ليس لدينا وقت للشرح الطويل من فضلك ابحثي عن الكتاب السحري أولاً.”
كانت بوصلة الكتب الذي ألمسه بعد فترة طويلة.
أخذته بيدي المرتعشتة.
لأرخي حلقي الجاف من التوتر، سعلت سعلة جافة، ثم نطقت اسم الكتاب.
“<كتاب إغنيس>.”
دخل ضوء في البوصلة، ودارت الإبرة دورة كاملة ثم توقفت.
المعنى كان واضحًا.
لقد دمر شخص ما جهاز تتبع السحر مرة أخرى.
“توقعت حدوث هذا. لقد مضى يوم على السرقة.”
كان صوت ويليام هادئًا كالمعتاد، لكن وجهه كان غارقًا في إحساس عميق بالهزيمة.
أمسك كارليكس أيضًا بمقبض سيفه بقوة حتى كاد يسحقه.
وأنا أنظر إلى تعابير وجهيهما المضطربتين بشدة، أدركت.
الوحوش التي ظهرت في ساحة السباق ذلك اليوم لم تكن صدفة.
كل شيء كان مجرد لعبة محكَمة.
نحن مجرد قطعٍ نلعب بحياتنا على رقعة تلك اللعبة.
إذاً من هو صاحب اللعبة؟
“ألا تتساءلين عن مكان الكتاب السحري المفقود؟”
لماذا يتبادر إلى ذهني الآن ذلك المجنون ذو الوجه الجميل؟
صرخت في داخلي وأنا أصر على أسناني.
أيها الدوق فرانز، هل هذا من صنعك أيضًا؟
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 54"