“لحسن الحظ أننا أرضينا ذوقكِ المميز في الطعام. لقد طلبتُ تحضير الطعام بوفرة. أرجو أن تستمتعي به يا إيريكا.”
رفع كارليكس كأسه نحوَي مبتسمًا.
أحيانًا يمدح هذا الشخص بطريقة ملتوية، أليس كذلك؟
هل يريدني أن أظهر صفات آكلة الطعام الحقيقية؟
ابتسمتُ ورفعتُ كأسي مستجيبة للتحية.
“هاها، أشكرك على رعايتك يا صاحب السمو سأتناول بلا حدود اليوم.”
وضع مايكل شوكته للحظة وابتسم بخجل.
“لم أتناول العشاء مع الجميع هكذا منذ وقت طويل جدًا أيضًا. بينما كان أخي في ساحات المعارك، كنتُ أتناول الطعام بمفردي دائمًا.”
قال مايكل ذلك وكأنه أمر عادي، لكن مضمونه لم يكن عاديًا على الإطلاق.
شعرتُ بالشفقة على كتفيه الصغيرين.
تخيلتُه يتناول الطعام وحيدًا على هذه الطاولة الواسعة بينما كان كارليكس في ساحات المعارك أو في القصر الملكي، فألمَّ قلبي.
“طالما أنا هنا، سأتناول الوجبات الثلاث يوميًا معك يا سيد مايكل.”
“حقًا؟ هذا رائع! سأطلب منهم تحضير الكثير من الأطعمة التي تحبينها.”
أومأتُ برأسي وابتسمتُ مبتسمة عريضة.
استمر الجو الدافئ والودي بعد ذلك.
وبعد أن أنهينا الحلوى، بدا أن الوقت حان للانتهاء.
كان الجميع يبدون سعداء ومرتاحين.
لكن مايكل تعلَّق بذراعي مُعبِّرًا عن أسفه.
“أختي إيريكا، هل تريدين الذهاب لرؤية الكتب؟ لدينا الكثير جدًا في المكتبة.”
وبخ كارليكس أخاه برفق:
“مايكل، على الآنسة دييل أن ترتاح. لا يجب أن تُزعجها.”
ماذا؟ ماذا يقول هذا الرجل؟ لا يمكن أن أمرُّ بمطحنة دون توقف.
“إذا كانت مكتبة، فأنا مهتمة أيضًا هل يمكنني إلقاء نظرة؟”
“هل أنتِ متأكدة؟ قلتِ أن كاحلكِ يؤلمك.”
“إذا ساعدني الفارس غيلبرت، يمكنني التحرك.”
بمجرد أن انتهيتُ من كلامي، أمسك غيلبرت ذراعي بسرعة وسندني. نظر كارليكس إلى جيلبرت بنظرة قاسية وهو يعبس بشدة.
دفع كارليكس يد جيلبرت بعيدًا بلا رحمة وأمسك بذراعي.
“سأرافق الآنسة بنفسي فهي مُنعِمَةُ عائلة راينهارت.”
“أفضلُ أن أمشي على قدمي…”
“هل لديكِ اعتراض، آنسة دييل؟”
يا إلهي، سيخرج الليزر من عينيه.
كيف يمكنني أن أعترض على كلام نبيل؟
أحاط كارليكس بخصري بذراع واحدة ورفعني بسهولة.
“ماذا، ماذا تفعل؟”
ارتفع جسدي في الهواء فجأة.
لماذا تقوم أنت أيضًا بحمل الأميرة هكذا!
لقد اعتدتُ على الأمر نوعًا ما مع غيلبرت، لكن عندما حملني كارليكس، شعرتُ بالخجل لدرجة أنني أردتُ القفز من أحضانه.
“أنا بخير حقًا. أنزلني، من فضلك.”
احتججتُ بحزم، لكن كارليكس لم يعر أي اهتمام.
في وسط هذا الموقف المُحرج، أضاف مايكل مبتسمًا ببراءة:
“أخي قوي جدًا، أليس كذلك، أختي؟”
حتى غيلبرت جعل عينيه تتلألأان.
بل وأرسل نظرة تشجيع حماسية.
“إذاً، دعيني أرشدكِ إلى المكتبة.”
صوت كارليكس العميق والمنخفض سمعته أمام وجهي مباشرة، فالتفتُ بسرعة.
***
بعد ممر طويل، وصلنا أمام باب منقوش بنقوش كلاسيكية.
أنزلني على الأرض بحذر.
فتح الخادم الذي كان يحرس المكان الباب منحنياً.
“هل هذه هي المكتبة؟ إنها بمستوى مكتبة صغيرة.”
انطلقت كلمات الإعجاب من فمي دون قصد عند دخولي الغرفة.
مكتبة كنتُ أحلم بها في خيالي فقط، ها هي أمام عيني.
رفوف كتب ضخمة تحيط بالغرفة الكبيرة، مليئة بآلاف الكتب المتلاصقة.
بدا أن العناية بها كانت ممتازة، فبالرغم من العدد الهائل، لم تكن هناك رائحة الكتب القديمة المعتادة.
بل على العكس، كان هناك عبق منعش كأننا في غابة.
خلف النوافذ الطويلة، كانت مناظر الحديقة الليلية معلقة كاللوحات.
في وسط المكتبة، كانت هناك طاولة دائرية وكراسي بذراعين وأريكة مريحة.
بينما كنتُ أتجول في المكتبة وأنا أعرج على قدمٍ واحدة، اقترب مني كارليكس في صمت ومدَّ ذراعه.
ولأن طبيعتي لا ترفض، أمسكتُ بذراعه الصلب سريعًا واستندتُ عليه كعكاز.
“خذني إلى ذلك الرف من الكتب، من فضلك.”
علقت ابتسامة خفيفة على زاوية فم كارليكس.
“استخدام جسدي كعكاز… في روبيريا، أنتِ الوحيدة التي تفعلين ذلك.”
اقترب مايكل مسرعًا وناولني كتابًا سميكًا.
“أختي، هذا الكتاب الذي أقرأه هذه الأيام، هل تريدين رؤيته؟ إنه ممتع.”
همم، “مقدمة في سياسة مملكة روبيريا”.
مجرد قراءة العنوان يمكن أن يجلب نوماً عميقًا.
ابتسمتُ إبتسامة مُحرجة.
“أنا أفضل كتب القصص الخيالية. فهي تريح قلبي وتساعدني على النوم.”
“حقًا؟ لدي كتاب قصص خيالية كنت أقرأه كثيرًا عندما كنت صغيرًا. سأجلبُه.”
عندما ركض مايكل إلى رف الكتب في الزاوية، التفتت نظرة كارليكس، التي كانت تراقب ظهره، نحوي.
“مايكل سعيد جدًا. هذه هي المرة الأولى التي يأتي فيها ضيف إلى المكتبة.”
“إذا دعا أصدقاءً في مثل سنه، فسيكون سعيدًا.”
عبس كارليكس وكأنه لا يحب الفكرة.
“أكره أن يتعرض للقيل والقال غير المجدي في التجمعات الاجتماعية عالم النبلاء هو عالم البقاء للأقوى على أي حال من يرتدون قناع الصداقة يمكن أن يصبحوا أعداء في أي وقت لا أريد أن أري مايكل البريء ذلك العالم مبكرًا.”
لكن هذا لا يزال يجعل مايكل يُشفَق عليه.
إنه في سنٍ يلتقي فيه بالأصدقاء ويلعب.
“إذا سمح لي سمو الدوق هل يمكنني أن أكون رفيقة حديث لسيد مايكل؟”
تغيرت نظرة كارليكس التي كانت تحدق بي إلى نظرة لطيفة.
مسَّدَ يدي المتعلقة بذراعه بحذر.
كانت لمساته دافئة جدًا لدرجة أنني شعرتُ كأن فراشات تحلق في بطني وتدغدغني.
“سمو الدوق…؟”
“أشكرُكِ على حُسن نيتك الدافئة تجاه مايكل سيبقى قصر الدوق مفتوحًا لكِ دائمًا، فلا تقلقي.”
همم، يبدو أنه يمسك يدي لفترة أطول من اللازم، والتواصل البصري مُربك أيضًا.
“أختي، وجدتُ كتاب القصص الخيالية! اقرئيه لي!”
توقيت ممتاز، سيدي الصغير.
سأقرأ لك حتى مائة كتاب قصص خيالية حتى أُجهد صوتي.
جلستُ بجانب مايكل على الأريكة وقرأت له كتاب القصص.
انغمستُ في القراءة بأصوات مختلفة للشخصيات، مبذلةً كل طاقاتي التمثيلية.
كان مايكل يضحك بشدة أو تتلمع عيناه بالدموع تأثرًا، متفاعلاً مع القصة.
توك.
في حوالي الكتاب السادس، استند رأسه الصغير برفق على كتفي.
سمعتُ أنفاسه المنتظمة، فبدا أنه قد غفا.
“مايكل كان متعبًا جدًا أيضًا لقد ظل ينتظر استيقاظك لابد أنه ذُهل هو نفسه كثيرًا.”
عندما رن كارليكس جرسًا صغيرًا، دخل رئيس الخدم وخادم.
حمل الخادم مايكل وخرج أولاً، بينما انحنى رئيس الخدم للدوق بوجهٍ قلق.
“يجب أن تذهب للنوم الآن أيضًا، سيدي. لقد أجهدت نفسك كثيرًا.”
“ما زلتُ بخير صموئيل، أعدَّ لي بعض الشاي، من فضلك.”
“حاضر. سأحضرهُ قريبًا.”
بعد فترة، عاد رئيس الخدم بصينية فضية تحمل كأسين من الشاي يتصاعد منهما البخار.
انغمرتُ في الأريكة، وأنا أرتشف الشاي الساخن، وألقي نظرات خاطفة على كارليكس المقابل لي.
كان قميصه الأبيض مفتوحًا ليظهر عظمة الترقوة وعضلات صدره.
وهيئته وهو يمرر يده في شعره الأشعث وينقلب صفحات الكتاب بنظرة كسولة، جعلته يبدو كعارض إعلانات قهوة.
هذا هو حقًا تنعم العين ورفاهيتها.
كنتُ أبتسم ابتسامة راضية وأتظاهر بمطالعة كتاب بينما أتأمل كارليكس بلا حدود…
التعليقات لهذا الفصل " 50"