بينما كنتُ أتحرر من قبضة الفرسان، صرختُ بكل ما أوتيتُ من قوة.
توقف كارليكس، الذي كان على وشك الاندفاع حاملاً سيفه مجدداً، والتفتَ نحوي.
لا يمكنني استخدامه كدرعٍ مرة أخرى.
لن أدعه يواجه الوحوش وحده بعد الآن.
“ما هي خطتك؟”
كانت نظراته المتجهة نحوي تنضح بإيمانٍ راسخ.
عندها فقط أدركتُ: لطالما استمع كارليكس لآرائي وأفكاري بجدية وانتباه.
“أعيروني خنجراً، من فضلكم.”
بدون أن يسأل عن السبب، أمر كارليكس أحد الفرسان المجاورين بإحضار خنجر.
ما إن تسلَّمتُ الخنجر، حتى شرعتُ بسرعة في تمزيق ذيل تنورتي إلى شرائط طويلة.
تقدَّم كارليكس بغريزة ليحجبني عن الأنظار، بينما تجنَّب الرجال النظر إلينا بإحراج.
حتى ولي العهد الماجن التفتَ بوجهه، وهذا ما أدهشني.
“إيريكا، ماذا تفعلين؟”
سألني كارليكس بنبرةٍ مليئة بالاندهاش، لكن لم يكن لديَّ متسع من الوقت للاهتمام برد فعله.
قمتُ بتمزيق أطراف التنورة إلى شرائط طويلة ورفيعة، ثم لففتُها وربطتُها حول رأس السهم.
أخرجتُ طبق الزيت من مصباح الفانوس المعلَّق على الخيمة، ثم غمسْتُ رأس السهم جيداً في الزيت.
“آنسه إيريكا، هل تخططين للهجوم بالنار؟”
كان لودفينغ سريع البديهة، فتساءل على الفور.
“أجل. الذئاب الضارية تكره النار سأقوم بإطلاق سهمٍ ناري لصرف انتباه الوحش، في حين يتولى صاحب السمو الدوق والحرس الهجوم سأنتهز تلك الفرصة لنشر درعٍ واقٍ لحماية الناس.”
“إنها خطةٌ خطيرة! هل تريدون أن نخاطر بحياتنا بناءً على كلام تلك الفتاة فقط؟ علينا إخلاء سمو ولي العهد فوراً!”
اعترض الكونت لورانس بعنف وهو يلوِّح بذراعيه. وانضمَّ إليه النبلاء الآخرون برفع أصواتهم المعترضة.
تجاهلتُ ضجيجهم وركَّزتُ في مهمة صنع السهام النارية.
نظر إليَّ لودفينغ للحظة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ مريرة.
“سيكون الهروب بعد رؤية هذه الشجاعة عاراً. الدوق راينهارت، تَابع الخطة كما اقترحت الآنسة إيريكا إن إنقاذهم هو أولويتنا الآن!”
صاح الكونت لورانس والنبلاء مرتاعين وبصوتٍ واحد:
“سموك!”
“أرفض أن أصبح أميراً جباناً يهرب تاركاً شعبه، هذا أسوأ من الموت لي. أسرعوا وأمسكوا سيوفكم.”
أمسك لودفينغ سيفه بقوة.
بقيادة ولي العهد، تبادل النبلاء النظرات ثم أخرجوا سيوفهم بوجهٍ عازم.
تقدَّم الكونت لورانس للمقدمة وأومأ برأسه بثقل.
“سأنفذ رغبة سموك. سأحميك حتى النهاية.”
ما إن رفع الكونت لورلنس سيفه، حتى رفع النبلاء المسنين ذوو الشعر الأشيب سيوفهم في وقتٍ واحد.
كانت هذه الروح العظيمة تناسب قدامى المحاربين الذين دافعوا عن روبيريا طوال سنوات عديدة.
ابتسم لودفيغ مبتسامة راضية.
“يبدو أنني سأشهد مهارة سيد لورانس بعد مدة طويلة، لا تبالغ، يجب أن تأخذ عمرك في الحسبان.”
حوَّل لودفينغ نظره نحوي.
“آنسه إيريكا، هل أنتِ مستعدة؟”
“نعم. سأبدأ الآن.”
تقدَّمتُ إلى الأمام بعد إشعال رأس السهم المغمس بالزيت.
كان لهب النار على رأس السهم حاراً، لكنه كان محتملاً.
اقترب كارليكس مني.
كان يحدِّق في الذئب الضاري المتواجد في الأمام بنظرة باردة.
“سأحميكِ حتى لا يقترب أي وحشٍ منكِ. لا تقلقي، وركِّزي في إطلاق السهم.”
“اعتقدتُ أنك ستعترض.”
لطالما كان يغضب ويطلب مني الحذر، لذا بدا من الغريب أنه وافق على رأيي بسهولة.
تلك العينان الصافيتان الموجَّهتان نحوي كانتا تفيضان بالولاء والثقة.
“لأنني أثق في حكمك وشجاعتك.”
بددت كلماته خوفي وترددي.
أصبحت ذراعاي اللذان كانا ثقيلين كالصخر خفيفين.
“لنحرص على ألا أصيبك بالخطأ.”
انطلقتُ للأمام وأنا أُصوِّب السهم الناري.
ليس هناك وقت للتردد أو الخوف.
يجب أن أنقذ مايكل والناس.
ظهر الوحش في الأمام وهو يهدد الناس ويحاول الانقضاض عليهم.
سحبتُ وتر القوس بقوة حتى أذني ثم أطلقته دفعة واحدة.
انطلقَ كتلةُ النار بسرعة مضيئة.
فج!
كوااااك!
أصاب السهم الناري ظهر الذئب الضاري بدقة.
ترنَّح الوحش الذي تحول إلى كتلة نارية ثم سقط وهو يتحول إلى كومة سوداء.
أسرعتُ إلى نيران المخيم القريبة وأشعلت سهاماً أخرى، ثم أطلقتها على الأهداف التالية واحدة تلو الأخرى.
أصاب الهجوم المفاجئ الوحوش بالارتباك فأطلقت عويلاً.
كلما اخترق سيف كارليكس الظلام، سقطت الوحوش كأوراق الخريف.
عند رؤية ذلك، أطلقت الذئاب الضارية عويلاً غاضباً وانقضَّت.
تصدَّى كارليكس للهجوم في المقدمة وتعاون مع فرسانه.
كان النبلاء يحمون ولي العهد لودفينغ وهم يحملون سيوفهم.
انتهزتُ فرصة توجُّه هجمات الوحوش نحوهم، واندفعتُ بكل قوة وأنا أمسك بصندوق المجوهرات.
عندما وصلتُ بالقرب من نيران المخيم الكبيرة، رأيتُ وجه مايكل الشاحب خلف الحشد.
مايكل، كل شيءٍ على ما يرام الآن.
سأنقذك…!
حاولتُ رمي صندوق المجوهرات بكل قوتي، ولكن ظلٌ أسود انقضَّ أمام عيني.
لم يكن لديَّ وقت لاستخراج سهم.
كان ذئبٌ ضاري ضخم يتجاوز طوله المترين يتطلع إليَّ وهو يكشف أنيابه الحادة.
تحدق فيَّ عينان محمرتان مليئتان بالشر.
اخترق أنفي رائحة الحيوان الكريهة المنبعثة من أنفاسه الخشنة.
بدت مخالب الوحش حادةً كفاية لتمزيق جسدي إرباً بضربة واحدة فقط.
كنتُ كحيوانٍ عاشب أعزل أمام مفترس، لا أستطيع الصراخ ولا الهروب.
حاولتُ على الأقل رمي صندوق المجوهرات، لكن الوحش كان يحجب طريقي، فاستحال ذلك.
على الرغم من أنني أنا من اقترحت الخطة، إلا أنها فشلت فشلاً ذريعاً.
هاها… الأمر مضحك لدرجة أنني أضحك بسخرية.
بدا الليل الأسود والنجوم المتلألئة خلف رأس الذئب الضاري متناقضين في سلامتهما.
ذئبٌ ضاري في ليلةٍ بلا بدرٍ مكتمل إنه أمرٌ غير واقعي
التعليقات لهذا الفصل " 46"