“فارسِي… كارليكس”.
همستُ بنَفسٍ حارٍ قُربَ أذُنِه.
تطايرَتِ الشرَّارَةُ مِن عَيْنَيْ كارليكس.
وَأعلَنَ أنينُهُ العميقُ وُصولَهُ إِلى حَدِّ التَّحمُّلِ الأقصى.
أَمسَكتُ بِوَجهِهِ الكَامِلِ بِيَدَيَّ.
لامَسَتْ حَرارَةٌ مُتَّقِدَةٌ خَدَّيْهِ اللَّذانِ كانَا كَتمثالَينِ بَارِدَين.
تَحرَّكَتْ رَموشُهُ الطَّويلةُ كَفَراشَةٍ ضائِعَة.
بَينَما كُنتُ أُحدِّقُ مُفتَتَنَةً بِتِلْكَ الحَرَكَة، جَذَبَتْنِي شَفَتانِ عَميقَتانِ ساحِرَتانِ تَحْتَ أَنفِهِ المُتَكَبِّر.
ملتُ نَحْوَهُ بِرأسي بُبطء.
بَدَأَتْ عَينا الكُوبالت الزَّرقاوانِ بِالارتِعاشِ بِشدَّة.
مُنذُ حُلُولِي في هذِهِ الجَسَدِ، وَأنا أُعاني مِنَ القَلَق.
إِذَا كُنتُ أَنَا قَدْ حَلَلْتُ مَحَلَّ إيريكا، فَمَاذا حَدَثَ لِـأَنَا الحَقيقِيَّةِ في العَالَمِ الوَاقِعِيّ؟ أَهذِهِ الجَسَدُ حَقًّا مِلكِي؟
رَغِبتُ في نِسيانِ الخَوفِ.
رَغِبتُ في الشُّعُورِ بِأَنَّنِي مَا زِلْتُ أَنَا، لَو لِثانِيَةٍ واحِدَة.
لِذلِكَ قَبَّلتُهُ.
ارتَجَفَ جَسَدُهُ كَأَنَّ صَعقَةً كَهربائيَّةً مَرَّتْ فيه عِندَ القُبلَةِ المُستَفِزَّة.
دَفعْتُ بِشَفَتَيَّ عَلَى شَفَتَيْهِ بِعُنفٍ، لَمْ أَتْرُكْ لَهُ فُرصَةً لِلرَّد.
وَضَغَطْتُ بِقُوَّةٍ عَلى يَدَيَّ اللَّتَينِ كُنتُ أَمسِكُ بِهِما وَجهَهُ.
لَمْ يَكُنْ هُناكَ أَيُّ مَهارَة.
كَطِفلٍ رَضيعٍ يَتَشَبَّثُ بِحَليبِ أُمِّهِ.
كَغَريقٍ يَتَخَبَّطُ في الماء.
فَقَطْ عِندَما اسْتَنشَقْتُ دِفءَهُ الحارَّ وَنَفَسَهُ اللَّاهِثَ أَدْرَكْتُ:
مَعَ ذلِكَ… أَنَا حَيّةٌ داخِلَ هذَا الجَسَدِ الغَريب… مَا زِلْتُ أَنَا.
ابتَعَدتُ عَنهُ بِبُطء. وأَطلَقتُ نَفَسي المَحبُوس.
تَناوَلَنا النَّفَسُ كَطِفلَينِ وُلِدا لِتَوِّهِما في العَالَم.
أَدرَكْتُ الآنَ لِماذا في الحِكاياتِ يَجِبُ أَن تُقَبِّلَ الأَميرَةُ مِنَ الأَميرِ لِيَزُولَ السِّحر.
“كارليكس! فَارسِي!”
صَدمَ صَوتُ وَلِيِّ العَهدِ الأَحمَقِ العالي، كَأَنَّهُ ثَمَلان يُزعِجُ الحَيَّ بأَسْرِه، مُؤخَّرَةَ رَأسِي.
تَجَمَّدَتِ الحَرارَةُ بَينِي وَبَينَ كارليكس فِي الحال.
تَحرَّكَ سِتارُ الخَيمَة، وَدَخَلَ وَلِيُّ العَهدِ المُتَهَوِّرُ وَهُوَ سَكْرانَ تَمامًا.
كُنتُ في غايَةِ الدَّهشَةِ لِدرَجَةِ أَنِّي رَفسْتُ كارليكس دافِعَةً إِيّاهُ وَقَفتُ مُسرِعَةً.
نَظَرَ كارليكس إِلى وَلِيِّ العَهدِ بِوَجْهٍ مَملُوءٍ بِالغَضَبِ وَالضَّجر.
حَتَّى لودفينغ في سُكْرِهِ استَطاعَ فَهمَ المَوْقِفِ بِسُرعَة.
“هِمم… أَوَقدْ أَفسَدْتُ عَلَيكُما وَقتًا مُمتِعًا؟”
“إِذا كُنتَ تَعرِفُ ذلِكَ فَيرْجُو مُغادَرَةِ الخَيمَة”.
قُلتُ أَنا وَكارليكس في نَفْسِ اللَّحْظَةِ عِندَما أَنهى وَلِيُّ العَهدِ جُملَتَهُ.
” كَلا. لَقَدْ ظَهَرْتَ في الوَقتِ المُناسِبِ جِدًّا”.
بَينَما أَختَلِسُ النَّظرَ إِلى الرَّجُلَين، حَرَّكتُ قَدَمَيَّ نَحوَ مَدخَلِ الخَيمَة.
لَمْ يَكُنْ وَلِيُّ العَهدِ الذي يَظهَرُ في غَيرِ مَوضِعِهِ أَبَدًا، مُرحَّبًا بِهِ قَطًّا كَما هُوَ الآن.
لَقَدْ أيقَظَني ذلِكَ كُلِّيًّا مِنَ السُّكْر.
بِما يَكفي لِأَعرِفَ كمْ كُنتُ مَجنُونَةً لِلتَّوّ.
اِنتَزَعتُ قُبلَةً مِنَ بَطَلِ الرِّوايَة!
“إِلى أَينَ تَذهَبينَ، أمينة المُكَتَبةُ إيريكا؟”
يا لَهُ مِن وَلِيِّ عَهدٍ فَطِنٍ في غَيرِ مَوضِعِهِ!
فَتَحتُ بَاسمَةً لَطيفَةً.
“لَقَدْ تَأَخَّرَ اللَّيلُ، يَجِبُ أَن أَعودَ إِلى مَسكَنِ المُكَتَبَةِ”.
بَعدَ أَن وَدَّعتُهُ بِسُرعَةٍ وهمَمتُ بِالفِرار، أَمسَكَتْ يَدٌ كَبيرَةٌ بِكَتِفي بِلُطفٍ وَلكِنْ بِقُوَّة.
“إيريكا، أَظُنُّ أَنَّ بَينَنا أَمرًا يَنتَظِرُ الِانتَهاء”.
” أَهكذا؟ أَنا لا أَعتَقِدُ ذلِكَ. عَلى كُلِّ حالٍ، أَنا مَشغولَةٌ الآن، فَإِلى…”.
يا صاحِبَ السُّمْو، لَقَدْ أَتَمَمتَ ما عَلَيكَ، فَلْنَتَفارَقْ بِهُدُوءٍ الآن.
بَينَما كانَ لودفينغ يُراقِبُ بِعَينَينِ غَائِبَتَينِ صِراعَ الأَعصابِ الخَفِيَّ بَيني وَبَينَ كارليكس، أَطلَقَ فَجأَةً صَوتًا: “آه…”.
” يا فَارسِي، هَذا فَظٌّ جِدًّا. أَن تَتَوارَدَ قُلُوبُكُما وَأَنا هُنا، كيفَ لَكَ بِهَذا؟”
وَضَعَ وَلِيُّ العَهدِ يَدَهُ عَلى وَجهِهِ كَأَنَّهُ بَطَلٌ مَأساوِيٌّ خانَتهُ حَبيبُتهُ.
ماذا؟ أَيُحتَمَلُ أَنَّ في الأَصْلِ نَوعًا أَدَبِيًّا خَفِيًّا لَمْ أَكُنْ أَعلَمُ بِهِ؟
نَظَرتُ بِشَكٍّ إِلى كارليكس وَلُودڤينغ بِالتَّناوُب.
أَطْبَقَ كارليكس جُفونَهُ وَزَفَرَ زَفْرَةً عَميقَةً كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ كَبْحَ جِماحِ الغَضَبِ المُتَفَجِّر.
أَمسَكَ بِكِتفَي وَلِيِّ العَهدِ بِكِلتَا يَدَيهِ بِعُنفٍ وَأَدارَهُ نَحوَ المَدخَل.
كَأَنَّهُ رَمَى بِكُلِّ احتِرامٍ لِمَقامِ وَلِيِّ العَهدِ إِلى الأَرض.
“لَقَدْ أَفرَطتَ في الشُّرب. اِذهَب إِلى قصرِ المَلكِ مَعَ حَرَسِ القَصرِ الآن”.
” لَا أُريدُ. أَتَعامَلُني كَأَني عَجُوزٌ في الغُرفَةِ الخَلفِيَّة؟ أَنا أَيضًا أُريدُ اللَّعِب”.
تَمايَلَ وَلِيُّ العَهد وَعانَقَ خَصرَ كارليكس.
كَبحَ كارليكس غَضَبَهُ وَلَمْ يَستَطِع دَفعَ وَلِيِّ العَهدِ المُتَمَلِّكِ بِصَوتٍ ثَقيل، فَمَسَحَ جَبينَهُ بِقُوَّة.
“لَكَ أَن تَتَوَقَّفَ قَبلَ أَن أَستَقيلَ”.
“إِذا استَقَلتَ أَنتَ، فَأَنا أَيضًا أَستَقيلُ مِن مَنصِبِ وَلِيِّ العَهد”.
أَلَيسَ عَلَيَّ أَن أَسُدَّ فَمَ وَلِيِّ العَهدِ الآن؟
كانَ بِوُضوحٍ أَنَّ كارليكس يُحَاوِلُ بِقُوَّةِ إِرادَتِهِ الخارِقَةِ أَن يَمتَنِعَ عَن ضَربِ لودفينغ.
نَظَرَ إِليهِ بِعَينَينِ تَفيضانِ ازدِراءً.
“أَهـو مَنصِبٌ يُمكِنُكَ التَّخلِّي عَنهِ كَما تَشاء؟ إِنَّ في عُرُوقِكَ يَجري الدَّمُ النَّبيلُ لِلمَمْلَكَة”.
أَمسَكَ لودفينغ بِطَرفِ ثَوبِ كارليكس كَأَنَّهُ يَتَشَبَّثُ بِهِ، وَزَفَرَ زَفْرَةً شاقَّة.
كَأَنَّهُ يُعاني مِن نَقصِ الأُكسِجينِ في المَاء.
” لَم أُولَدْ اِبنًا لِلعائِلَةِ المَلَكِيَّةِ بِمَحضِ إِرادَتي. هَل تَدرِي كم هِيَ مُؤلِمَةٌ مُعاناةُ حَملِ هَذا الثِّقل؟”
“لا أُرِيدُ المَعرفَة. ذلِكَ وَاجِبُكَ أَنْتَ وَحْدَكَ”.
عِندَما قالَ كارليكس ذلكَ بِبَردٍ قاسٍ، ارتَسمَتْ عَلى وَجهِ وَلِيِّ العَهدِ بِسمَةٌ مُرَّة.
“أَخِي الكَبيرُ ماتَ في النِّهايَةِ بِسَبَبِ العَرش. إِنَّهُ مَقعَدٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّماءِ بالفِعل فَقَدَ جَلالَةُ المَلكِ حَيويَّتَهُ مُنذُ زَمَنٍ بَعيد، وَأَصبَحَ كَشَجَرَةٍ عَتيقَةٍ تَتَحَلَّلُ تَحْتَ ثِقلِ ذلِكَ العَرش”.
كانَ صَوتُ لودفينغ خَشِنًا كَصَوتِ صَخرَةٍ تَتَحَطَّم.
“أَنا خائِفٌ مِنَ العَرش. إِنَّهُ مَقعَدٌ مَلعُون، إِذا جَلَستَ عَلَيهِ فَلَن تَقِفَ مِنهُ إِلّا بَعدَ مَوتِكَ. وتَحتَهُ تَنتَظِرُ ضِباعٌ تَترَبَّصُ لِتَقطَعَ حَبلَ وَريدِي عِندَما أَظهَرُ أَيَّ ضَعف”.
تَهَمَّهَ بِصَوتٍ خَفيف، كَصَخرَةٍ تَغُوصُ بِبُطءٍ إِلى قاعِ البَحر:
“أَنا حَقًّا… خائِفٌ مِن أَن أُصبِحَ مَلِكًا”.
تَحَطَّمَ قِناعُ وَلِيِّ العَهدِ وَسَقَطَ عَلَى الأَرض.
وَرداءَهُ وَقَفَ صَبِيٌّ جَريحٌ بِوَجْهٍ فارِغٍ، لَقَدْ نَسيَ حَتَّى البُكاء.
مُنذُ سَبعِ سَنَوات.
قِيلَ إِنَّ مَوجَةً مِنَ الوَحوشِ ظَهَرَت فَجأَةً في قاعَةِ احتِفالٍ في القَصرِ دُونَ سابِقِ إنذار، وَماتَ وَلِيُّ العَهدِ في تِلكَ الفَترَةِ وَالعِشراتُ مِنَ النُّبلاءِ فِي الحال.
لودفينغ وَحْدَهُ كانَ مِن لَمْ يَكنْ لَهُ حَقُّ الحُضُور، فَنَجا.
كانَ أَميرًا لَم يَكُنْ أَحَدٌ يَنتَظِرُ مِنهُ أَيَّ شَيء. كَشَجَرَةٍ غَيرِ نافِعَةٍ تَحمي الجَبَل، نَجا بِغَيرِ إِرادَتِهِ وَحافَظَ عَلى نَسَبِ العائِلَةِ المَلَكِيَّة.
كانَ عَلَيهِ أَن يَصعَدَ إِلى مَقعَدِ وَلِيِّ العَهدِ المُشَبَّعِ بِرائِحَةِ الدَّماء.
لَم يَفهَمْ أَحَدٌ أَلَمَهُ وَشُعورَهُ بِالذَّنب.
حَتَّى والِدُهُ المَلك، كانَ مُنْهَمِكًا في أَلَمِ فَقدِ اِبنِهِ البِكر، فَلَم يَستَطِعِ الِاهتِمامَ بِأَلَمِ لودفينغ.
وَقَفتُ بِهُدوءٍ أَمنَعُ مَدخَلَ الخَيمَة.
خِفتُ مِن أَن يَدخُلَ أَحَدٌ دُونَ قَصد، وَيُواجِهَ هَذا الشَّخصَ الهَشَّ عَلى وَشكِ الِانهِيار.
شَدَّ كارليكس فَكَّهُ وَصَكَّ بِشِدَّة.
بَرَقَتْ عَيناهُ بِالغَضَب.
“أَنتَ سَيِّدي، فَلأَقولَها مَرَّةً واحِدَةً فَقَط. اِسمَعِني جَيِّدًا”.
“كارليكس…”
“كَفَّ عَنِ التَّباكي بِدَعَة! اِجمَع نَفسَك! أَنتَ سَتُصبِحُ مَلِكي”.
أَمسَكَ بِكِتفَيِّ لودفينغ بِقُوَّةٍ وَحَمَلَقَ فيه، كَأَنَّهُ سَيَصطَدِمُ بِهِ بِجَبهَتِهِ.
“اِثبُتْ أَنَّكَ تَستَحِقُّ وَلائِي. لا تَظهَرْ ذلِكَ الضُّعْفَ أَمامِي”.
أَمسَكَ بِياقَةِ وَلِيِّ العَهدِ الَّذي كانَ يَغُوصُ في أَعماقِ الماء، وَسَحَبَهُ قَسْرًا إِلى السَّطح.
كَي لا يَضِلَّ مَلِكُهُ عَنِ الطَّريق.
ضَحِكَ لودفينغ ضَحِكَةً مَجُوفَة. نَظَرَت عَيناهُ اللَّتَانِ كانتا تَتَخَبَّطانِ في اليَأسِ بِإِعجابٍ إِلى فَارسِهِ العَظيم.
“لَيسَ لَدَيَّ تِلكَ الأَهْلِيَّة. فَأَنا جَبانٌ وَكَسول. بَل إِنَّكَ أَنتَ الأَولى بِهَذا المَكان. فَجَميعُ الشَّعبِ وَالفُرسانِ يُحِبُّونَك”.
“لودفينغ!”
اِنْهالَ تَحذيرٌ مَشمُولٌ بِالغَضَبِ كَالبَرق.
“لا تُلطِّخْ شَرَفَ عائلَتِنا!”
حَمَلَقَ كارليكس في وَلِيِّ العَهدِ بِعَينَينِ تَتَأَجَّجانِ بِلَونٍ أَزرَق.
“عائِلَةُ رَينهارت تَخْدُمُ مَمْلَكَةُ روبيريا مُنذُ قُرُون. كَما كانَ أَبي، سَأَسلُكُ أَنا أَيضًا ذلكَ الطَّريق. لِذلِكَ”.
جَذَبَ ياقَةَ لودفينغ إِليهِ أَقرَب.
التَقَت نَظَرَتانِ حارَّتانِ قَوِيَّتان.
“كُنْ مَلِكًا عَظيمًا. فَذلِكَ وَحدَهُ هُوَ الكَفّارَةُ الوَحيدَةُ الَّتي تَقدِرُ عَليها”.
عادَ الضَّوءُ تَدريجِيًّا إِلى عَينَي وَلِيِّ العَهدِ الزَّرقاوَينِ الشَّاحِبَتَين.
كارليكس وَحْدَهُ كانَ يَفهَمُ أَلَمَ وَلِيِّ العَهدِ وَيَأسَهُ وَحُزنَهُ كُلِّيًّا.
عَلى الأَميرِ غَيرِ النَّافِعِ أَن يَسْلُكَ دَرْبَ العَرشِ المُدَمَّى، وَعَلى الدُّوقِ الشَّابِّ أَن يُثبِتَ شَرَفَ عائلَتِهِ بِحَياتِهِ.
كانَ كِلاهُما يَسْلُكانِ دَربَ المِحَنِ نَفسَها، وَتِلكَ عَلاقَةً أَعمَقَ مِن عَلاقَةِ الحاكِمِ وَخادِمِهِ.
سادَ الصَّمتَ بَينَهُما.
هَبَّت رِيحٌ خَفيفَةٌ مِن خِلالِ ثَغرَةٍ في الخَيمَة، فَاهتَزَّت سُرُجُ الزَّيتِ المُعَلَّقَةِ عَلى الأَعمِدَة.
وَبِحَرَكَةِ أَضواءٍ المُتَمَوِّجَةِ تَمايَلَت ظِلالُ الرَّجُلَين.
“لِأَثبُتَ أَنِّي أَستَحِقُّ وَلاءَكَ… يَجِبُ أَن أُحاوِل. لَقَد أَفقتَ مِنَ السُّكْرِ بِسَبَبِكَ، يا كارليكس”.
اِرتَدَى لودفينغ قِناعَهُ الأَصليَّ بِبُطء.
عادَ إِلى وُجهِهِ المُفْعَمِ بِالعَبَثِيَّةِ كَأَنَّهُ يَكذِب.
ثُمَّ طَرَقَ عَلى كَتِفِ كارليكس بِسُهولَةٍ كَأَنَّهُ لَم يَحْدُثْ شَيء.
لَم يَقُل كارليكس شَيئًا، لَكِنَّهُ أَيضًا بَدَا أَنَّهُ استَردَّ هُدُوْءَهُ.
حَوَّلَ وَلِيُّ العَهدِ نَظَرَهُ نَحوي وَأَنَا أَقِفُ عَلى مَدخَلِ الخَيمَة، وَأَومَأَ بِرَأسِهِ بِاعتِذار.
“لَقَد ارتَكَبْتُ فَظاظَةً بِرَفْعِ صَوتي أَمامَ السَّيِّدَة”.
“لا بَأس. فَعادَةً ما يَتَقارَبُ النَّاسُ بِالسِّجالات. في المَرَّةِ القادِمَةِ الَّتي تَتشاجَرانِ فيها، قُولا لي لِأُخلِّيَ المَكان. فَقَد كُنتُ في مَوضِعٍ غَيرِ مُريح”.
ضَحِكَ لودفينغ ضَحِكَةً مَرِحَةً عِندَما سَمِعَ كَلَامي.
“هَيه، سَأَتَذَكَّرُ ذلِكَ”.
مَرَّ وَلِيُّ العَهدِ بِجانِبي وهمَّ بِدَفعِ السِّتار، ثُمَّ تَوَقَّفَ وَاستَدَار.
“مَعَ ذلِكَ، يَجِبُ أَن أُؤَكِّدَ عَلى هَذا”.
“ماذا؟”
“أَنا وَلِيُّ عَهدٍ طَمَّاع. فَارسِي غالٍ عَلَيَّ…”
نَظَرَ لودفينغ إِلى كارليكس لَحْظَةً، ثُمَّ حَوَّلَ نَظَرَهُ إِلَيَّ حالاً.
“…وَلَكِنَّني أُريدُ أَمِينَتي أَيضًا أَن تَكونَ بِجانِبي”.
بَرقَتْ عَينا لودفينغ الزَّرقاوانِ بِالحَياةِ مَرَّةً أُخرى.
لَقَد كُنتُ قَلِقَةً طِيلَةَ الوَقتِ، وأَخيرًا اِطمَأَنَّ قَلْبِي.
لَمْ يَكُنْ أَمْرًا سَهلاً.
فَهَذا وَلِيُّ العَهدِ يَتَطَلَّبُ العِنَايَةَ الفائِقَة.
“ماذا يَجِبُ أَن أَفعَلَ مِنَ الآن؟ هَل ستُرشِدينَني إِلى الطَّريقِ؟ بِصِفَتِك قارئة الكُتب”.
كانَت نَبرَةُ وَلِيِّ العَهدِ مَرِحَةً، لَكِنَّ نَظَرَتَهُ كانَت جَدِّيَّة.
اِعتِمَدَ وَجهُ كارليكس الَّذي سَمِعَ تَصريحَهُ المُفْعَمَ بِالمَعنى.
أَعتَذِرُ، لَكِنَّني أَرفُضُ وَأَكرَهُ تِلكَ العَلاقَةَ المُثَلَّثَةَ الَّتي تَجعَلُني وَسَطًا…
“لَقَد أَسأتَ الفَهم. فَلا تَوجَدُ بَيني وَبَينَ صاحِبِ السُّمُوِّ أَيُّ عَلاقَة”.
“أَهَذا صَحيح؟”
قُلتُ بِحَزمٍ لا يَتَّسِعُ لأَيِّ تَرَدُّد.
لَقَد كانَ قَاطِعًا لِدَرَجَةٍ جَعلَت لودفينغ يُفَاجَأُ وَيَنظُرُ إِلى كارليكس.
بِنَظْرَةٍ مَليئَةٍ بِالشَّفَقَة.
لَعَلَّني أَشَعَلتُ النَّار.
حَمَلَقَ كارليكس فيَّ بِعَينَينِ تَتَّقِدانِ بِحَرارَةٍ كَأَنَّهُ سَيَأْكُلُني.
وَنَظَرَتُهُ المُتَأَجِّجَةُ بِاللَّهَبِ الأَزرَقِ تَسأَلُني.
أَعرِفُ مَعناها بِدُونِ كَلَام:
“إِذًا لِماذا قَبَّلْتِنِي؟”
نَعَم. أَعتَرِفُ.
أَنا المُذنِبَةُ الَّتي قَبَّلَتْ بَطَلَ القِصَّةِ تَحتَ تَأثيرِ الخَمْر.
حَتَّى إِذا أَمسَكَت فريزيا بِشَعرِي، لَن يَكونَ لِي حُجَّة.
لِذلِكَ، سَأَهربُ الآن.
“يا صاحِبَ السُّمُو، سَأُرافِقُكَ. لِنَذهَب”.
قُلتُ وَأَنا أَدفَعُ السِّتارَ بِسُرعَة.
في تِلكَ اللَّحْظَةِ.
“آآآه! وَحْش!”
اِنْدَفَعَ صَراخُ شَخصٍ ما مِن بَعيد.
مِن جِهَةِ مَلعَبِ المُباراة.
ما هَذا الصَّوت؟ فَتَحتُ السِّتارَ بِلا إِرادَةٍ، ثُمَّ جَمَدتُ في مَكاني.
لَقَد واجَهتُ الرُّعبَ لأَوَّلِ مَرَّةٍ في حَياتِي.
أَمامِي وَقَفَ شِبْهُ الإِنسانِ ذُو وَجهِ الذِّئْب.
جَسَدٌ ضَخمٌ يَبلُغُ طولُهُ حَوالَيْ مِترَين، مُغَطًّى بِفَروٍ رَمادِيٍّ.
صَرَخَ لودفينغ بِصَوتٍ مَليءٍ بِالدَّهشَةِ:
“وَحْش؟ كَيفَ هُنا!”
غِررِر!
عَوَّى الذِّئْبُ المُتَلَدِّدُ بِصَوتٍ شَيطانِيّ.
وَصَلَتْ رائِحَةُ وَحشٍ نَتِنَةٍ مَعَ نَسيمِ الهَواءِ البارِد.
بَرقَت أَنيابُهُ الظَّاهِرَةُ مِن بَينِ فَكَّيْهِ الكَبيرَينِ اللَّذَينِ يَصِلانِ إِلى أُذُنَيهِ، بَرقَةً قارِسَةً تَحتَ ضَوءِ القَمَر.
لَقَد أَذهَلَني ظُهورُ الوَحشِ غَيرِ الحَقيقِيِّ الَّذي لَم أَرَهُ إِلّا في الأَفلَام.
بَرقَت عَينا الوَحشِ الصَّفراوانِ وَهُمَا تُحَدِّقَانِ بي.
عِندَما شَعَرتُ مُتأَخِّرة بِخَطَرٍ عَلى حَياتِي، كانَ قَد تَحرَّكَ ظُفُرُ الوَحشِ الحادُّ نَحوَ عُنُقِي بالفِعل.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 44"