“حياة لنفسك… هذه أول مرة أسمع فيها مثل هذا الكلام.”
“ولِمَ ذلك؟”
توهجت عينا ولي العهد الزرقاوتان الذهبيتان ببطء كاللهيب.
كان وهجهما يلمع بجمال ساحر، وفي الوقت نفسه، يبدو حزينًا لدرجة تؤلم الصدر.
“لأن هناك واجبات وقدرًا يتناقلان كاللعنة منذ مئات السنين الملك يصبح ملكًا، والنبيل يصبح نبيلًا، والشعب يظل شعبًا ويعيشون ويقاتلون ويموتون حتى يؤدوا كل منهم مسؤوليته لا وجود أصلًا لحياة لي وحدي.”
أثناء تأملي عيني ولي العهد، تذكرت فجأة أسطورةً ما.
أسطورة تقول أن عيون العائلة المالكة في روبيريا تمتلك قوة غامضة تسمح لها برؤية روح الشخص المقابل.
“الأمر غريب أحيانًا يخيل لي أنك لستِ من هذا العالم، أفكارك لا يمكن أن يخطر بها أحد نشأ وتربى هنا.”
“ألا تعرف ذلك بنفسك يا صاحب السمو؟ ثقل الواجب والمسؤولية القاسي. لهذا ستكون أكثر حرصًا على الدوق، أليس كذلك؟ لأنه رفيق دربك في هذا القدر.”
تكتل ظل كثيف على وجه ولي العهد.
ارتفع شعور بالذّنب كان قد أخفاه بعمق إلى سطح عينيه.
أفرغ كأسه بمفرده وابتلع ابتسامة مُرّة.
“رفيق درب… هذا تقييم مبالغ فيه يجب أن أقضي ما تبقى من حياتي لأكفر له عن ذنبي.”
“وما هو هذا الذنب بالضبط، يا صاحب السمو؟”
هل أصبح سؤالي العابر سهَمًا يهيج جرح لودفينغ؟
ظهر أثر جرح عميق على تعابير وجهه.
“المأساة التي حدثت منذ سبع سنوات، التي يعرفها الجميع ولا يتحدث عنها أحد فقد ‘كارليكس ‘ والده ذلك اليوم يجب أن يتحمل شخص ما المسؤولية عن عدم منع تلك المأساة.”
كان صوت لودفينغ ثقيلًا ومتعبًا.
مثل حجر يغوص في عمق البئر.
“لم يكن ذلك خطأك يا سموّك. لم تكن موجوداً هناك آنذاك.”
هل يشعر بالذنب بسبب حادثة ظهور وحش في القصر الملكي قبل سبع سنوات؟
لكنه لم يكن شيئًا يستطيع منعه من الأساس.
“ألم أقل لكِ يا إيريكا. إنها واجب ومسؤولية منصبنا كعائلة مالكة.”
ابتسم لودفينغ ابتسامة مُرّة وهو يصبّ الخمر في فمه.
حاولت أن أشرب معه، لكن يَدًا كبيرة ظهرت فجأة وصدّتني.
“الإفراط في الشرب ليس جيدًا لكِ، يا إيريكا.”
نظرت إلى الخلف، فوجدت كارليكس واقفًا وقد ظلله ضوء النيران.
“أتساءل أي حديث وثيق يجري بينكما.”
“آه، كنت أستمع إلى حكايات بطولات الدوق كان سموّه يمدحه كثيرًا.”
ابتسمت ببرودة وألقيت كذبة.
في المقابل، وافق ولي العهد بكلامي بسلاسة.
“هذا صحيح. كنت أثني على نزاهة وطهارة دوق راينهارت في علاقاته مع النساء، أليست هذه فضيلة نادرة في هذا العصر.”
ارتفع طرف شفاه كارليكس الأنيقة في قوس.
من خبرتي، تلك إشارة خطيرة…
“كلامك غير صحيح، يا صاحب السمو علاقتي بالآنسة ‘دييل’ ليست طاهرة.”
رفع لودفينغ حاجبًا واحدًا باستغراب، ونظر إليّ بنظرة مثيرة للاهتمام.
توقعاتي المشؤومة لم تكن خاطئة أبدًا.
قبل أن يفتح كارليكس فمه مرة أخرى، أمسكت بكأسي بشدة واندفعت لأقف.
أحيانًا في الحياة، تأتي لحظات يجب فيها الهروب دون تفكير، ويبدو أن هذه إحداها.
“إيريكا، إلى أين تذهبين الآن؟”
عَبَسَ كارليكس وحاول الإمساك بي،
“أنا فضولي جدًا بشأن علاقتكما غير الطاهرة!”
ابتسم لودفينغ ابتسامة ماكرة وبرق نظره كأنه يقول إنه لن يفوّت الفرصة.
لكنني كنت قد ابتعدت عنهما بالفعل.
“هذا حديث لا يعنيني، إذًا، استمتعوا بأحاديثكما سموّكما.”
صحت من بعيد وهربت بسرعة.
سمعت أصواتهما ينادياني، لكنني تجاهلتها تمامًا.
نظرت حولي فرأيت مكانًا للجلوس بعيدًا أمام خيمة.
جثوت هناك وأخذت رشفات من بقية خمري وأنا أشاهد مشهد الحفل.
النجوم المنثورة في صفحة السماء تتلألأ، ونيران المخيم المشتعلة في أرجاء مكان الحفل تضيئ هنا وهناك.
الناس يضحكون ويثرثرون بسعادة، وتستمر الفرقة الموسيقية في العزف بإيقاعات بهيجة.
كان الجو هادئًا ودافئًا.
أتمنى لو استمر الأمر هكذا.
أن يقع كارليكس وفريزيا في الحب بسلاسة، وألا يشن فرانز تمردًا.
وأنا أيضًا أستمتع بسعادة بسيطة كأمينة مكتبة… وتنتهي القصة بذهابي إلى المنزل.
بدأ فارسان في الرقص أمام نيران المخيم الكبيرة.
تجمع فرسان آخرون في جماهير وهزوا أجسادهم بحماس.
يصفقون أو يشبكون الأذرع ويدورون في دوائر ويرقصون.
كان من الممتع مشاهدة رجال ضخام ذوي عضلات يلعبون بسعادة كالأطفال، فصفقت أيضًا وأنا أشاهد.
قبل أن أدري، كان ولي العهد قد تخلى عن هيبته وانضم إليهم في الرقص.
فرسان الحرس الشخصي أيضًا وضعوا أذرعهم على أكتاف بعضهم وراقبوا خطواتهم، ثم جذبو يد مايكل.
الفَتَى الذي سُحب فجأة وقلّد الآخرين بارتباك، اكتشفني من بعيد.
أشار لي كي أذهب، لكنني فزعت وهززت رأسي.
لقد لعبت في قاعات رقص حديثة عندما كنت صغيرة، لكن ظهري يؤلمني الآن.
حتى لو كنت قد انتقلت إلى هذا الجسد، لا أريد أن أتخلى عن صوابي وأرقص.
ففي النهاية، أنا ابنة كونت.
في تلك اللحظة، سقط ظل فوق رأسي.
استدرت فزعة عند شعوري بحضور غريب، فوجدت لويد وغيلبرت قد أمسكا بذراعي من الجانبين.
“سيدتي، تعالي. سنرافقكِ.”
“لكن هذا إجبار على الذهاب!”
“في يوم كهذا، يجب على الجميع الرقص والاستمتاع معًا. بالإضافة إلى ذلك، ألستِ سيدتنا سيدة النصر؟”
“ماذا؟ إ-سيدة؟ ماذا تقول؟”
انتهى بي المطاف وأنا أسحب إلى أمام مايكل.
ابتسم مايكل مشرقًا وجذب يدي.
“أختي، هيا نرقص معًا.”
أصبحت الموسيقى أسرع وأكثر بهجة.
بدا مايكل خجولًا، لكنه سرعان ما أظهر براعته في القفز وعبور قدميه بخفة.
أوه. ليس لدي خيار.
ابتسمت ابتسامة عريضة وشبكت ذراعي بذراع مايكل.
درنا معًا عبر الفرسان الحرس، ثم أعيد مايكل إلى مكانه.
كان الطفل سعيدًا وخدّاه محمرّان من الإثارة.
ليست ثريا فاخرة بل نيران مخيم، ليست سجادة فاخرة بل تراب.
ليس هناك أوركسترا رفيعة المستوى، بل فقط أغاني الفرسان العالية وتصفيقهم، لكنه كان أكثر متعة وحرية من أي حفل آخر.
رمينا القواعد الصارمة والأدب المتزمت جانبًا.
لم يهم إذا دُست على أقدامنا أو تناثرت علينا الأوساخ.
الجميع يرقصون بحماس كالأطفال الصغار.
“آه!”
كادت قدمي أن تزل وأنا أرقص بين الحشود.
لحسن الحظ، أمسك بي الشخص الذي كان خلفي واستعدت توازني.
“شك- شكرًا لك… آه.”
استدرت لأشكره، فكان كارليكس.
لفت يده الكبيرة كتفي برقة.
انحنى وهمس بأذني بصوت منخفض متحمس:
“منذ وقت طويل لم أرَ مايكل وفرساني يستمتعون بهذا الشكل.”
“أ- أعني، حقًا؟”
أليس من المفترض أن تحافظ على مسافة اجتماعية أثناء الحديث، أيها الدوق؟
لماذا تهمس في أذني تحديدًا؟ هذا يدغدغني.
“لم أستطع التوقف عن التوتر للحظة واحدة خلال كل ذلك الوقت لو تراخيت، لكنت سأفقد حياتي. في عالم لم يكن فيه سوى الخوف والكراهية، عشت على هذا النحو لسبع سنوات.”
التعليقات لهذا الفصل " 43"