ارتجّ جسدي من كلمات مايكل.
“آه لا تذكر حتى كلمة سيدة تلك إنها تثير اشمئزازي”
لماذا يفعل السيد الدوق أشياءً لم أطلبها ويضعني في موقفٍ محرج؟
لديّ شعورٌ مشؤوم بأن لقب “سيدة الفائز في البطولة” سيلاحقني لفترة طويلة.
حتى لو تم التعتيم على شائعات المجتمع بفضل فريزيا وولي العهد، فإن المشكلة تكمن في المحيطين بي.
من الواضح أن ولي العهد سوف يستهزئ بي كلما شعر بالملل، وويليام سيتحدث عن الأمر بابتسامته الرقيقة، وإن كان متكتمًا.
ومن البديهي أن روز ستحقق في علاقتي مع كارليكس إلى أن يخرج الغبار منها.
آه، رأسي بدأ يؤلمني بالفعل.
ربما أستغلها فرصةً لأخذ إجازةٍ طويلة؟
نظرت إلى السماء بقلقٍ وشعورٍ بالضيق.
كانت الشمس قد غربت دون أن أدري، وتنتشر الحمرة عبر السماء خلف الميدان، تاركةً آثارًا متوهجة.
ترك المتفرجون الساحة كما ينحسر المد.
بقي بعض النبلاء والفرسان يتحدثون ويضحكون بحيوية.
انطلقنا نحن أيضًا إلى غرفة الاستراحة.
بينما كنا نسير، كان مايكل يلقي نظراتٍ مليئةً بالإعجاب على الفرسان.
“رائع كيف يتشارك الفرسان معًا، بغض النظر عن الانتصار أو الهزيمة.”
“سوف تصبح فارسًا شجاعًا عندما تكبر، سيد مايكل”
مملكة روبيريا دولة تأسست على ولاء الفرسان وتفانيهم.
لذلك، من الشائع أن ينتسب نبلاء الشباب إلى الفرسان عند بلوغهم سن الرشد.
“هل سأستطيع؟ جسمي ضعيف وأمرض كثيرًا.”
نظر مايكل إلى معصمه النحيل وهو يخفض رأسه.
شعرت بالأسف على هيئته المحبطة، فالتقطت يده برفق.
“سمعت أن الفارس يحتاج إلى قلبٍ قويٍ ودافئ أنت تمتلك قلبًا أقوى وأكثر حنانًا من أي شخص آخر، لذا ستصبح فارسًا شجاعًا مثل السيد الدوق.”
بدا محرجًا من أنني أمسكت بيده، فأصبحت خدوده الناعمة كالزغب محمرةً قليلاً.
“أختي، تلك غرفة استراحة أخي دعينا نذهب بسرعة”
من الواضح تمامًا أنه يحاول تغيير الموضوع.
يا له من طفلٍ لطيف.
ابتسمت عندما رأيت ظهر الصبي يقودني وهو يمسك يدي بقوة.
يداه الصغيرتان والضعيفتان الآن ستصبحان مختلفتين عندما تكبران بما يكفي لتغلفا يدي.
ربما تصبحان يديْن تُدفئان العالم.
***
على جانبٍ من الميدان، كان يقف صفٌ من حوالي عشرة خيامٍ لغرف استراحة الفرسان.
كان الفرسان، الذين خلعوا دروعهم الثقيلة، يتحدثون بوجوهٍ مسترخية.
رأيت آخرين يقومون بصيانة أسلحتهم أو العناية بخيولهم.
كان هناك أيضًا، في جزءٍ آخر، مجموعة من نبلاء الشباب يرتدون تعابير تنافسية شديدة، وأقواسًا وأغمادًا للأسهم معلقةً على ظهورهم.
مع وجود لوحة الهدف، بدا أنهم في منتصف منافسةٍ وديةٍ في الرماية بين نبلاء الشباب.
عندما حولت نظري، رأيت شابًا بشعرٍ بنيٍ مجعدٍ ونظرةٍ حادةٍ يقف حارسًا أمام الخيمة الأخيرة.
كان غيلبرت من فرقة ظلال الفرسان.
كنت على وشك مناداته بفرح عندما اعترض طريق مايكل أحد نبلاء الشباب.
“يا مهلاً، مايكل! ماذا تفعل هنا، أيها المنزوي* الذي يقرأ الكتب في الصوبة؟”
•|اسم فاعل مشتق من الفعل “انزوى”، ويُشير إلى الشخص أو الشيء المنعزل، المنفرد، أو المتقوقع في ركن أو زاوية بعيداً عن الآخرين
بدا الشاب الذي يثير المشكلة فجأة أكبر من مايكل بثلاث أو أربع سنوات.
كان يرتدي قبعة مخملية مزينة بريش طاووس، وسترة جلدية، وسراويل ركوب، مما أعطاه مظهرًا متعجرفًا.
تفحص الصبي مايكل بعينين ممتلئتين بالغيرة والحسد.
عندما لم يجب مايكل، انفجر بغضبٍ مفاجئ.
“ألا تتذكرني؟ أنا اللورد زيك من عائلة دوق أريد!”
همست في أذن مايكل برفق.
“لا يبدو صديقًا. هل هو منافس؟”
“لا يا أختي. إنه أحد نبلاء الشباب رأيته لفترة وجيزة في حفل شاي أقيم في القصر الملكي. لا تهتمي به.”
هممم… لست بحاجة حتى للنظر.
من الواضح أن مايكل نال إعجاب الشابات في حفل الشاي وتم الإشادة به باعتباره عبقريًا ذكيًا.
هذا الشاب غيور، لذا يثير المشكلة.
حاولت المضي قدمًا بعد تحية مهذبة فقط، لكن زيك أمسك بكتف مايكل بعنف وسحبه.
“إلى أين أنت ذاهب!”
“سيد مايكل!”
فقد النبيل الصغير توازنه وتمايل وكاد يسقط. أسرعت ورفعته.
أشار زيك ساخرًا.
“يا لك من طفلٍ يعيش في تنورة خادمة!”
كيف يتجرأ هذا الوغد المغرور أن يلمس نبيلنا الصغير؟
لاحظ غيلبرت الاضطراب وأسرع ليحيط بكتف مايكل.
“سيدي الصغير، هل أنت بخير؟”
بدا غيلبرت غاضبًا من أن سيده الصغير العزيز قد دُفع، ونظر إلى زيك بتعبيرٍ صارم.
لكن الشاب المتغطرس استشاط غضبًا بدوره وصاح بأعلى صوته.
“كيف تتجرأ أيها الفارس التافه أن تحدق فيّ، وأنا نبيل؟!”
عندما أثار زيك الضجة، اجتذب الانتباه بشكل طبيعي.
نظر الفرسان إلى زيك بتعبيراتٍ منزعجة، بينما وقف نبلاء الشباب الآخرون متشابكي الأذرع يراقبون بفضول.
مع تجمع المزيد من المتفرجين، ازداد زيك تبجحًا وأشار بإصبعه إلى مايكل.
أود حقًا أن أكسر إصبعه.
“مايكل، فارس عائلتك تجرأ على إهانتي بما أنك سيده الصغير، فعليك التعويض نيابةً عنه.”
“هذا غير معقول. السير غيلبرت لم يفعل شيئًا.”
احتج مايكل، لكن زيك تجاهله تمامًا وأمر خادمه بإحضار القوس.
بعد لحظة، عاد الخادم بقوسٍ وجعبة.
رمى زيك بهما عند قدمي مايكل.
“حتى وردة الصوبة يجب أن تعرف أساسيات الرماية تنافس معي.”
هذا الفتى الصغير الأخضر أهان مايكل العزيز، وعاملني كخادمة، وذهب إلى أبعد من ذلك لإيذاء غيلبرت البريء.
لا يمكنني الاستمرار في التحمل.
يجب أن تدوس على البرعم المنحرف برفق من البداية لينمو بشكل صحيح.
إنه يحتاج إلى درسٍ جيد.
التقطت القوس والجعبة المتساقطين على الأرض ونظرت إلى زيك بتحدٍ.
“لا توجد حاجة لمشاركة سيد مايكل في مثل هذه المنافسة، فلنتنافس أنا وأنت.”
أسرع مايكل، المحتار، لمنعي.
“لا، أختي! سأفعلها أنا!”
استهجن زيك أيضًا، غير مصدق.
“ألستِ خادمة؟ كيف تتجرئين على تحدّيي؟”
“أنا إيريكا دييل، أمينة المكتبة الملكية أتحداك نيابةً عن سيدنا الصغير مايكل والسير غيلبرت، اللذين أهنتَهما.”
“ها؟ هل تعتقدين أنكِ في مستوى منازلتي؟”
ضحك الشاب المغرور بصوت عالٍ.
لم يكن الأمر يستحق الإجابة، لذا وضعت سهماً على القوس.
وعندما مددت الوتر، ارتد زيك إلى الوراء مذعورًا.
أنا أبتسم بينما أقوم بشد الوتر.
“فلنبدأ المسابقة. أنا شخصٌ متسرع.”
“إذا كنتِ أمينة مكتبة، فاقرئي الكتب لماذا تتدخلين في منافسة النبلاء؟ ألا تعرفين مكانكِ، تتصرفين بوقاحة؟”
كان يرتجف خوفًا من أن يطير السهم، لكن كبرياءه ظل سليمًا، فاندفع غضبًا.
كثير الكلام بالنسبة لصبيٍ صغيرٍ كهذا.
ربما أطلق النار وكأنه حادث.
سيبكي ويصرخ ويبحث عن أمه حتى لو مر السهم بالقرب من وجهه.
“هل كنتما توشكان على بدء منافسة مثيرة للاهتمام في غيابي؟ هذا محزن.”
صوت مألوف جاء من الخلف.
التفتُ لأرى ولي العهد يقترب برفقة فرسان حرسه.
كان يبتسم وهو يصفر بهدوء.
“أمينة المكتبة إيريكا يبدو أن الأمور المثيرة تحدث دائمًا حولكِ؟”
مع ظهور ولي العهد المفاجئ، تجمد زيك في مكانه وانحنى رأسه حتى كاد يلامس الأرض.
“صاحب السمو ولي العهد. أرجو أن تكونوا في أتم الصحة والعافية.”
عقد لودفينغ حاجبيه للحظة متذكرًا، ثم استعاد تعبيرًا غير مبالٍ.
“لا أتذكر من أنت، لكن هذا غير مهم. فلنبدأ المسابقة. أريد أن أرى مهارة السيدة إيريكا في الرماية.”
أحضر مساعد القصر سريع البديهة كرسيًا حتى.
مع جلوس ولي العهد، تجمع النبلاء الآخرون والفرسان الذين كانوا يستريحون بشكل طبيعي.
مع تحول المنافسة الودية البسيطة إلى حدثٍ برعاية ولي العهد، بدا زيك ونبلاء الشباب الآخرون محتارين.
قام الخدم بسرعة بإضاءة المشاعل حول لوحة الهدف.
“حسنًا، فلنبدأ المسابقة. سأكافئ الفائز شخصيًا.”
كان صوت ولي العهد مهيبًا، لكن تعبير وجهه كان أشبه بزعيم حارةٍ منغمسٍ في لعبةٍ ممتعة.
كان الارتباك لحظيًا فقط، فقد تقدم زيك مبتسمًا بثقة وربط قوسه.
تبعه خادمه الحائر حاملًا جعبته.
كنت أستعد للذهاب أيضًا عندما حاول مايكل وغيلبرت، بتعبيراتٍ قلقة، منعي.
“أختي، لا داعي لأن تشاركي في المسابقة وتجهدي نفسك من أجلي.”
“هذا صحيح. تلقى النبلاء الشباب تدريبًا على الرماية منذ الطفولة، لذا فهم يمتلكون مهاراتٍ كبيرة. ستكون بالتأكيد منافسةً صعبة.”
همم، لقد أصبحت جيدة في الرماية الآن أيضًا.
ربما لدي موهبة، لأن نسبة إصابتي للأهداف عالية.
ألا يمكنك فقط أن تثقَ بي هذه المرة، أيها الأخ الصغير؟
حاولت إقناع مايكل عندما سمعت صوتًا خشنًا منخفضًا خلفي.
“أريد أن أرى ذلك أيضًا. مهارتكِ في الرماية.”
“أخـي!”
صرخ مايكل بوجهٍ مشرق.
كان كارليكس، مرتديًا ملابس عادية، ينظر إليّ بابتسامةٍ لطيفةٍ تعلو شفتيه.
بدا وجهه أكثر لطفًا وهو يرتدي قميصًا تونيكًا أبيض مريحًا، بدلاً من لباسه الرسمي المعتاد الصارم.
أقترب كارليكس من وجهي.
“بما أن هذا الشخص قد دنّس شرف أخي، أتوسل إليكِ يا سيدتي أن تستعيديه.”
همس بأدب، بصوتٍ هادئٍ ولكن آسر، قرب أذني.
كما لو كان عاشقٌ جذابٌ يغري فارسًا ليحقق له النصر.
دون أن أشعر، تشبثت يدي بالقوس بقوة وتسارع نبضي.
“ش- شكرًا لك على ثقتك، سيدي الدوق.”
تراجعت جانبًا ووقفت بعيدًا عن كارليكس قدر الإمكان.
وجود هذا البطل قريبًا ليس جيدًا لقلبي.
هدأت نفسي ونظرت إلى الأمام.
كانت المسافة إلى الهدف حوالي 80 مترًا.
كانت السماء مظلمة، لكن المشاعل المنتشرة في أنحاء الميدان ونار المخيم المركزية حلّت المشكلة.
تقدم مساعد القصر وبدأ شرح قواعد المسابقة.
“ستطلقان السهام بالتناوب ثلاث سهام لكلٍ منكما، مع الحصول على نقاط أعلى كلما اقتربت من المركز”
“سأبدأ أولاً.”
تقدم زيك أولاً ومد قوسه بثقة.
انطلق السهم في لمح البصر واستقر في مركز الهدف.
صفق نبلاء الشباب المراقبون.
“زيك، مُصوِّب ماهر حقًا. جيد جدًا!”
لوح زيك يده للناس متباهيًا، ثم نظر إليّ وإلى مايكل ساخرًا.
كما لو كان يقول إنكم لا تضاهونني.
تغير تعبير وجه مايكل فجأة إلى اللون القاتم.
“زيك مشهور بمهارته في الرماية بدلاً من أن تتعرضي للإهانة أختي، سأطلق السهم بنفسي.”
بينما كان مايكل يتحدث بتصميم، ربطت شعري الطويل المزعج في كعكة ولففت أكمامي.
أمسكت القوس الفارغ وجربت الوتر عدة مرات.
لم يكن مألوفًا في يدي، لكنه كان قوسًا جيدًا.
“ثق بي هذه المرة فقط. إيريكا، المنقذة لعائلة الدوق، ستحقق لك النصر.”
غمزت لعين واحدة لمايكل وتقدمت بثبات.
تجمع النبلاء والفرسان حول الميدان وبدأوا بالهمس.
كان خروج فتاة نبيلة للمشاركة في مسابقة رماية بحد ذاته حدثًا غير مألوف، ويبدو أن الجميع وجدوا شيئًا جديدًا للتسلية.
همست السيدات النبيلات وبنات النبلاء مندهشات. نظر بعض نبلاء الشباب إليّ بتعبيراتٍ مستهجنة.
تركت الضوضاء الصغيرة خلفي وتنفست بعمق.
أستطيع رؤية النقطة البعيدة على لوحة الهدف بوضوح.
مددت وتر القوس وأطلقته.
كانت الحركة سلسة وطبيعية كالماء الجاري.
انطلق السهم كالضوء وأصاب مركز الهدف.
“إصابة مباشرة! رائع!”
“هل تلقت تدريبًا خاصًا؟ إنها مهارة مذهلة في الرماية!”
انطلقت علامات الإعجاب من بين الجمهور الذي يشاهد المسابقة.
مع تحطيم التوقعات بالفشل، تغيرت النظرات الموجهة لي فجأة.
أطلق مايكل نفسًا مرتاحًا من الراحة وابتهج، بينما صاح لودفينغ بحماس
“كنت أعرف ذلك! كنت واثقًا منكِ!”
كان كارليكس يحدق بي فقط بابتسامة راضية تعلو شفتيه.
نظر إليّ زيك الذي كان يقف بجانبي بتعبيرٍ غير مصدق.
“هذا غير معقول. كيف تمتلكين هذه المهارة…؟”
“إذا كان هناك سر، فهو الممارسة المستمرة، أعتقد”
ابتسمت بعذوبة وشجعته على أخذ دوره التالي.
بدا غاضبًا وصرّ أسنانه، ثم وضع سهمًا على وتر قوسه بسرعة.
استقر سهم زيك بعيدًا عن المركز بحوالي عرض إصبع.
“أوه، للأسف.”
سمعت أصوات تأسف من هنا وهناك.
عندما فشل في تحقيق إصابة مباشرة، لم يستطع زيك كبح غضبه وهز السهم غاضبًا حتى كسره.
ثم، جاء دوري.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 40"